لماذا يجوز الاعتقاد بأن إنقاذ سورية مرهون بتشكيل مجلس عسكري وليس بتشكيل مجلس طبي، مثلًا، أو مجلس من الصحفيين أو من المعلّمات والمعلمين أو من القضاة أو من كتاب الرواية… إلخ؟ لماذا تكون المهنة العسكرية، في بلادنا، مدخلًا إلى السياسة أكثر من أيّ مهنة أخرى، حتى المهن الأقرب إلى السياسة؟ من المنطقي الالتفات إلى أساتذة العلوم الاجتماعية والسياسية والقانونية… إلخ، لحلّ الأزمات التي تمرّ بها البلدان، فلماذا تتجه الأنظار إلى العسكريين لحل التعقيد السياسي؟ وما تفسير أن يلجأ سياسيون إلى “مجلس عسكري” يأملونه مدخلًا إلى حل “سياسي” في سورية؟ أين يكمن سرّ هذا الترابط أو التماهي الذي أصبح كأنه بداهة، بين العسكري والسياسي؟ لماذا يتقدم العسكري للدور السياسي ويعتبر أن مهنته العسكرية تجعله أكفأ من غيره لصنع السياسة؟

لا يكمن السرّ في قوة العسكر. من الطبيعي أن يكون العسكر أقوياء، هذا هو مبرر وجودهم أصلًا، فالجيش هو جهاز القوة في الدولة، ويحوز لذلك على نسبة كبيرة من الموازنة، لا ليكون قائدًا للدولة، بل ليكون قوة في يد من يقود الدولة، أي في يد السياسيين. يكمن السرّ بالأحرى في ضعف السياسة. حين تكون السياسة ضعيفة، فإنها تميل إلى الاستناد على أجهزة القوة. ضعف السياسة يميل بها إلى أن تصبح سياسة قوة، أي سياسة فرض وقسر وإكراه بالقوة. السياسة الضعيفة تستجلب العسكر إلى السياسة. قد يدخل العسكر إلى السياسة تلقائيًا، كأن ينقلب الجيش على طبقة سياسية فشلت في قوننة صراعاتها السياسية وضبطها، وتعثرت بالتالي في إدارة البلاد، وهكذا يصبح الجيش، ليس فقط قوة الدولة، بل عقلها المدبر أيضًا. ويمكن للجيش أن يدخل السياسة أيضًا بواسطة السياسيين الذين يسندون سياستهم بالجيش، كما حدث في تونس، باستناد قيس سعيد على الجيش والشرطة ضد الطبقة السياسية المنتخبة. ويمكن أن يكون الجيش أداة للانقلاب على تحوّل سياسي ما في البلد، بدعم من دول خارجية تستفيد من قوة الجيش وانضباطه الهرمي، ومن النزوع الغريزي عند الجيش للحكم، النزوع الذي يتوفر عادة عند كل من يستشعر القوة في نفسه.

يصبح من العسير إبعاد الجيش عن السياسة، حين يدخلها، لأنه لا يوجد في المجتمع قوة يمكنها مواجهة الجيش، إذا أراد الجيش مواجهة المجتمع. فكيف إذا كان للجيش، نتيجة تاريخ سياسي بائس في بلداننا، “جيش” من المرحبين بتدخله وإدارته “القوية” للدولة، وكيف إذا كان هذا الجيش قد حكم لعقود وجيّش الدولة وتغلغل في كل مفاصلها، وأنشأ له مؤسسات اقتصادية وخدمية مستقلة عن وزارة المالية (مصر، سورية، السودان…)، حتى بات يمكن لقائد عسكري سوداني انقلب أخيرًا على وثيقة دستورية سبق له أن وقعها مع المدنيين، أن يقول “الجيش هو الدولة”.

عقود من ضعف السياسة، أو قُل من غيابها، كرّست في الوعي العام تقديرًا للقوة على حساب السياسة. يحبذ الناس وجود رجل قوي يفصل في الأمور ويخضع له الجميع. حتى درج في الصحافة تعبير “الرجل القوي”، إشارة إلى من يمتلك القوة على فرض خياره. اعتاد الناس على هذا الحال الذي يبدو لهم “مطمئنًا” أكثر من مشهد صراعات قوى سياسية في البرلمان (قد يتحول الجدل البرلماني إلى عراك بالأيدي لغياب الرجل القوي)، وفي الصحف والإعلام والمواسم الانتخابية. لكن من الصعب، وربما من المستحيل، الجمع بين الرجل القوي والعدالة. فالعدالة لا تتحقق إلا بتحرير صراع المصالح في المجتمع، بضوابط قانونية وقضاء مستقل، بما يحقق توازنًا معقولًا بين مصالح الفئات والأطراف والتوجهات.

كل التشكيلات العسكرية التي نشأت في سورية على ضفة مقاومة نظام الأسد، كانت عسكرية سياسية معًا، أي لم تكن ذراعًا عسكريًا لقيادة سياسية. العسكري هو السياسي نفسه، لا توجد مسافة فاصلة بين المهنتين. تسري هذه الواقعة مسرى البديهيات. وفي عمق هذا الاعتقاد، نوع من الاحتقار الشعبي المتراكم للسياسة. في الوعي العام يبحث الناس عن حاكم عادل، وليس عن عدالة أو عن حكم عادل. الحاكم العادل رجل قوي “مستبد” يفترض أنه يحكم بالعدل، أما العدالة فهي آلية لإنتاج العدل، وهي تتعارض في العمق مع فكرة الرجل القوي.

الثقافة العامة، بما في ذلك ثقافة النخب السياسية، تستبطن تقديرًا وإعجابًا بالجيش، بقوته وانضباطه وصرامة التراتبية فيه، وهذا يلغي الصراعات ومظاهرها وصخبها، ويضع حدًا لتلكؤ السياسة وطول أمد استقرارها على قرار. أما العدالة فإنها لا تتحقق إلا في الصراع. ولا يمكن للجيش بقوته أو للرجل القوي أن يقيم العدل. العدل لا يمكن فرضه على الناس، إنه واقع يفرضه الناس في ما بينهم وعلى بعضهم البعض وفي مجرى صراعي.

لنعد الآن إلى فكرة المجلس العسكري في سورية، ولنتساءل: إذا كانت قوة الجيش قد أعطته، على الدوام، مدخلًا إلى الدور السياسي، فمن أين تأتي قوة هذا المجلس العسكري الذي لا جيش له؟ ولنفترض جدلًا أنه تم تشكيل جيش تحت أمرة المجلس المذكور، فوفق أي سياسة سيقود هذا المجلس الجيش المفترض؟ وإذا كان المجلس، كما يقال، تحت إمرة مدنية، فأين هي هذه الجهة المدنية؟ ولماذا الانشغال في فكرة مجلس عسكري في غياب “مجلس سياسي”؟ أليست الأولوية، منطقيًا، لبناء مجلس سياسي؟ تقودنا هذه الأسئلة إلى القول إن فكرة المجلس العسكري تنمّ، في أساسها، عن يأس مكين وأمل خجول؛ يأس من إمكانية تشكيل “مجلس سياسي”، أي من إمكانية إعطاء السياسة حقّها في السيادة الفعلية على العسكري؛ وأمل في استدراج دور خارجي (روسي غالبًا) مستقل أو بعيد نسبيًا عن نظام الأسد، يكون المجلس العسكري المقترح محلًا مناسبًا له.

ولكن يظلّ إبعاد الجيش عن السياسة لا يقلّ أهمية، لاستقرار سورية وبناء عافيتها، عن إبعاد الدين عن السياسة، هذه قاعدة ثابتة.