أزعم أن قلّة من السوريين قبل السبعينيات كانوا يسمعون باسم ميشيل كيلو المترجم الكبير لكتب مهمة عن الديمقراطية الأوروبية والأمبريالية والماركسية، وموضوعات أخرى في الاقتصاد السياسي، وتلك القلة كانت -بطبيعة الحال- محصورة بنخبة المثقفين والقرّاء الذين كانوا على صلة بعالم الكتب، بخاصة منها الصادرة عن وزارة الثقافة السورية التي كان يعمل فيها الراحل الكبير، والمجلات الثقافية السورية كالمعرفة والآداب الأجنبية اللتين كان يشارك في تحريرهما في ذلك الزمن. علمًا أن عدد النسخ المطبوعة من أيّ كتاب، حينذاك، لم تكن تتجاوز بضعة آلاف، أما نسب انتشار المطالعة بين السوريين، فكانت توازيها بؤسًا، مع انحدار التعليم وانتشار ثقافة الشعارات والحزب القائد.

كما كانت قلة أخرى، من نخب اليسار المعارض، مطلعة على مشاركته في كتابة أبرز الافتتاحيات والمقالات السياسية في صحف المعارضة السريّة، طوال فترة الصمت التي غرقت فيها سورية قبل موت الدكتاتور الأب، إلى جانب صحف المقاومة الفلسطينة لفتح وغيرها.

لكن الجمهور الأوسع من السوريين، تفجّر تعرّفه إلى ميشيل كيلو، أواخر السبعينيات، مع الأزمة التي عصفت بسورية على إثر جريمة مجزرة المدفعية صيف عام 1979، التي جعل منها النظام ذريعة جديدة لاستكمال إغلاق المجال السياسي وتقييد الحريات العامة، وقوننة ذلك تشريعيًا، فما كان من الراحل وثلّة من المثقفين الأحرار، برز بينهم الشاعر الراحل ممدوح عدوان، إلا أن واجهوا ذلك بقوة وشجاعة، بالنقد الصريح والعلني والحريص على المصلحة الوطنية العامة، وذلك في اللقاء الشهير الذي عقده ممثلو سلطة الأسد معهم، بقصد تطوير عمل الجبهة الوطنية التقدمية، في محاولة لامتصاص الاحتجاج واحتواء المثقفين. فانقلب الأمر عليهم، إذ فضح ميشيل طبيعة الجبهة التي كان نظام تأسيسها قد منع نشاط الأحزاب بين قطاعات الجماهير، بينما لم تكن تلك الأحزاب أكثر من تجمعات ضعيفة حول شخصيات بارزة، فصارت مجرد ملحقات للتأييد والتصفيق، وتابع ميشيل نقده بطرح برنامج كامل للإصلاح، أظنه بقي مناسبًا حتى فترة متأخرة! فانتشر عقب الاجتماع “كاسيت” مسجل للحوار الذي دار، تحولت نسخه إلى ما يشبه الرسالة الصوتية المعممة كفيديو بلغة اليوم. تبع ذلك لاحقًا حراك مدني واسع، افتتحه بيان النقابات المهنية وشاركته البقية الباقية من أجساد الأحزاب المعارضة المهشمة تحت ضربات القمع والسجن والتهجير القسري، لكن الأمر انتهى بحل تلك النقابات واستفحال القمع، وإغلاق كل مجال عام، خصوصًا بعد ارتكاب النظام مجزرة حماة الكبرى.

منذ تاريخ ذلك الكاسيت، دخل ميشيل السجن السياسي، وسيتكرر ذلك، لكنه صار عنوانًا جماهيريًا لدور المثقف السوري الحر، وتكرّس دوره المنخرط في نشاطات لا تكلّ ولا تملّ، من أجل استعادة الحريات العامة في التعبير والعمل والتنظيم وغيرها، وفتح الأبواب أمام مختلف فعاليات المجتمع السوري السياسية والمدنية للمشاركة في أمور الشأن العام ومعالجته ونقده بحرية، كما صارت شديدة الشيوع جملة الشاعر ممدوح عدوان: “إنهم يكذبون حتى في النشرة الجوية”.

وفي كلّ ذلك، كان ميشيل دينامو مبادرات ومشاريع، أعطت دورًا جديدًا للمثقف السوري، ظهر في دعواته المتتالية لإطلاق البيانات العلنية، بتوقيع أصحابها المثقفين والناشطين من كل أرجاء سورية، وذلك تجاوزًا لإنغلاق آفاق العمل السياسي المباشر، وتحول أحزاب المعارضة السياسية المهشمة إلى العمل السري، تحت ضغط إرهاب السلطة وقمعها. فكانت تلك البيانات خرقًا للصمت السوري المكرّس، وإعلانًا عن قيمة الذات الفردية الحرة ودورها في المبادرة وتحمّل المسؤولية الوطنية، إلى جانب الدفاع عن قيم الحرية عمومًا. وقد تجلى ذلك في كلّ مناسبة وحدث عام محلي أو متعلق بالمحيط العربي لسورية، وبخاصة ما يتعلق منها بفلسطين ولبنان، حيث كان يؤكد دومًا على ارتباط النضال ضد الاستبداد فيهما بالنضال السوري الداخلي، حتى صحّ القول بأنه كان حزبًا أو تيارًا وحده، من شدة غزارة مبادراته وانفتاحها على مشاركة العديد من المثقفين والناشطين معه، ولعل ذلك كان البذور الأولى لمبادراته المرتبطة بفكرة المجتمع المدني لاحقًا، التي عبّرت عن مغادرته أوهام الأيديولوجيا الاشتراكية، مع استمرار نزوعه اليساري المؤمن بالعدالة والمنفتح على قيم الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان.

أما تلك المبادرات، فقد امتدت إلى ميدان الشارع الجماهيري لاحقًا، مع ولادة لجان المجتمع المدني مفتتحة ربيع دمشق مع بياناتها وبيان الـ 99. فكانت الدعوة إلى اعتصام الأحد، الذي كثيرًا ما تحوًل إلى تظاهرات كبيرة، انضم إليها المثقفون والناشطون من كل أنحاء سورية، وكانت تنطلق أمام مقرّ الأمم المتحدة في شارع أبو رمانة وسط دمشق، للتعبير عن التضامن مع قضايا التحرر العربي، إلى جانب مطالبات عامة حول الحرية والمواطنة. ومثلها كانت الدعوة إلى خميس فلسطين تضامنًا مع الانتفاضة. فشكّل ذلك تدريبًا أوليًا على التظاهر، الأمر الذي كثيرًا ما أربك السلطة وأجهزتها الأمنية. كما ظهرت منتديات الحوار، وانتشرت كما ينتشر الفطر في كل أنحاء سورية، منتزعة حق الاجتماع والتعبير والتنظيم الذي طالما حجبه النظام الأسدي، لكن لفترة.

تلك المبادرات والحيوية التي لا تنضب الكامنة خلفها، هي ما ميزّت الراحل دومًا، وفي كل ذلك، أزعم أنه لم يكن مدعوًا، بل كان داعية، في الأعم والأغلب!

لكن المقال السياسي كان مجاله الآخر، الذي جعل اسمه مدويًا، محليًا وعربيًا، إذ بدأ الكتابة النقدية ضد الاستبداد السوري، لاحقًا لخروجه الأول من السجن، وفي الصحف العربية التي منع بعضها من الدخول إلى سورية، أو قنن دخولها بشكل مقصود، كما حدث مع (السفير) صديقة النظام السوري. وفي ذلك، تابع بجرأة ورصانة تحليله لتغوّل السلطة السورية وفسادها، معريًا تمويهها الأيديولوجي بأقنعة الاشتراكية والقومية، التي كثيرًا ما وظِفت لخداع الجماهير وتيارات اليسار العربي.

وصارت مقالاته الغزيرة تنقل وتنسخ وتعمم، ليس بسبب مضامينها النقدية الصريحة التي تتابع مشكلات الهمّ السوري المزمنة أولًا، بل بسبب عناوينها المبتكرة ولغتها وبيانها الجميل والمقروء من عامة الناس أيضًا، مثل: مراحل تفكك النظام الشمولي، إصلاح الرأس رأس كلّ إصلاح، فالج لا تعالج.. والتي لم تسقط يومًا في سفسطات بعض المثقفين وغموضهم. وإذ لا يتسع المجال للحديث عنها، فذلك قد يتطلب كتابًا بحاله، لذلك سأتوقف عند واحدة من أبرزها في مرحلة الوريث، وهي مقالة (نعوات سورية: القدس العربي 12/5/2006) التي لم تتجاوز الألف كلمة، لكنها تستحق أن تتوج كواحدة من أشهر مقالات الأدب السياسي العربي قاطبة. ففي تلك المقالة التقط، بعين عالم الاجتماع السياسي الخبير، المفارقةَ بين نعوات أبناء مدينة اللاذقية وأبناء ريفها، وهي مفارقة كشفت الوضع الاجتماعي والطبقي البائس الذي انحدر إليه أبناء الفريق الأول، فظهروا غالبًا كأصحاب حرف أو أعمال حرة أو موظفين متوسطين وصغار، كما كشفت واقع أبناء الريف الذين يعيش معظمهم على ريع السلطة، وبخاصة العسكري والأمني منه. فكان لهذه المقالة أثرٌ مدوّ كفضيحة كاشفة في سورية، ومحيطها العربي. وهو ما أثار حفيظة المركب السلطوي الأسدي بشدة، وكان خلف التوتر الأمني الذي أحاط بالراحل يومها، ثم تجلى بالحقد الذي ظهر في تعذيبه الشاق والمتنوع، عند اعتقاله السياسي مجددًا، على الرغم من عمره الذي بلغ السادسة والستين حينها، ومكانته كواحد من أبرز المثقفين الديمقراطيين السوريين المعروفين، عربيًا وعالميًا. وهو الاعتقال الذي استمر حوالي ثلاث سنوات، لاتهامه بمسؤوليته عن إعلان بيروت – دمشق، الذي وقعه مع عدد من المثقفين والناشطين السوريين واللبنانيين، وكان مثالًا آخر عن ترابط النضال ضد الاستبداد في سورية ولبنان والمحيط العربي.

ولم تتوقف مبادراته بعد خروجه من السجن الثاني، فقد تابع نشاطه وتقدّم بمبادرة سياسية نوعية، تمثلت بالدعوة إلى تعاقد وطني جديد حمل اسم إعلان دمشق، لإنهاء الشقاق الوطني مع التيار الإسلامي على أسس ديمقراطية، فصاغ مسودتها الأولى مع صديق عمره الراحل حسين العودات، بعد لقاء مع مرشد الإخوان المسلمين السوريين صدر الدين البيانوني، في مراكش، على هامش أحد المؤتمرات. ومرة أخرى، كرر النظام طبيعته الأصلية، رافضًا كل دعوة للحوار، ولاجئًا إلى القمع والاستبداد على عادته، فلجأ إلى اعتقال قادة الإعلان بعد ظهوره كمؤسسة ونشاط لافت، كما انتهى إلى وأد ربيع دمشق أيضًا.

وما إن تفجرت ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن، حتى التحق بها شباب سورية، وخرجت تظاهراتهم في أنحاء مختلفة من البلاد، لتصطدم بالقمع والتعسف غير المسبوق. فسارع الراحل إلى تأييد حراكهم، مطالبًا بتحقيق مطالبهم السلمية في مرحلتها الأولى، ومتوجهًا بإلحاح إلى السلطة في مقالاته وإطلالاته العديدة، للمسارعة إلى الحوار والإصلاح، نظرًا لإدراكه العميق لتصلّب مُركّب السلطة، وحذرها من فتح باب التغيير، وكان شعاره في ذلك: قول صديقه وأستاذه الكبير الراحل إلياس مرقص: “رُبّ إصلاح أكبر من ثورة”. ولم يأل جهدًا في محاولة فتح جسور الحوار، ولم يأنف من بذل أي محاولة في ذلك، فتوجه للحوار مع رؤساء فروع الأمن الذين أدرك دومًا بأنهم أصحاب السلطة الحقيقية، كما قصد القصر الجمهوري متمنيًا عدم اللجوء إلى الحل الأمني، ومنع الاحتراب الوطني، لكن بدون فائدة، كما كشف عن ذلك المحللّ رامي الشاعر في مقالته عنه، علمًا أن هذه المرونة السياسية، الحريصة على منع الكارثة الوطنية، دفعت ذوي الرؤوس الحامية في معسكر المعارضة إلى التعريض به.

وقد بقي الراحل طويلًا ضدّ العسكرة، فساهم في نشاط هيئة التنسيق الوطنية وشعاراتها الرافضة للعنف والطائفية والتدخل الأجنبي، لكن تصلّب النظام الأسدي ولجوءه مع حلفائه الدوليين إلى العنف الإجرامي اللامحدود، ورفضه لأي حوار، وصولًا إلى التدمير الكارثي وسياسة التهجير، مطبقًا برنامج الإبادة الجماعية تحت اسم (سورية المفيدة)، كلّ ذلك دفع الراحل أخيرًا إلى الخروج من سورية. لكنّه لم يتوقف عن محاولة بناء مشاريع تكوينات ديمقراطية، من المنبر الديمقراطي، إلى الاتحاد الديمقراطي، إلى الكتلة الديمقراطية، عند مشاركته في مؤسسة المعارضة السورية الرسمية (الائتلاف الوطني) التي لم يلبث أن غادرها بعد سنوات، حينما أيقن عبث التخلّص من تبعيتها وسيطرة عصبوية عليها. مع ذلك بقي حريصًا على انتمائه للثورة. وعلى الرغم من كل تراجعاتها وما لحق بها من عطب وكوارث، فقد أبى إلا أن يتابع الحوار من داخلها. وسواء أخطأ هنا أم أصاب هناك، في ممارسته فنّ الممكن السياسي، فقد كان في السنوات الأخيرة يستجيب بنشاط فائق ومدهش لندوات ناشطيها ومجموعاتها وأسئلتهم، متابعًا تلبية فيديوهاتها وصوتياتها، على الرغم من تقدمه بالعمر ومعاناته الصحية، فتراكم في هذا السياق مخزون كبير، سيشكل إلى جانب مقالاته، وكتبه بخاصة منها الأخير (من الأمة إلى الطائفة) وروايتيه، ذخيرة ومرجعية معرفية كبرى للأجيال القادمة، التي آمن دومًا بمستقبل قيادتها لسورية الديمقراطية.

هذا بعضٌ من ميشيل الذي لا يمكن أن يغيب عن ذاكرة السوريين الأحرار، والذي وصفه د برهان غليون، صديق عمره بحق، بأنه كان شخصية ساحرة، وقوة من قوى الطبيعة الفذة. وهو نفسه الذي كان صديقًا حميمًا للكثيرين، ويطلب سماع آرائهم، على الرغم من تواضع أدوارهم وثقافتهم بالقياس إليه، وأنا شخصيًا واحد منهم.

رحم الله فقيدنا الكبير، وأعاننا على الاستجابة لوصيته وندائه.