يتناول هذا المقال موجة الغضب العارمة التي عبّر عنها عددٌ كبير من المسلمين، إزاء فرنسا ورئيسها حول ما أصبح يعرف بقضية “الرسوم المسيئة للنبيّ”، والتي أسفرت عن هجومين أدّيا إلى مقتل عدد من الفرنسيين. الأمر الذي أثار مخاوف كثيرين من أن موجة الغضب المتبادل بين المسلمين والفرنسيين -والغربيين عمومًا- قد تصل إلى مستويات غير مسبوقة. المقال تحليل لظاهرة موجة الغضب عند المسلمين، من زاوية التحليل الاجتماعي النفسي، وقد تبيّن أن موجة الغضب تلك قد تعود لأسباب لا تتعلق بتلك الرسوم بشكل مباشر، بقدر ما تتعلق بالشعور المتنامي بالإحباط لدى المسلمين، لا سيّما بعد الأوضاع المعقدة التي يعيشها المسلمون منذ عام 2011.

تسمّى موجة غضب المسلمين من تلك الرسوم، والأوصاف التي تصف الإسلام والمسلمين بالإرهاب والميل للعنف والانغلاق، تسمى في علم النفس بالتصعيد أو التسامي Sublimation، وهو مفهوم نحته عدد من علماء النفس منذ بدايات القرن العشرين، غير أنه أخذ مكانه في علم النفس الاجتماعي الحديث. ويعني المفهوم من جملة ما يعني أن ارتفاع حجم خيبات الأمل وإخفاقات الحياة الواقعية تضغط على الفرد، والمجتمع عمومًا، فيحاول الناس التسامي عن هذه المشاعر المؤلمة، والتصعيد باتجاه التفكير في قضية تعيد التوازن النفسي للإنسان، وتخفف من ضغوطات خيبات الأمل على النفس، وتحافظ على احترام الفرد لنفسه ومجتمعه. ويقول علماء النفس الاجتماعي إن القضية التي يختارها الناس للتسامي غالبًا ما تحقق الاحترام الاجتماعي، وتزيد من مكانة الفرد داخل مجتمعه ومكانة مجتمعه بين المجتمعات. بهذه الطريقة اللاشعورية ينسى الفرد، ولو جزئيًا، مشاعر الإحباط، ويأخذ يتمتع بالمكانة الموهومة التي صنعها لنفسه وجماعته.

 طبعًا، للتصعيد أو التسامي عشرات الطرق، ولكنه في النهاية عملية لا شعورية، تحدث بعفوية ودون تفكير واع، هي آلية دفاعية يلجأ إليها الناس للتكيف مع صعوبات الحياة. والوظيفة التي يقوم بها التسامي تشبه وظيفة أحلام اليقظة، حيث يتخيّل الفقير نفسه أغنى الأغنياء، ويقوم الجبان بأشجع الأعمال. وللتسامي أشكال واقعية تؤثر إيجابًا في حياة الفرد، وأشكال وهمية تورط الفرد في صراعات لتحقيق بطولات من نسج خياله.

موجة الغضب هذه هي تنفيس لا شعوري عن حالة القهر التي نعيشها، إنها هروب إلى الأمام لإخفاء بؤسنا الداخلي، وتعبير مزيف عن قوة وهمية. إنها تحويل للأنظار عن مصدر القهر، القهر الذي يمارسه طغاة المنطقة والطبقات الدينية المتحالفة معهم علينا.

 ومن أشهر حالات التسامي التي تحدث عنها علماء النفس، وجودُ عدد كبير من الناجحين في الحياة، ولكن طفولتهم لم تكن على ما يرام، وقد تبيّن لفرويد -مثلًا- أن هناك أكثر من جرّاح مشهور كان في طفولته طفلًا مشاكسًا لا تفارق جيبه السكين، وأن هناك أدباء وفنانين كبارًا عانوا في طفولتهم مشكلات من حيث عدم التكيف، وكذلك لاحظ علماء نفس آخرون أن عددًا من الرياضيين كانوا عدوانيين، قبل أن يصعّدوا تلك المشاعر، ويتحولوا إلى رياضيين مشهورين.

إذا عدنا إلى عالمنا الإسلامي وموجة الغضب هذه؛ فسنجد أن المسلمين الغاضبين هم من فئات ومشارب مختلفة: معتدلين ومتطرفين، ناس عاديين وعلماء دين كبار، معارضين للأنظمة ومؤيدين حتى العظم، متنورين ومتشددين، مسلمين يعيشون في دول ذات نظام إسلامي متشدد، وآخرين يعيشون في دول إسلامية علمانية، مهاجرين في أوروبا ومقيمين في دولهم… غير أن ما يجمع بين كل هؤلاء هو شعورهم بالإحباط في حياتهم، والإحباط هو الأمل بلا جدوى أو فقدان الأمل. هناك شعور بخيبة الأمل، يزداد شيئًا فشيئًا في العالم العربي/ الإسلامي، فنتائج ثورات الربيع العربي غير مشجّعة البتة، حتى الأنظمة الحاكمة تعاني حالة قلق دائم على كراسيها، بعضها يطبع بشكل مجاني لعَقد تحالفات الغاية منها الهيمنة على شعوبها، وبعضها يبيع أراضي الوطن، وبعضها يرفع شعار السيادة مقابل البقاء. وعلى مستوى الحريات، الأمور في تراجع، وعلى مستوى الانقسامات بين المسلمين، هي في ازدياد مستمر، والمناطق التي يتعرض فيها المسلمون للقتل والتهميش تزداد حتى وصلت إلى الصين. الأوضاع الاقتصادية بالنسبة إلى المهاجرين أو الذين بقوا في بلدانهم أسوأ من بعضها. معدلات خوف العائلات على مستقبل أولادها تزداد يومًا بعد يوم. التطبيع عاد من جديد وبأرخص الاثمان، الفلسطينيون قد يُجبرون على التخلي عن القدس في سياق “صفقة القرن”، التنظيمات الإسلامية المسلحة تريد أن تُعيد المسلمين إلى زمن العصور الوسطى..  

أوضاع كهذي، حيث تنتفي قدرة المسلم على الفعل والتأثير، لا تدع أمامه سوى التسامي فوق كل تلك المشكلات والخيبات، وذلك بالدفاع عن شخصية رمزية يحبّها كل المسلمين وهي شخصية النبي عليه الصلاة والسلام. الدفاع عن شخصية الرسول هو عمل يحترمه المجتمع، ويزيد من إحساس الفرد بقدرته على الفعل والتأثير، لا سيّما أن هذا الشعور بانخفاض القيمة اليوم هو في أدنى درجاته. مثلما أن هذا الغضب موجه إلى الآخر الثقافي، أي أنه يخفي خوف الفرد على وجوده وهويته. طبعًا من حقّ الناس أن يخافوا على أنفسهم من الطغاة والمتحالفين معهم، ولكن التعبير عن هذا الخوف يكشف ضعف الناس وقلة حيلتهم، ولذلك يُستبدل بالغضب على الغرب، العدو الأسهل إذا ما قورن بفروع الأمن العربية. ولا سيّما أن شتم رئيس فرنسا أسهل بألف مرة، من شتم عنصر من الدرجة العاشرة في المخابرات، وأنّ قتل معلّم فرنسي، يعرض رسومًا مجسمة لشخصية الرسول، له قيمة أكبر لدين المسلمين من قتل مفتٍ ينافق للحكام في الصباح والمساء، ويجمع الملايين من وراء تدينه.

موجة الغضب هذه هي تنفيس لا شعوري عن حالة القهر التي نعيشها، إنها هروب إلى الأمام لإخفاء بؤسنا الداخلي، وتعبير مزيف عن قوة وهمية. إنها تحويل للأنظار عن مصدر القهر، القهر الذي يمارسه طغاة المنطقة والطبقات الدينية المتحالفة معهم علينا، تحويله إلى معلّم أو صحفي غير معروف حتى في الحي الذي يعيش فيه.

افتقار المرء إلى العدل في حياته الاجتماعية يُعدّ -بحسب عالمي السلوكيات كلاوس جافي ولوي زابلا- إحدى العلامات الكبرى الدالة على اضطراب الشخصية. وهذا يعني بلغة علم النفس الاجتماعي أن كل من يتعرض للظلم إنسان غير سوي نفسيًا، ويعاني من القهر الذي يدفعه، عندما يفتقد وسائل مواجهة مصدر قهره الحقيقي، إلى اختراع مصدر قهر وهمي يستطيع أن ينتصر عليه بسهولة. وهو تحويل يشبه تحويل الإنسان المقهور البسيط مصدر عاره من السلطات التي تنهبه وتتسلط عليه، إلى المرأة التي ليس لها حول ولا قوة، والتشبيه لعالم النفس مصطفى حجازي.

معظمنا يشعر بالعار: أوضاع المسلمين، مقارنة بأوضاع الشعوب المتقدمة، مخجلة، الظلم والقهر والنهب يسجل في العالم الإسلامي أعلى المستويات، طبقات رجال الدين في بلاد المسلمين من أفسد الفئات الدينية الموجودة على وجه البسيطة، الأنظمة الحاكمة، سواء كانت علمانية أم قومية أم إسلامية، تنتمي إلى القرون الوسطى، وهي أشبه بعصبات وشبكات “مافيوية” مخضرمة. الكل يشتكي من تدني مصادر الرزق وانهيار التعليم والانحدار الكبير في وسائل الإعلام.

ومن هنا؛ فإن أسباب اضطراب الشخصية كثيرة في عالمنا الإسلامي، ومصادر القهر والعار تزداد قوة وتماسكًا، ولا يجد الإنسان المسلم أمامه سوى اختراع أسباب وهمية لهذا القهر والعار، ليتحول إلى فرد بأس دون وعي منه.  

والبأس في الغالب يكون مستلبًا، والاستلاب يعني أن يتبنى المرء قيمًا وأفكارًا تزيد من قوة الفئات التي تسيطر عليه وتقهره، في الوقت الذي يظن أنه يتجرأ على من ينتقد عقيدته ودينه وهويته. موجة الغضب تريد أن تقول إن الغرب لا يحترم ديننا ونبينا، وبلغة بشار الأسد والقذافي وباقي طغاة المنطقة: الغرب يتآمر علينا. الطغاة هم أكبر من يستثمر في هذه القضية ويجني المكاسب. ولكنهم يجنون المكاسب عبر تعبير المسلمين عن استلابهم. الأنظمة الحاكمة تساعد المسلمين كثيرًا في هذه المهمة، لكي تلهيهم عما تقوم به. هكذا رتب النظام السوري- مثلًا- في عام 2006 احتجاجات ضخمة على الرسوم المسيئة للنبي، وسمح للمحتجين بحرق بعض سفارات بعض الدول الأوروبية، وذلك حتى يخفف الغرب الضغط عليه بعد اتهامه بقتل الحرير. والنظام السوري -كما يعرف الجميع- نظامٌ يدعي أنه علماني، فما بالك بالمكاسب الهائلة التي تجنيها أنظمة الحكم الإسلامية من وراء الاستثمار في قضية الرسوم!!