يُعدّ التعليم حقًّا من الحقوق الرئيسة التي نصّت عليها المواثيق الدولية المعنيّة بحقوق الإنسان، وكذلك الدساتير السورية، التي تعدّ الدولة بموجبها مسؤولةً عن مبادئ أساسية: الحقّ في التعليم، التعليم للجميع، تكافؤ الفرص التعليمية، مبدأ الإتاحة، العدالة الاجتماعية في التعليم، مجانية التعليم، وسوى ذلك من المبادئ المتضمنة في حقوق الإنسان.

في السبعينيات والثمانينيات، حصل في سورية توسيع لقاعدة التعليم العددي في المرحلة الأولى (الابتدائية)، من خلال إلزامية التعليم ومجانيته إلى حد ما، وتم توسيع التعليم في ما بعد إلى مرحلة التعليم الأساسي فقط، ولم يصل إلى المرحلة الثانوية، كما هو حاصل في معظم دول العالم، كحقّ من حقوق الطلاب في التعليم الثانوي، وكجانب من متطلبات تطوير العملية التعليمية، وكهدف وطني أيضًا بالدرجة الأولى، ولكن كلّ المؤشرات الإحصائية لوزارة التربية والتعليم تشير إلى أن قاعدة التعليم الإلزامي في التعليم الأساسي بقيت حبرًا على الورق، حيث كان التطبيق وهميًا، خاصة في الأرياف السورية.

ومن المفترض كذلك ألّا تقتصر قاعدة المفهوم المجاني للتعليم في سورية على الكتب والأقساط الرمزية للانتساب إلى المدارس، وأن تشمل المصاريف المترتبة على العملية التعليمية كافة، حتى المواصلات والوجبات الصباحية وغيرها، ضمن الرؤية الوطنية لتطوير التعليم.

في نظرة أولية إلى واقع التعليم السوري؛ نلاحظ أن هناك غيابًا للعدالة في العملية التعليمية التي تتحدث عنها المؤسسات التعليمية التابعة للنظام السوري، حيث فرص التعليم محكومة بعدد من العوامل الاجتماعية غير المحايدة، وبالتحديد العوامل التي تقف إلى جانب أبناء فئة صغيرة من السوريين، أعني الفئة الغنية جدًا وأصحاب النفوذ والسلطة في سورية، على حساب الأغلبية المطلقة من الفقراء التي تشير الإحصائيات إلى أن نسبتها 85% من السوريين، حتى أبناء الفئات المتوسطة. ويمكن الحديث هنا عن ثلاثة تصنيفات لتوزع التعليم السوري، تبعًا للمكانة الاقتصادية للسوريين.

التصنيف الأول، التعليم الحكومي الذي يستوعب الأغلبية العظمى من الطلاب السوريين، وفي المراحل التعليمية كافة، من مدارس وجامعات، حيث التكلفة المالية الرمزية كرسوم للتسجيل والانتساب إليها، وهي في الوقت نفسه تكلفة مرهقة، في ما يتعلق بتأمين المصاريف التعليمية، من شراء المستلزمات التعليمية والمواصلات والسكن والمعيشة… إلخ، التي تصل إلى مئات آلاف الليرات السورية، بالنسبة إلى طلاب الجامعات، خاصة بعد الحرب السورية، حيث أصبحت مرهقة ماديًا لمعظم الأسر السورية، كذلك هذه المجانية أو الرمزية أصبحت زائفة ومفرغة من المضمون، حيث يقابلها إرهاق لأسر طلاب مرحلة التعليم الأساسي والثانوي، بمصروفات الدروس الخصوصية والمعاهد الخاصة الداعمة للطلاب التي أصبحت آفة في جسد النظام التعليمي السوري يصعب التخلّص منها، خاصة في ظلّ نمط التقويم الحالي الذي يعتمد على الحفظ والاسترجاع والذي نجحت الدروس الخصوصية في ترسيخ نمطه والتواؤم معه.

وفي ظل غياب بيئة تعليمية سليمة وفعالة في سورية، لا يمكن الحديث جديًا عن عملية تعليمية حقيقية وفعالة، حيث يصعب على المعلّم المستهلك نفسيًّا ومعيشيًّا، في البحث عن مصادر أخرى لتأمين لقمة العيش أو مستلزمات الحياة له ولأسرته، أن يؤدي دوره التدريسي والتربوي المطلوب، كما يتعذر على الطالب ربط المعلومات المقدمة له، مهما كانت مهمة، في مجالات العمل الممكنة في المستقبل، إضافة إلى أن المستوى المتدني من الاحترام الاجتماعي للمعلمين وللتعليم الحكومي في الثقافة الاجتماعية السائدة في الوقت الراهن سينعكس بالضرورة سلبًا على الصورة الكلية للعلم والتعليم الحكومي في ذهن الطلبة.

التصنيف الثاني من التعليم السوري نجده في المدارس والمعاهد الخاصة، في المراحل التعليمية كافة، ما قبل الجامعة وكذلك في الجامعات الحكومية في ما يسمّى التعليم الموازي والمفتوح، الذي لا يختلف عن الحكومي سوى في رسوم التسجيل، حيث التكلفة المالية أعلى من الحكومية، حيث تصل تكلفة المادة التعليمية إلى نحو مليون ليرة سورية في الشهادة الثانوية، على سبيل المثال، وهذا النوع من التعليم من نصيب بقايا الفئات الوسطى من السوريين، وممن تصل إليهم مساعدات مالية من الخارج.

بينما يحضر التصنيف الثالث في المدارس والجامعات الخاصة، التي تعتمد المناهج التعليمية المختلفة جزئيًا عن المناهج الحكومية، حيث تتباين أيضًا تبعًا لحجمها وسمعتها، فالإقبال عليها يتوقف على القدرات المالية الباهظة لأسر الطلاب، وليس على القدرات العلمية والمهارية لهم، حيث نجدها حكرًا على الطلاب الأغنياء جدًا، وخاصة أبناء المتنفذين في النظام السوري، حيث تحقق لهم متطلبات الوجاهة الاجتماعية والسلطوية للبعض منهم، بينما لا يستطيع حتى أبناء الطبقات المتوسطة الالتحاق بها.

استنادًا إلى ما سبق؛ نلاحظ المؤشرات الدالة على توزيع التعليم السوري وفقًا للتصنيف المادي للسوريين، حيث الإمكانات المالية للطلاب هي العامل المتحكم في مبدأ إتاحة الفرص التعليمية، في الاختصاصات التعليمية كافة، وبالتالي فإن الحديث عن مجانية التعليم في سورية ومبدأ الإتاحة في الانتساب للتعليم الجامعي يكون بناء على قدراتهم واستعداداتهم التعليمية وبما يلبي ميولهم ويشبع رغباتهم وحاجاتهم، وكذلك توفر وسائل وأدوات وإمكانات متكافئة للحصول على التعليم لم يعد مقنعًا لأحد من السوريين، وهذا يعني الغياب المطلق للعدالة الاجتماعية في التعليم السوري.

بالطبع، لا نقصد بالتوزيع العادل للتعليم السوري أن على كل فرد من أفراد المجتمع السوري أن يحصل على القدر نفسه من التعليم، ولكن ما نقصده أن تتاح الفرص المتساوية أمام الجميع ليحصل كل فرد على القدر من التعليم الذي يتناسب وقدراته واستعداداته وتحقيق ميوله واتجاهاته، بشرط تحييد الخصائص الاقتصادية والاجتماعية أي التصنيفات المادية في عملية توزيع التعليم.

باختصار مكثف: يمكن القول إن التعليم في سورية -بوضعه الراهن وآليات توزيعه الحالية وأشكاله المختلفة وأنماطه المتعددة وثقافاته المتباينة- صار أداة من أدوات التدمير التي يمارسها النظام في تدميره المجتمعي للمجتمع السوري، من خلال تكريس ثقافة الانسحاب من التعليم، ونشر ثقافة الاغتراب وتعدد الولاءات وتباين الانتماءات للأجيال القادمة، كما صار من أهم عوامل ضعف التماسك الاجتماعي، وأداة لتوزيع الكراهية وتأجيج الصراعات الاجتماعية بين أبناء المجتمع السوري، بما يزيد تشظي أنساق المجتمع السوري.

من أجل الوصول الشامل والمجاني للتعليم، كسياسة وطنية بالدرجة الأولى وكحقّ من الحقوق الرئيسة للإنسان، بعد حصول التغيير السياسي المطلوب في بنية النظام السياسي الحالي؛ لا بدّ من العمل -إلى جانب إلزامية الطفل السوري في التعليم- على حماية الطفل من العمالة والتجنيد وسوء الاستغلال والمعاملة وزواج القاصرات من الإناث، وغير ذلك من الانتهاكات التي تحصل بحقهم في الوقت الراهن في سورية، والعمل على تحرير المناهج التعليمية وخاصة الجامعية من الجهات الوصائية الأمنية، السياسية والأيديولوجية، مع التأكيد على ضرورة دعم الحكومات القادمة في المستقبل للعملية التعليمية واستقلالها المطلق، لكونها تعلو على التجاذبات والتقلبات السياسية وغيرها، واعتبار تكافؤ الفرص في التعليم من المسلّمات الوطنية السورية.