تعني العدمية “Nihilism”، فلسفيًا، الحطّ من قيمة الوجود، ولذلك فهي تقوم، جوهريًا، على النفي، نفي العالم الموجود استنادًا إلى عالم آخر فوق محسوس، ونفي الواقع استنادًا إلى مثال متعال، والحط من قيمة الحياة استنادًا إلى قيم عليا مفارقة. ولذلك فالعدمية تحتاج دائمًا إلى أوهام؛ فبالوهم نعارض الحياة دائمًا بشيءٍ ما، وتصبح الحياة بكاملها وهمية، وتأخذ بمجملها قيمة عدم.

سيكون من السهل علينا في هذه العُجالة إثبات الجانب العدمي في الأيديولوجيا الإسلامية، التي تقوم على نفي جوهري للحياة الدنيا عبر الآخرة، ونفي القيم المعاصرة، مثل الديمقراطية والعلمانية والحرية، استنادًا على قيم إسلامية قديمة مثل الشورى والإجماع والحاكمية، ونفي القوانين الوضعية استنادًا إلى الشريعة الإسلامية، وفي المحصلة؛ رفض الحاضر استنادًا إلى الماضي. لكن الصعوبة ستكمن في إثبات العدمية اليسارية، ولا سيما أن الأيديولوجيا اليسارية تظن أنها تخلصت من الأوهام، لمجرّد أنها تخلصت من العالم الآخر، الغيبي والمفارق.

على عكس الأيديولوجيا الإسلامية، تقوم الأيديولوجيا اليسارية على نفي العالم الآخر الذي يؤمن به الإسلاميون، ورفض قيمه الغيبية والخرافية واعتبارها قيمًا رجعية متخلّفة. ومثل الإسلاميين، يقوم اليسار بنفي الحاضر والحطّ من قيمته ونكرانه، لكن استنادًا إلى المستقبل هذه المرة لا إلى الماضي. كلاهما يرفض الواقع الاجتماعي السياسي ويسعى لتغييره، وكلاهما يحطّ من قيمته استنادًا إلى مثال أعلى وواقع آخر مُتخيل، وكلاهما يظن في المحصلة أنه يمثّل الحقيقة التي على كل شخص اتباعها، ومثلما اعتاد الإسلامي القولَ عن كل حركة إسلامية بأنها لا تمثل الإسلام ولا القرآن، اعتاد اليساري القول عن كل حركة يسارية/ ماركسية بأنها لا تمثل اليسار ولا كارل ماركس.

تاريخيًا، هناك أطياف كثيرة للإسلاميين، وأطياف كثيرة أيضًا لليسار، ولكن الإسلام الراديكالي لم يكن -واقعيًا وتاريخيًا- إلا صورة مقلوبة عن اليسار الراديكالي، فحركات يسارية مثل الألوية الحمراء في إيطاليا، أو الخمير الحمر في كمبوديا، أو حركة الهوتو باور “Hutu Power” في رواندا، لم تختلف في جرائمها وسلوكها السياسي عن حركات إسلامية راديكالية، مثل القاعدة أو (داعش) أو الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين قبلهما.

خلال العقود الخمسة الماضية، عاش اليسار السوري رفضًا مزدوجًا للقيم السياسية والاجتماعية السائدة، ولم يتجه نحو تأصيل نفسه اجتماعيًا، نتيجة نكرانه للطائفية وعدم بنائه للحيز السياسي استنادًا إلى الحيز الاجتماعي، بل ساهمت طبيعة العمل السرّي الاضطراري في أن تبقى القيم اليسارية قيمًا متعالية على المجتمع، دون امتلاك القوة السياسية اللازمة للتغيير الاجتماعي، وقد أدت تلك السرية، التي اقترنت بالتعالي النخبوي وعدم الانجرار للمقاومة المسلحة، إلى نتائج متراكبة، منها:

أولًا، زيادة جرعة الوهم في الطيف اليساري، عبر الإعلاء الذاتي من قيمة الذات أو الجماعة أو الحزب وانتشار الحس البطولي الخلاصي المرافق للمهام السرية. وهو ما أغرق اليسار في النخبوية، فالنخبة عادة لا تقاتل، والنخبة دائمًا أقليّة في المجتمع، وبالفعل كان عماد التشكيلات اليسارية في المجتمع السوري هم مثقفين وكتّاب وأطباء ومحامين ومهندسين وشعراء وغيرهم، ومن النادر أن تتحول تلك الفئة من الناس إلى مقاتلين، مثلما أن من النادر أن تنجح في عملها السياسي دون وقود السياسة ذاتها، أي الجمهور. ولذلك فقد كان المصير “الطبيعي” لليسار المعارض، ضمن سياق كهذا، ونظام كهذا، هو السجون طويلة الأمد بلا محاكمات، أو الاندثار وفقدان الفاعلية السياسية على أرض الواقع، مع التغني الذاتي بالنضال والتاريخ النضالي.

ثانيًا، الرفض المزدوج للمجتمع المتخلف والنظام الدكتاتوري، أدى إلى أن يرفع اليسار من قيمة “اللا” الرافضة والنافية، والتغني بتلك “اللا” كقيمة بذاتها، دون القدرة على صناعة أي بديل ذاتي أو موضوعي لتلك “اللا” العدمية، وذلك الرفض السياسي/ الاجتماعي المزدوج، الذي عاشه اليسار في سورية، جعله يسارًا ثقافويًا أكثر منه سياسيًا، لا يعجبه الواقع السياسي ولا الاجتماعي، ويبحث عما يجب أن يكون (هذا عمل المثقف)، دون القدرة على الاندماج فيما هو كائن (عمل السياسي) والعمل ضمن ممكناته.

ثالثًا، إن النخبوية والأقلوية (بمعنى القلّة) والرفض والسريّة، كعوامل ذاتية، بالتقابل مع وحشية النظام ودكتاتوريته وتحريمه للسياسة، كعوامل موضوعية، حرمت اليسارَ من أكثر ما هو أصيل في السياسة، وهو أن يكون حيزًا علنيًا ومدنيًا وعامًا، قادرًا على مخاطبة الجمهور وتعبئة الحشود، ومتاحًا للمشاركة والمخاصمة والتنافس والتبادل السلمي للسلطة.

إن النفي المتبادل اليوم، بين اليسار والإسلاميين، لم يعد نفيًا سياسيًا، بقدر ما هو نفي هوياتي ووجودي وأخلاقي كلّي، ولا يؤمل بالتعايش السياسي، والاجتماعي، في مستقبل سورية، بل يضيف وجهًا عدميًا مركبًا، للعدمية الموجودة أصلًا في التعامل السياسي الدولي مع سورية والقضية السورية.

النتيجة أن اليسار وصل إلى الثورة السورية بلا سياسة، ولم يؤثر في سياسة الثورة، ولا في السياسة تجاه الثورة، حتى يومنا هذا.

أما العدمية الإسلامية، فقد انطلقت من السياسية ذاتها التي حكمت اليسار في البداية، بمعنى العمل السري والتحشيد والتنظيم السري، لكن ارتكازها على فكرة الجمهور السنّي الجاهز لدعمها، كما كانت تظن، أدى إلى إكمالها مسيرة العدمية حتى نهايتها، حيث اتجهت إلى المقاومة المسلحة عبر الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين، التي وصلت في النهاية إلى كارثة حماة عام 1982. لكن الطريق العدمي لم يتوقف هناك، بل أفرز أهم ظاهرة حاكمة للإسلام السياسي، منذ انسداد الطرق السياسية أمامه نهائيًا في الثمانينيات، وهي ظاهرة الانتحار السياسي والعمليات الإرهابية، التي تحولت عبر الزمن، من عمليات فردية وتكتيكية، إلى برنامج عمل سياسي واستراتيجية مقاومة مع جبهة النصرة وتنظيم (داعش) بعد اندلاع الثورة السورية وفشل التظاهرات السلمية في إسقاط النظام.

إن معاداة النظام السياسي، إسلاميًا، تحوّلت عبر الزمن إلى معاداة للعالم ونفي له، نفي هائل وكامل لأسس العالم الحديث، والمجتمع الحديث والدولة الحديثة، وقد تلاقى في تلك العدمية الإسلامية القائمة على نفي العالم شروط موضوعية عدة، برأينا، من أهمها: 

أولًا، التشابه الشكلي بين بنية الدولة السورية التي يحكمها النظام المستبد وبنية الدولة الحديثة في أوروبا، ولا سيما في ما يخص القوانين الوضعية والمدنية غير القائمة على الشريعة الإسلامية، وبالتالي بات رفض النظام جزءًا من رفض العالم الحديث كله، عند الإسلاميين، والحنين إلى عالم إسلامي قديم كانت فيه الإمبراطورية الإسلامية وشرائعها الدينية في عصرها الذهبي، ولذلك أصبحت الأيديولوجيا الحاملة للسياسة عند الإسلاميين تقوم على استعادة تلك الأمجاد البائدة.

ثانيًا، الجرح النرجسي الذي ولد منذ هزيمة حزيران عام 1967، التي كان معناها في الوعي الإسلامي هو فشل الأيديولوجيا القومية العلمانية التي بدأها عبد الناصر، (ومعها كل الأيديولوجيات اليسارية) في حماية الأرض وتحرير فلسطين، وبالتالي فالإسلام هو الحل والأيديولوجيا الإسلامية هي الطريق، وابتعاد الناس عن دينها الذي تمّ من خلال القوميين واليساريين والماركسيين هو سبب الهزيمة، ولابد في المحصلة من استلام الإسلام السياسي لزمام المبادرة بعد أن فشل الآخرين جميعهم.

ثالثًا، الرؤية الطائفية للإسلاميين، وهي في الحقيقة ردّ طبيعي على طائفية النظام، فالنظام الذي يُعدّ حداثويًا في الشكل يستند في حقيقة حكمه على طائفته العلوية، حيث سيّس وجودها كاملًا، وشكّل ما سمّاه صادق العظم “العلوية السياسية”، والطائفة العلوية هي أقلية في سورية، ولذلك من الطبيعي أن يرى الإسلاميون أنهم، كممثلين للأكثرية السنية، يدفعون وحدهم كسنّة ثمن الحداثوية الشكلية للنظام السياسي عبر خضوعهم كأكثرية لحكم الأقلية، في الوقت الذي يجب أن تكون الأكثرية هي الحاكمة وليس الأقلية حتى بالقياس لأكثر المجتمعات ديمقراطية في نظرهم، وهذا الدمج بين السياسي والديني لم يكن في الحقيقة بعيدًا عن الواقع، بل كان مصيبًا جدًا لطبيعة النظام السياسي الذي تحكمه عائلة الأسد منذ خمسين عام، فالامتيازات السياسية التي كان يحصل عليها العلوي في الوظائف الحكومية أو في الجيش أو أجهزة الأمن والمخابرات، لم تكن تُبنى من جهة النظام إلا على واقع كونه علويًا، ولا يغير من تلك الحقيقة التهميش الاقتصادي لكثير من القرى العلوية، ولا النسبة الكبيرة للمعارضين العلويين ضمن المعارضة اليسارية للنظام. 

ربما لو كان النظام الحاكم ديمقراطيًا، أو قائمًا على التداول الديمقراطي السلمي للسلطة، لكان تفسير الإسلاميين لمسألتي الأقلية والأكثرية خاطئًا، ولكان من الأسهل والصحيح أن نرى الأقلية والأكثرية بمعناهما السياسي وليس الديني، ولكن بما أن النظام دكتاتوري، فيصبح تناول الإسلاميين لأحقية الأكثرية السنية في الحكم مشروعًا جدًا، ولكن أيضًا من الضروري الانتباه إلى أن تلك المشروعية محكومة بالرؤية الدكتاتورية للحكم، لا بالرؤية الديمقراطية الحقيقية، وبهذا المعنى فقط يمكن إدراج المشروع الإسلامي كله ضمن السعي للدكتاتورية المقلوبة وليس للديمقراطية، كما يحبون الادعاء، وهو ما حصل فعلًا في بلد مثل العراق، بعد سقوط الدكتاتور السنّي وصعود البديل الشيعي، حيث انتقل العراق من التهميش السياسي/ الاجتماعي السابق للشيعة، إلى التهميش السياسي/ الاجتماعي الحالي للسنّة.

إن النفي المتبادل اليوم، بين اليسار والإسلاميين، لم يعد نفيًا سياسيًا، بقدر ما هو نفي هوياتي ووجودي وأخلاقي كلّي، ولا يؤمل بالتعايش السياسي، والاجتماعي، في مستقبل سورية، بل يضيف وجهًا عدميًا مركبًا، للعدمية الموجودة أصلًا في التعامل السياسي الدولي مع سورية والقضية السورية.