هل يمكن المتابعة في المسألة السورية بالأدوات التي لم تتقدم خطوة في طريق الحلّ عسكريًا و/أو سياسيًا طوال عقد مضى؟ وهل يمكن التفريط بحقوق السورين المهجّرين والمعتقلين والضحايا، من كل الأطراف، بحلول جزافية من دون التحول الديمقراطي كحلّ جذري؟ سؤال وزنه وزن المسؤولية التاريخية، وحمله الأثقل والأكثر إلحاحًا القدرة على الإجابة اللحظية.

تبدو معادلة السلطة والمعارضة السورية إلى اليوم حالة مشروطة بحدين متناقضين: الأول عدم وجود بنية مؤسساتية تتيح فرصة وجود معارضة ذات حقوق قانونية وسياسية معترف بها في معادلة الحكم والنظام السياسي؛ والثاني انجراف قوى المعارضة السورية، المعطلة تاريخيًا عن الفعل السياسي، في المعادلات الدولية العاملة في الشأن السوري، وهذه بذاتها متناقضة المصالح، فكيف إن كانت تلك المعارضة مختلفة فيما بينها في مسألة الوطنية السورية وهويتها؟

على الرغم من العطالة التاريخية لمختلف قوى المعارضة السورية، والناتجة عن ممارسات السلطة الأمنية التعسفية، فإن تلك القوى برزت بحكم المد الشعبي العريض بقوة بعد العام 2011، وحملت في مسيرة الثورة مسؤوليات سياسية كبرى في الحل السوري. وكان من المفترض أن تلعب دورها التاريخي في تكوين وتشكيل الهوية الوطنية السورية، بطريقة مختلفة عن أداء السلطة القائمة، لكنها مارست السياسة كفعل مغالبة، فكلّ طرف يريد غلبة الآخر!

هذا التباين بين المنشود والواقع ليس له حلّ إلا بأن تُحلّ المسألة السورية بجذرها. والحلّ الجذري هو تحقيق دولة الحريات والقانون وتحجيم دور مؤسسة السلطة فيها بالدور الإداري والمهني المعروف بممارسة السياسة بحرفية ومهنية، حسب ماكس فيبر. وشرط هذا ألا تصبغ أي سلطة، قائمة أو بديلة، الدولة وأجهزتها بصبغتها الأيديولوجية، كما مارس حكم البعث السياسة كفعل تسلطي على أجهزة الدولة ومؤسساتها، وحوّلها إلى أدوات لتنفيذ شهوات الحكم المنفرد، كنموذج لدولة الطغيان والحكم الأوليجارشي، حسب ابن خلدون.

السوريون اليوم في أزمة وجود حقيقة، جذرها الهوية الوطنية التي تعبث بها صنوف شتى من الاعتداءات التاريخية والسياسية من تغير ديموغرافي ممنهج، وعبث في حاضره ومستقبله، مع تغول سياسة الأمر الواقع العنفية، بمختلف صنوف العمل العسكري والأمني المحلي والمحمول على قوى إقليمية ودولية، حتى باتت الساحة السورية محطة تصفية خلافات دولية كبرى، بين المحورين الروسي/ الأوراسالي، والناتو الغربي، وما دونها من مشاريع تطييف دينية بين محور “المقاومة” و”الممانعة” الإيراني المنكشف زيفه التاريخي، في مقابل مخططات الشرق الأوسط الإسرائيلية، وتتداخل بين هذه الوصفات باقي الدول في موقعة كبرى، على حساب الوطنية السورية ومشروع دولتها الممكن، فيما يبدو سطحها الطافي صراعًا سياسيًا على طريقة إدارة هذه الوطنية وبقايا دولتها القائمة، بحلول أممية ممثلة بالقرار 2254/2015، في مقابل طرق الحل الروسية السوتشية والأستانية، وكل أطراف النزاع فيها تبحث عن مصالحها من خلال سورية، وعبر السوريين أنفسهم، سواء كانوا سلطة أو معارضة.

أسهمت العديد من المراكز السورية والدراسات البحثية في تحديد نقاط ومحددات وطرق الحل السوري، وهذا ما لا يمكن تفصيله في مقال، بقدر ما يمكن الاتفاق حوله أن معادلة السلطة والمعارضة هي جزء المشكلة الأساسي، من دون أن نعادل بينهما، من حيث الفعل وردّته، فالحلّ الأمني والعسكري الذي اتخذته سلطة النظام قاد الجميع إلى هذه الحالة الكارثية اليوم. وبتدقيق أكثر، فقد بنت الدول الكبرى مصالحها وطرق تحققها على أساس معادلة السلطة والمعارضة هذه، والتي خلقت حالة من الاستعصاء الجيوعسكري السياسي الذي لا يمكن تجاوز خطوطه الحمر دوليًا، من قبيل مواجهة الناتو مع روسيا، أو تركيا مع روسيا، أو مواجهة إيرانية تركية أو إسرائيلية، تتجنبها جميع الأطراف، ولكنها تقام عبر السوريين أنفسهم سلطة ومعارضة كأدوات. وفي الجهة المقابلة، تمارس كل من السلطة والمعارضة ذلك النموذج القهري العقابي في سلوكها السياسي، والذي يتسم بتكفير المختلف ووضعه في منزلة العدو المستباح والمهدد بوجوده، ما يضفي على المشهد السوري تكريس نماذج القهر السياسي والأمني المتوارثة، حتى ضمن ذات الفريق المعارض الذي يُفترض أن يشكل بديلًا مختلفًا! وخلافات شهوة الحكم المنفرد والأوحد الموثقة، منذ 2013 دليلٌ على هذا، بدءًا من الغوطة وصولًا إلى إدلب وشرق الفرات عسكريًا. أضف إلى ذلك نماذج الخلاف الحاد والأيديولوجي السياسي بين صنوف المعارضة، على طريقة الحكم وسورية المستقبل، واللجنة الدستورية وخلافات الائتلاف والقوى السورية الأخرى فيما بينها دليلٌ فاقع. وكأن كل الأطراف السورية تتملكها نزعة السلطة العقابية التي فنّدها ميشيل فوكو، وأجاز فيها قوله: “إن السلطة العقابية تنتج نخبًا سياسية وفكرية معارضة تحمل ذات النموذج العقابي الذي تمارسه السلطة ذاتها”.

في خلاصة المشهد السوري  وصراعاته المتفانية، طرح مركز كارتر الأميركي للدراسات بداية عام 2021 دراسة بعنوان: الطريق نحو تحويل النزاع في سوريا، موصيًا بإجراءات فعلية لبناء الثقة، تبادر بها أميركا وأوروبا، عبر الحوافز الدبلوماسية وتخفيف العقوبات، مع الإبقاء على عقوبات محددة على بعض المسؤولين المتهمين بارتكاب جرائم الحرب، وهي الخطوة التي ترجمت سياسيًا بخطوة مقابل خطوة مع روسيا. فيما قدم غير بيدرسون المبعوث الأممي الخاص بسورية إحاطته الأخيرة لمجلس الأمن، بأن هناك بصيص أمل في تقدم المباحثات السورية للحل فيها، مستندًا، حسب قوله، إلى عطالة استمرت 21 شهرًا لم يحرز فيها أي من الطرفين تقدّمًا في إنعاش وضعه الاقتصادي والسياسي، ولم يحدث فيها خرق في خطوط التماس بينهما، والمقصود طبعًا بالطرفين السلطة والمعارضة على اختلاف أطيافها. ولربما كان مربط الفرس هنا!

مربط الفرس، لا كما يريده بيدرسون بلجوء الطرفين إلى الحل وقد عافت الأنفس العطالة! بل بالإجابة عن الأسئلة الأولى، فهي مفتاح الحل الممكن، وقد بتنا على يقين أنه ليس حلًّا سحريًا ولا إلهامًا سماويًا منزلًا، ولا مسلمة فكرية جاهزة للتطبيق المباشر، كمن يركّب ماكينة بعد تصميمها الدقيق، بل هو إمكانية تجاوز موضوعة الصراع بين السلطة والمعارضة والتوجه إلى الكلّية السورية، والبحث عميقًا في الوطنية السورية المجردة عن هوس الحكم وشرعيته المفردة، والوصول إلى نماذج الوطنية السورية الفكرية والسياسية والاقتصادية القادرة على:

  • تحديد معطيات المسألة السورية برؤية متسعة الأفق، تأخذ بعين الاعتبار محددات الوضع السوري كعقدة دولية كبرى.
  • تحديد المصلحة السورية وفق تقاطع المصالح الدولية العاملة فيها، والتمَيز الفعلي بين نقاط القوة فيها ونقاط الضعف التي تنهك السوريين.
  • امتلاك الفاعلية والاستعداد على تحمل مسؤولياتها التاريخية في خوض مفاوضات شاقة مهنية وحرفية مع دول الصراع وعلى رأسها روسيا، على أرضية المصلحة السورية أولًا.
  • تأخذ بحسّها المسؤول القادر على تحديد الهوية الوطنية السورية، بعيدًا عن الاصطفاف الأيديولوجي بين علماني وإسلامي وقومي…

وهذا ما يمكن تفصيله حواريًا من خلال مفاهيم: الوطنية المجردة والحقوق الأفقية المتساوية وطرق العمل المتوازية. فهل هذا ممكن وقريب المنال؟ وهل نمتلك القدرة على تفعيل حوامله السياسية والفكرية والاقتصادية والمؤسساتية البحثية؟ سؤال برسم القدرة والإمكانية والفاعلية.