تكاد السجون السورية تخلو من قصص الهروب، ليس لأنها سجون شديدة الإحكام، بل لأنّ السجين يفكر مئة مرة في تبعات الخطوة التي سيقوم بها، عليه وعلى رفاقه ومحيطه العائلي. قصة الفرار الأشهر من السجون السورية هي فرار، والأدقّ تحرير، جورج حبش، من سجن (الشيخ حسن) في قلب دمشق، عام 1968. ولكن حبش لم يكن سجينًا عاديًا، فوراء هذا الفرار كان وديع حداد ومجموعته السرية العالية التدريب والالتزام، وقد جرت العملية خارج السجن، عبر خطف “الحكيم” من السيارة التي كانت تعيده إلى السجن بعد جولة التحقيق التي أجراها معه عبد الكريم الجندي.

أما الهروب من سجن تدمر السوري الصحراوي، بطريقة حفر الأنفاق، فهو عملية شبه مستحيلة، وذلك لأن كل ما يخرج من المهاجع مراقب، فلا يمكن إخراج ذرة تراب في النفايات؛ ولأن هناك تفتيشًا دوريًا بطريقة النقر بعصا حديدية غليظة على محيط المهجع من الداخل، للتأكد من عدم سماع صدى يدلّ على وجود فراغ في مكان الحفر؛ ولأن الرقابة مستمرة عبر فتحة في السقف تتيح للحارس رؤية الحركة داخل المهجع؛ وكذلك لعدم وجود أي أداة معدنية يمكن استعمالها للحفر، حيث إن كلّ الأدوات التي كان يستخدمها السجين هناك هي من البلاستيك، حتى السكين! في لغة الشرطة، لكلّ شيء معدني داخل المهجع، تسميه واحدة في ذلك السجن هي “الحديدة”؛ فغطاء علبة (النيفيا) الزرقاء المسطحة، مثلًا، اسمه “حديدة”، واكتشافه في المهجع أثناء حملة التفتيش يمكن أن يستجرّ عقوبة “تدمرية” ثقيلة. فوق كل هذا، يقوم نظام السجن هناك على منع ثبات السجناء في مهجع واحد أكثر من فترة محددة، كانت أقل من سنة، بحسب تجربتي، بعد هذه الفترة، يُنقل السجناء إلى مهجع آخر. وإلى هذا وذاك، يجب أن نضيف السلاح الذي تعتمده إدارات السجون في كل العالم، وهو سلاح الوشاة أو المخبرين الذين ينقلون إلى الإدارة، طوعًا أو كرهًا، أخبار ما يجري في المهاجع.

مع ذلك، حدثت بالفعل قصص هروب، أو للدقّة تهريب، من سجن تدمر الرهيب، هذه الحالات كانت جزءًا من قصة فساد، من نوع خاص، وكانت هذه القصة ممكنة، للمفارقة، بسبب قسوة ظروف السجن وقوانينه، فمن غير المفاجئ أو المستهجن، لدى السلطات، أن تؤدي “الظروف” إلى وفاة السجناء، كما أن التعليمات تعطي هامشًا لإدارة السجن بقتل السجين والتخلّص منه. على هذا، كان يتم تسليم السجين المطلوب للشبكة التي تقدم المبالغ، فتقوم الشبكة بتهريب السجين خارج البلد، فيما تقوم إدارة السجن بتسجيله على أنه توفي أو قُتل.

في إسرائيل، تبدو عملية هروب الأسرى الفلسطينيين الستة من سجن جلبوع، الذي يقال إنه من بين أكثر السجون تحصينًا وحراسة، أشبه ما تكون بالمأثرة أو بالسحر، نظرًا إلى بساطة الأدوات وصعوبة المهمة. ويبدو نوم الحارسة في محرسها وقت الهروب، وسهو الشرطة عن كاميرات المراقبة أثناء العملية، نوعًا نادرًا من التوفيق الإلهي. يبقى، بعد كل شيء، خروج هؤلاء الأسرى، بإصرارهم ومثابرتهم وذكائهم وشجاعتهم، أكثر أثرًا في النفس من تحريرهم بقرار إسرائيلي. عندما يخرج السجين رغمًا عن إرادة السجان، يكون وقع الأمر أجمل وأكثر ملامسة للشعور بالتحرر.

كما هو واضح، فإن قصص الفرار من السجون السورية أبطالها أشخاص من خارج السجون، والمحظوظون بها “سجناء فوق العادة”، وهي قصص مختلفة بالكامل، عن قصة هروب السجناء الفلسطينيين الستة. الضابط في سجن تدمر، مثلًا، غايته الأولى هي الكسب الشخصي، وصلته بالنظام قوامها الفساد، هو يحمي النظام الذي يحمي مصالحه الشخصية. بالمقابل، ما يربط الضابط في السجون الإسرائيلية بدولته هو ارتباطه بمشروع هذه الدولة. صحيح أن هذا المشروع، من منظورنا، هو مشروع احتلالي واستيطاني وعدواني، ولكنه يبقى مشروعًا جامعًا لإرادات الموظفين العامين، ومستقلًا عن المصالح الشخصية لحملته ولموظفيه، وتبقى خدمة هذا المشروع هي مقياس “وطنية” هؤلاء.

بعد خمسة أيام، تم توقيف أربعة من الأسرى الفارين، وتُظهر مقاطع الفيديو المتداولة أن الشرطة الإسرائيلية تعاملهم بحرفية، من دون مظاهر عنف أو غضب أو انتقام، ويبدو الحديث الدائر بين الشرطة والأسرى عاديًا وخاليًا من التوتر. قد يكون هذا المشهد أخفّ على النفس من مشهد مشحون بالشتائم والعنف تجاه الأسرى المعاد اعتقالهم، ولكنه يعطي شعورًا ثقيلًا بالعادية، بأنّ إعادة اعتقال من قضى سنوات يحفر، كي يحرّر نفسه، أمر عادي يشبه أي أمر عادي في الحياة. الفرحة الشديدة بفرار الأسرى، والأعراس والنشوة الانتصارية التي أحفت بالخبر، كل هذا يختنق بإجراءٍ عادي تقوم به شرطة الاحتلال حتى دون أن يبدو عليهم الانفعال.

أمّة كاملة هللت للفارين من السجن الإسرائيلي، وحوّلت فعلهم إلى أسطورة، هذه الأمة لم تتمكن من حماية أبطال الأسطورة الذين حرروا أنفسهم من قبضة الوحش. خمسة أيام بعد الفرار كانت كافية لتأمين الفارين، إذا كان ثمة إرادة لحمايتهم وملاقاة بطولتهم ببطولة مكافئة. ولكن كان على هؤلاء الفارين أن يكملوا بطولتهم الأولى، أن يتدبروا أمرهم بأنفسهم بعد الفرار، بأن يتغلبوا على آلة البحث والتفتيش الإسرائيلي الهائلة والحديثة، بأن يخفوا أثرهم ليضللوا متقفي الأثر الإسرائيليين، كان عليهم أن يكرروا “معجزة” الفرار بمعجزات أخرى، لكي يزيدوا من رصيدهم البطولي في نظر أمةٍ تحبّ الاحتفاء بأبطالها وتحبّ البكاء عليهم.

الاستثناء هو الفرار من السجن المؤبد، العادي هو إعادة اعتقال الفارين.

الاستثناء أن يبقى اثنان من ستة من الأبطال الفارين فارَّين، العادي أن يعاد اعتقال أربعة منهم، وأن يعودوا إلى سجنهم بعقوبات وتشديد زائد.

العادي هو أن تهلل أمة بكاملها لفرار الأبطال الستة، الاستثناء أن تشاركهم البطولة وتقوم بدورها في حمايتهم.

العادي يغلب الاستثناء، ولكن ما يفصل بين العادي والاستثناء هو الإرادة.

كثيرون اعتقدوا أن عملية هروب بهذا الشكل لا بدّ أن تكون لها تتمة أخرى، وكثيرون تخوفوا من أن تكون إيران بطلة التتمة الآمنة التالية، فيستخدم هؤلاء السجناء الفارون الوزن المعنوي الذي حازوه بعملهم البطولي، للإشادة بجلادين آخرين مثل النظامين الإيراني والسوري. ظن هؤلاء المتخوفون أن حماية الفارين مفكر فيه ومفروغ منه، لذلك غلب تخوفهم على التفكير في حماية الفارين من براثن وحش حديث يتتبعهم ويغلق السبل أمامهم، كي يوصل الرسالة: مهما بلغت إرادتكم وصبركم وذكاؤكم، فإن النهاية محكومة لنا.