الفعل الوطني السوري ليس شعارات سياسية في مواجهة النظام الاستبدادي فحسب، بل يشمل إمكانية التقاط الفرص الثورية والوطنية المتاحة أيضًا، فالتظاهرات والاحتجاجات الجديدة في مدينة السويداء ودرعا وجرمانا في دمشق، وفي حلب وإدلب وغيرها من المدن السورية في الأيام المقبلة، كما يبدو من شعاراتها السياسية، هي حلقة جديدة في سلسلة الثورة السورية 2011، ويجب على المعارضة السورية، وخاصة الفاعلة في تلك المدن، احتضان تلك التظاهرات وتوجيه بوصلتها الاحتجاجية، لا التنظير السياسي عليها وتقييمها عن بعد.

إن من يخرج من السوريين اليوم متظاهرًا محتجًا ضد النظام الاستبدادي، تحت شعار الرغبة في العيش “احتجاجات الجوع”، أو مطالبًا بالحرية و برحيل النظام، إنما يقوم بفعل نبيل، وهو ليس أقلّ شجاعة من المتظاهرين السوريين عام 2011، بل يمكن وصفه بأنه أكثر شجاعة، في ظل الحالة الأمنية الشرسة للنظام الاستبدادي، والحالة السياسية التائهة للمعارضة السورية، إضافة إلى الحالة الإقليمية والدولية غير الداعمة للثورة السورية، فعلى الرغم من كل ذلك خرج هؤلاء الشجعان وعبّروا عن موقف سوري وطني بامتياز، بصوت عالٍ، ووقفوا أمام الكاميرا غير خائفين من ظهور صورهم التي قد توصلهم إلى أقبية الأجهزة الأمنية، حيث احتمال الموت وارد.

حال السوريين هذه توجب على قوى المعارضة السورية الفاعلة العملَ استنادًا إلى الأولويات الوطنية السورية، والاستفادة من أخطائها التي ارتكبتها بحق ثورة 2011، والبحث عن الطرق والوسائل المناسبة لاحتضان الثورة، والوقوف ضدّ كل ما يمثل تهديدًا لها في الإساءة إليها، من قبل بعض ممثلي بعض التنظيمات الراديكالية، أو محاولة إخمادها من قبل أجهزة النظام الأمنية.

بالعودة إلى ظروف ثورة 2011؛ يتبين أن معظم أطياف المعارضة السورية لم تتوصل -حتى الآن- إلى تشخيص ما آلت إليه الثورة السورية 2011، من إخفاقات وانقسامات، أو يبدو أنها غير قادرة على ذلك، حيث ثمة عقبات معرفية تتمثل في آلية تفكيرها في العمل السياسي والتنظيمي الساعي للوصول إلى منظومة سياسية موحدة، الأمر الذي جعل تفكيرها السياسي حتى الآن ما يزال مشتتًا ومتناثرًا، في ما يخص توجيه مسارات الثورة السورية.

ما ضاعف هذا الانقسام والتشتت في آليات التفكير والعمل أن معظم فواعل المعارضة السورية (ائتلافات، أحزاب، تيارات، جماعات، أفراد) ما زالت تعتقد أن آلية تفكيرها السياسي تصلح للسوريين كافة، وأنها تمثل الجميع، وأن بإمكانها أن تنوب عن الجميع، في قرارتها وائتلافاتها التنظيمية والسياسية، بل إن الطامّة الكبرى هي اعتقاد كل فاعل سياسي في المعارضة بأنه الوحيد الفاعل في الواقع السوري، وأنه الوحيد على صواب، وأن الآخرين على خطأ! وهذه من الإشكالات الرئيسة التي تنطوي على قدر كبير من الألغام المفخخة التي تمنع الفعل السياسي من الممارسة الوطنية السورية الجامعة.

حال معظم المعارضة السورية هذي تجعل من الصعب عليها تقدير الأولويات والاحتياجات والبدائل التفاوضية السياسية مع بعضها البعض، أو مع الأطراف الإقليمية والدولية، ومن ضمنها النظام السوري…. إلخ، حيث كل فاعل سياسي في المعارضة مختلف عن الآخر، بل ثمة واقع يعبّر عن عدم انسجام الفاعل السياسي الواحد مع نفسه، والحديث هنا عن معظم المعارضة السورية (ائتلافات، أحزاب، جماعات، أفراد).

هذه البيئة السياسية، لدى المعارضة المتشظية، هي ظاهرة تاريخية عميقة الجذور، تعود إلى ما قبل ثورة 2011، بل يمكن القول إن جذورها الاجتماعية والسياسية تعود إلى تاريخ استقلال سورية، وهذا يعني أن ظاهرة تشظي المعارضة السورية هي تاريخية وليست آنية.

المطلوب من كل فواعل المعارضة السورية الانزياحُ من متارسها السياسية، وإزاحة الأسلاك الشائكة من حولها، باتجاه الفواعل السورية الأخرى -السياسية والاجتماعية- وأن تكون جزءًا من الكلّ السوريّة.

إن هذا التفكير السياسي الصادر عن فواعل سياسية متشظية هو من يقف وراء ضعف الاستجابة للمتظاهرين والمحتجين السوريين، من عام 2001 إلى الآن، خاصة في ظروف التراجع الحاد في الموارد المعيشية لمعظم السوريين، التي وصلت إلى حد الجوع “احتجاجات الجوع” 2020.

وهذا يستوجب من فواعل المعارضة السورية إيجاد آليات سياسية، لتوظيف الحالات الثورية الجديدة -احتجاجات الجوع والحرية- عند السوريين، والالتحام معها، وقيادتها وتوجيه المسارات والاتجاهات الممكن إنجازها، لا الوقوف على الرصيف والتنظير السياسي عن بعد. وهذا ليس من منظور الرغبة في الاستجابة لها، إنما من باب الواجب عليها أيضًا، وإلا ماتت المعارضة السورية سريريًا، على الصعيد السياسي، في الضمير السوري الوطني.

إذا كان الواجب قيادة الثورة -التظاهرات الجديدة- وتوجيه مساراتها بالاتجاه السوري الوطني الديمقراطي؛ فإن الواجب أيضًا الانتماء إليها من خلال وعي مصادرها، إمكاناتها، نقاط قوتها وضعفها، دوافعها، ومحدداتها المتنوعة جغرافيًا، سياسيًا، اجتماعيًا… إلخ. وإذا كانت أزمة المعارضة هي عدم توفر آليات الاستجابة المناسبة للمحتجين/ المتظاهرين، حتى الآن؛ فهذا يعني أن مهمة كل فاعل سياسي في المعارضة السورية بالغةُ الأهمية والخطورة، وتتعلق في تحديد مصير مستقبله السياسي في سورية، وبالطبع مستقبل سورية ككل، وإلا فستبقى هذي المعارضة تعيد إنتاج خطابها السياسي التقليدي الذي يُعدّ إشكالية بحد ذاته، ثم إنتاج المعارضة نفسها، وإنتاج الإشكالات الوطنية السورية نفسها.

ولا يقتصر الأمر على الفواعل السياسية المعارضة في سورية، فهناك إشكالية أيضًا في الفواعل الاجتماعية -مكونات المجتمع السوري- التي تعدّ الفاعل الأصلي، حيث الشعور بالتهديد المتبادل من الفواعل الاجتماعية الأخرى، التي تستدعي من الفواعل السياسية تبديدها وإزاحتها من الفعل السياسي، بل إن من واجب فواعل المعارضة -بغض النظر عن الظروف الراهنة- أن يُعِدّوا أنفسهم لتمثيل السوريين كافة، بعيدًا عن المناطقية، الطائفية، المذهبية والدينية.

على المعارضة السورية تمثّل الخوف الحقيقي على وحدة سورية -مجتمعًا ودولة- من خلال تنمية عوامل التوحد وتقويتها، ومن خلال الانتماء إلى سورية، الذي يُعدّ شرط الفعل السياسي الوطني، الذي بدوره يرتكز إلى وعي حقيقي للواقع السوري، والانتماء والوعي فعلان متلازمان في الممارسة السياسية، وهذه هي مهمة السوريين كافة، وفي المقدمة المعارضة السورية.

المطلوب من كل فواعل المعارضة السورية الانزياحُ من متارسها السياسية، وإزاحة الأسلاك الشائكة من حولها، باتجاه الفواعل السورية الأخرى -السياسية والاجتماعية- وأن تكون جزءًا من الكلّ السوريّة، وأن تتفاعل معها في معادلة توازنية كلية لا صفرية.

التفكير في وحدة سورية المستقبل ليس رغبة، إنه واجب على الفواعل السورية كافة، يفرض إعادة التفكير في ما آلت عليه الثورة 2011، نتيجة الممارسات السياسية السابقة التي يمكن وصفها بالمريضة سياسيًا، لكونها وجّهت الثورة -وما زالت- باتجاه الموت السريري، كما هو واقعها الآن. المطلوب من المعارضة اليوم إبداعُ آليات سياسية جديدة، تكون جامعة للسوريين كافة، وتناسب الظروف السياسية الراهنة، وتحتضن الثورة من جديد (احتجاجات 2020) بالاتجاه الوطني الديمقراطي، وهي مهام واجبة وضخمة، على الفواعل السياسية السورية كافة إنجازها، وهذا هو السبيل إلى تبديد الغيوم السياسية الداكنة التي تخيّم على السوريين كافة في الوقت الراهن.