حُكمَت سورية في ظلّ حالة الطوارئ 48 عامًا، ولم تُرفع تلك الحالة إلا في العام 2011، على إثر انتفاضة السوريين ضدّ نظام البعث الذي وصل إلى السلطة عقب انقلاب الثامن من آذار لعام 1963. وقد شاركَ في هذا الانقلاب حافظ الأسد، بصفته عضوًا في اللجنة العسكرية للفرع الإقليمي السوري لحزب البعث العربي الاشتراكي. وفي 16 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1970، استأثرَ الأسد، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير الدفاع، بالسلطة عقب انقلاب عسكري على رفاقه، عُرف بـ “الحركة التصحيحية”، ليطيح برئيس الجمهورية نور الدين الأتاسي، وليستمر في حكم سورية حتى وفاته في العام 2000.

تزامنَ انقلاب الثامن من آذار مع إصدار أمرين عسكريين استمرَّ العمل بهما بضعة عقود، ينصّ أولهما على صلاحية النظام الحاكم، ممثلًا بـ “المجلس الوطني لقيادة الثورة”، بممارسة السلطتين التشريعية والتنفيذية، بينما يفرض الثاني حالة الطوارئ في البلاد. وهكذا تأسّست في سورية، في ظلّ حكم الأسد الأب، دولة دكتاتورية قائمة على الأحكام العرفية، وعلى حكم الحزب الواحد أو الفرد ذي السلطات المطلقة واللامحدودة، في ظلّ قمع واسع ومنهجي لحريات المواطنين ولحقوقهم.

في ظلّ حكم حافظ الأسد، صدرَت ترسانة من المراسيم المكرّسة لسلطة النظام الدكتاتوري، ممثلًا بكلٍّ من مؤسسة رئاسة الجمهورية والأجهزة الأمنية وحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم؛ فجاءَ دستور عام 1973 لينصّ في مادته الثامنة على أنّ “حزب البعث هو القائد في المجتمع والدولة”، وأعطى لرئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، على صعيد كل من السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ حيث تخوّل المادة 111 من هذا الدستور رئيس الجمهورية الحق بالتشريع، سواء أكان أثناء انعقاد دورات مجلس الشعب أو خارجها أو حتى في المدة الفاصلة بين ولايتي مجلسين، وتُتيح له المادة 107 حلّ مجلس الشعب، وتخوّله المادة 98 الحق بالاعتراض على القوانين التي يقرّها هذا المجلس. وعلى صعيد السلطة القضائية، نصّت المادة 132 من هذا الدستور على أنّ “يرأس رئيس الجمهورية مجلس القضاء الأعلى”، ونصت المادة 139 على أن “تؤلف المحكمة الدستورية العليا من خمسة أعضاء يكون أحدهم رئيسًا يسميهم رئيس الجمهورية بنفسه”. وهكذا تعرّض كلٌّ من مبدأ فصل السلطات وحصانة القضاة واستقلالهم للانتهاك المستمر، في ظلّ حكم الأسد. وقد نصّ القانون الخاص بأمن حزب البعث العربي الاشتراكي رقم 52 لعام 1979 على عقوبات قاسية على كلِّ فعل يُقصد منه منع حزب البعث من ممارسة مهامه، تصل إلى الإعدام في بعض الحالات (المادة 9).

أنشأ نظام الأسد المحاكم الاستثنائية لتطبيق ترسانته التشريعية على معارضي النظام وأيديولوجيته في الحكم. وقد امتازت هذه المحاكم بطابعها العسكري، وافتقار أحكامها إلى أدنى شروط المحاكمة العادلة، ولا سيما استقلالية القضاة وحقوق الدفاع والطعن بالقرارات. وكان من أبرز هذه الأجهزة القضائية كل من “محكمة أمن الدولة العليا” المنشأة بموجب المرسوم التشريعي رقم 47 لعام 1968، ومحكمة الميدان العسكرية المشكّلة بموجب المرسوم رقم 109 لعام 1968. ولم تكن هذه المحاكم إلا ذراعًا لأجهزة الأمن السورية المتشعبة والمتعددة والمنشأة بشكل أساسي لبسط هيمنة النظام الحاكم وترهيب معارضيه. فقد لعبت هذه الأجهزة دورًا أساسيًا في قمع أي مظهر للعمل الحقوقي والسياسي والمدني، في ظلّ تمتعها بحصانة واسعة عن انتهاكاتها، وقد نصّ على ذلك صراحة كلٌّ من المرسوم التشريعي رقم 14 الصادر بتاريخ 15 كانون الثاني/ يناير 1969، ولاحقًا المرسوم رقم 64 لعام 2008.

تسلّم بشار الأسد منصب رئاسة الجمهورية في العام 2000، وذلك في ظلّ إجراء تعديل للمادة 83 من دستور عام 1973 التي كانت تشترط في من يرشح لرئاسة الجمهورية أن يكون متمًا الأربعين عامًا من عمره، حيث خُفّضَ هذا السنّ إلى الأربعة والثلاثين لينطبق عليه آنذاك، وذلك بمقتضى القانون رقم 9 تاريخ 11 تموز/ يونيو 2000. وقد شهدت أولى سنوات حكم وريث السلطة فترةً من الانفتاح، تخللها نشاط لبعض منظمات المجتمع المدني وللمنتديات الفكرية ولمطالبات وبيانات للتأسيس لحكم ديمقراطي، ولا سيّما رفع حالة الطوارئ وإغلاق ملف الاعتقال السياسي وتعديل المادة الثامنة من دستور عام 1973 المذكورة أعلاه. لم يستجب بشار الأسد لهذه المطالب، وعاد نظامه إلى تنفيذ الاعتقالات السياسية، وخنق أي مظهر للعمل السياسي والمدني. وقد استمرَّ الوضع على هذه الحال في ظلّ ارتفاع معدلات الفساد وغياب تداول السلطة، حتى اندلاع انتفاضة الشعب السوري في آذار/ مارس من العام 2011، متزامنةً مع ثورات عمّت كثيرًا من بلدان المنطقة للمطالبة بإنهاء حكم الأنظمة المستبّدة.

ادّعى النظام السوري أنه أصدر حزمةً من الإصلاحات القانونية لتحقيق تغيير سياسي، غير أنّ ذلك لم يكن أكثر من إعادة صياغة للمنظومة التشريعية القمعية للمواطنين السوريين والمكرّسة للاستمرار في السلطة. فقد أُنهيَ العمل بحالة الطوارئ بمقتضى المرسوم رقم 161 الذي ترافقَ مع إصدار المرسوم التشريعي رقم 53 المتعلّق بإلغاء محكمة أمن الدولة العليا. فضلًا عن ذلك، اعتمدَ نظام الأسد دستور عام 2012 الذي استبدلَ المادة الثامنة الخاصة بقيادة حزب البعث، بمادة أخرى جاءَ في فقرتها الأولى أن “يقوم النظام السياسي للدولة على مبدأ التعددية السياسية، وتتم ممارسة السلطة ديمقراطيًا عبر الاقتراع”. غير أنّ العام 2012 شهدَ استصدار القانون رقم 19 لعام 2012 الخاص بـ “مكافحة الإرهاب”، الذي مهّد لاستصدار المرسوم رقم 22 لعام 2012 الخاص بإنشاء محكمة تختصّ بالنظر في قضايا الإرهاب. وقد تشكّلت هذه المحكمة الجديدة لتقوم بالمهام المنوطة سابقًا بمحكمة أمن الدولة العليا، وهو ما يتبين من التشابه الكبير بين القوانين الناظمة لعمل كلتا المحكمتين. ويفرض القانون الجديد الخاص بـ “مكافحة الإرهاب”، في مواده الخمسة عشر، قيودًا شديدةً على الحق في حرية التعبير والتجمع، بما يؤدّي إلى التنكيل بمعارضي النظام تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”؛ حيث نصّت مادته الثامنة على معاقبة “كل من قام بتوزيع المطبوعات أو المعلومات المخزنة، مهما كان شكلها، بقصد الترويج لوسائل الإرهاب أو الأعمال الإرهابية، وتنزل العقوبة نفسها بكل من أدار أو استعمل موقعًا إلكترونيًا لهذا الغرض”.

شهدَ أيضًا العام 2011 إصدار مجموعة من القوانين ذات الصلة بالتعددية السياسية والديمقراطية التي يدّعيها النظام، مثل المرسوم رقم 100 الخاص بالأحزاب، والمرسوم رقم 108 الخاص بالإعلام، وكلاهما لا يتفق ودولة القانون، لكونهما يكرّسان سيطرة النظام على مقاليد الحكم. ولم يحقق المرسوم التشريعي رقم 54، الصادر بتاريخ 21 نيسان/ أبريل 2011 والخاص بتنظيم التظاهر السلمي، أدنى المعايير الحقوقية، فلم يتم -حتى يومنا هذا- الاستفادة من أحكامه التي جاءت بشكل أساسي لتقييد الحق بالتظاهر وفرض العقوبات الشديدة على المخالفين. أمّا دستور عام 2012، فقد أعادَ تكريس الصلاحيات المطلقة لرئيس الجمهورية وسيطرته على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، كما يتبين من بابه الثالث الخاص بسلطات الدولة. واستمرّ العمل بالعديد من القوانين القمعية السابقة، ولا سيما المراسيم الخاصة بحصانة أجهزة الأمن التي تجاوزت انتهاكاتها حتى ما تُتيحه لها التشريعات النافذة.

ترافقت هذه “الإصلاحات” التي ادّعاها النظام السوري بحملات شرسة ضدّ معارضي النظام، تخللها ارتكاب جرائم ضدّ الانسانية وجرائم حرب بحق المواطنين السوريين، بدءًا من قتل المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي، ومرورًا بممارسة عمليات الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القضاء، فضلًا عن القصف العشوائي بالأسلحة المحظورة دوليًا للمناطق المدنية، واتباع سياسة حصار وتهجير المواطنين. وهكذا لم تظهر ملامح لتحقيق تغيير بنيوي في الهيكلية السياسية والتشريعية خلال العقد الماضي، واتضحت أيضًا الطبيعة الطائفية والإجرامية للنظام السوري الذي ينبغي استئصاله، لتحقيق سلام مستدام وعدالة انتقالية في سورية.