تُعدّ مهمة بناء هويّة سورية تجمع كل السوريين، على اختلاف أديانهم وطوائفهم وقومياتهم وأيديولوجياتهم، اليوم، من أصعب المهمات الملقاة على كاهل المثقفين السوريين. وتعود هذه الصعوبة إلى أسباب عدة، أولها أن الدولة السورية/ الأسدية لم تكن دولة بالمعنى الحقيقي لمفهوم الدولة، أي أنها لم تكن الكيان الذي يعتقد السوريون أنهم ينتمون إليه ويجدون ذاتهم وطموحاتهم السياسية فيه، فضلًا عن أنها لم تسعَ أصلًا إلى بناء هوية وطنية للسوريين، خوفًا من توحدهم خلف هوية وطنية قد تشكل خطرًا على النظام الأسدي. أما الصعوبة الثانية، فتعود إلى السوريين أنفسهم، من حيث إنهم يفكرون بالـ “الهوية” بطريقة تجاوزتها الحداثة السياسية، طريقة ما زالت تعطي العوامل الطبيعية السابقة للهوية (الانتماءات القومية والدينية..) أولوية على العوامل الإنسانية (الحقوق، المساواة..).

تعود مشكلة السوريين، في عدم قدرتهم على تكوين هوية سياسية تجمعهم، إلى أن الهوية السياسية تتشكل في كنف الدولة. الهوية لا تنمو وتتمظهر خارج الدولة. فمثلًا الهويات القومية الأوروبية نشأت في كنف الدول التي عبّرت عن الأمة ورسّخت شعورًا عامًا بين مواطنيها يُعلي شأن الرابطة بينهم، ويجعلهم يفكرون في الأهداف نفسها والمصير المشترك. سورية الحديثة دولة أتت بها اتفاقيات سايكس بيكو، ولم تكن دولة تعبّر عن مجموعة بشرية بينها مشتركات وروابط. في مثل هذا الحالة، على الدولة أن تبني مثل تلك الروابط، لتخلق نوعًا من الحميمية بين الدولة وسكانها. وعندئذ تنشأ هوية انتماء إلى الدولة وكيانها السياسي والجغرافي. غير أن الدولة السورية الحديثة لم تُعطَ الفرصة الكافية لتكوين مثل تلك الرابطة بين السكان والدولة. والسبب في ذلك انقلاب العسكر على الحياة السياسية القصيرة في سورية، في مرحلة ما بعد الاستقلال.

سرعان ما سيطر حافظ الأسد على سورية، عبر انقلاب عسكري، كان حزب البعث واجهته السياسية. والهوية التي تبناها حافظ الأسد هي الهوية القومية العربية، التي أصبحت الأيديولوجيا الرسمية للدولة منذ انقلاب عام 1963. وتم تدعيم هذا الهوية بـ “الاشتراكية” التي كانت تعني -في أدبيات حزب البعث- تأميم الأراضي والممتلكات، لتوزيعها على الفقراء والفلاحين، إضافة إلى “الحرية” التي تحولت إلى ديمقراطية مركزية يقوم فيها حافظ الأسد وكبار معاونيه، من خلال القيادة القطرية لحزب البعث، باختيار ثلثي أعضاء مجلس الشعب ونقابات العمال والمعلمين واتحادات الفلاحين والمحامين وغيرهم.

كان سبب صعود الهوية القومية العربية في المنطقة هو الاستعمارين الفرنسي والبريطاني الذي قسم المنطقة العربية إلى دويلات. غير أن الأيديولوجية القومية بقيت حاضرة بقوة كهوية، حتى بعد تلاشي الاستعمار المباشر. ومن مشكلات النزعة القومية عمومًا أنها لا تتهاون مع المستعمر الخارجي، ولكنها من النوع الذي يتهاون مع الدكتاتوريات، ولذلك لم يرَ حافظ الأسد فيها أي خطر على مستقبله الدكتاتوري. وإن الطغاة الذين ركبوا على القومية لتثبيت طغيانهم أكثر من أن يُعدّوا. حتى إن الهوية السورية عُدّت نوعًا من الخيانة للهوية القومية العربية التي تشكّل المجال الأبوي للشعب السوري. غير أن سياسات حافظ الأسد القمعية، وتغوّل الدولة الأمنية (بتعبير طيّب تيزيني) ومصادرة الحريات، وعدم السماح بتشكيل أحزاب، واستشراء الفساد، ومجازر حماة، أوجدت شعورًا عامًا لدى السوريين بأن السياسة أمرٌ خطير في هذا البلد، وبأن على المرء أن يكون حذرًا أكثر من اللازم.

هذا الشعور العام بعدم الثقة بالنظام الأسدي، وبأن كل ما يقوله مجرد كذب، ونوع من ذر الرماد في العيون للتمويه على فساده ونهبه لمقدرات البلد، جعل السوريين يفكرون في الهوية القومية على أنها إما مجرد حلم بعيد المنال، وإما نوع من الكذب السياسي، أو أنها هوية غير ملموسة على أرض الواقع، أو أنها أكبر منهم، أو مجرد تغنٍ بماضٍ تليد، أو هوية غير مفيدة لهم فعليًا، ولا سيّما أن فكرة الوحدة، وهي الحامل الذي يراد للقومية العربية أن تتجسد فيه، أصبحت بعيدة المنال، وباتت مجرد كلمة خشبية لا تحوز أي مكانة في وجدان السوريين السياسي.

تكوين الهوية، التي حرص حافظ الأسد على جعل السوريين يؤمنون بها إيمانًا يصل إلى حد الهلوسة السياسية، كان موجهًا صوب الخارج لا الداخل. وهذا يعني أن الهوية القومية العربية كانت متجهة إما صوب الخارج العربي، أي الأنظمة العربية المجاورة، وهي العدو اللدود للنظام الأسدي (عراق صدام حسين، الأردن الإخونجي، الخليج العربي المتأمرك)، وإما صوب “إسرائيل” والغرب الداعم لها. ومن هنا؛ كانت هوية سلبية تتخذ الخوفَ من الآخر، والشك في نيّاته وأهدافه، مدخلًا لفهم السياسة.

حتى إن المزاج العام للسوريين البعثيين (القوميين) أخذ يحمل تقديرًا منخفضًا للسكان العرب، في الدول الأخرى والأنظمة العربية على حدٍ سواء، وهذه مفارقة تشبه مفارقة النظام الأسدي الذي يُعلي مكانة القضية الفلسطينية من جهة، ويتعامل بعدوانية مع الفلسطينيين كأفراد، من جهة أخرى.

على ذلك؛ تكونت رؤية سياسية عامة لدى السوريين، فيها خوف مضاعف من النظام القمعي الداخلي، وعدم ثقة بالخارج. هذا الخوف انعكس على تفكيرهم السياسي بالهوية التي يمكن أن تجمعهم في مرحلة ما بعد الثورة.

مطالب السوري اليوم بأن يفكر في وطينته وهويته، بطريقة تستجيب لتعقيدات الوضع السوري، لتكوين هوية تجمع أكبر عدد من السوريين.

يضاف إلى ذلك بروز الهويات الطائفية بين أوساط السوريين، الذين تبين لهم أن الدولة كيان لا يمكن الوثوق به، بل إن الدولة/ النظام أكبر المستفيدين من عدم ظهور وطنية سورية، تكون بديلًا عن الهويات الطائفية والمناطقية، ولا سيما أن هذه الدولة (النظام) عجزت عن أن تسير خطوة واحدة، في طريق مطلب القومية العربية في الوحدة أو حتى التنسيق العربي العربي.

بقي النظام الأسدي يتجاهل المبادئ الحديثة للهوية السياسية في العالم المعاصر، مثلما تبنى طريقة الدكتاتوريات الكبرى، ولا سيما السوفيتية والصينية، في بناء هويات مصطنعة تفرضها تلك الدول على الشعوب، بما يناسب مصالح أنظمة تلك الدول وحساباتها السياسية. وهي هويات سرعان ما انهار معظمها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لأنها هويات فُرضت بالقوة لتزيح هويات أخرى.

هكذا يجد السوري اليوم نفسه أمام وضع “وطني” معقد: دولة ليست وطنية، تصاعد هويات طائفية وقومية تحت وطنية في ظل أوضاع الانفلات العام الذي تشهده معظم مناطق سورية، هوية قومية تكاد تنعدم الأسس الواقعية لتحقيقها، خوف من المستقبل، عسكرة المجتمع، تدخل دولي غير مسبوق.. حتى إننا نكاد نعثر في مدينة نائية -كالرقة مثلًا- على قوات أميركية وفرنسية وروسية وتركية، فضلًا عن ميليشيات النظام والمتعاونين معه، والكتائب الموالية للائتلاف الوطني، إضافة إلى قوات كردية.

في أوضاع كهذي، يكاد يصل السوري إلى نتيجة مفادها أن الهوية والوطنية قضايا ما فوق سياسية، بمعنى أن الوضع السياسي لا يحتمل التفكير في مثل هذه القضايا، وأن أولياته يجب أن تتركز على أمانة وتدبير أمور حياته من معيشة وتعليم وغيرها. ولكنه، بالرغم من ذلك، لا يستطيع أن يقف مكتوف الأيدي، أمام هذه التغيرات السياسية التي يمكن أن تترك بصماتها على الوضع المستقبلي لسورية.

إن السوري اليوم مطالَب أكثر من أي وقت مضى بأن يفكر في وطينته وهويته، بطريقة تلبي طموحاته الوطنية، وتستجيب لتعقيدات الوضع السوري، لتكوين هوية تجمع أكبر عدد من السوريين، وهذا يعني أن عليه إعادة النظر في ست قضايا أساسية، نرى أنها مدخل مناسب لمناقشة قضية الهوية الوطنية، في سورية في مرحلة ما بعد الثورة:

الأولى أن الهويات الوطنية الحديثة أصبحت تركز على الحقوق والمساواة والعدالة والحريات، ولم تعد تعطي الأولية لقضايا القومية والدين. وهذا يعني أن الانتماءات القومية والدينية أصبحت أمرًا ثقافيًا أكثر منه سياسيًا. ففي البداية، يتفق الناس على شكل الحكم والحقوق، ويضمنون وجود مبادئ عامة للمساواة والحريات، أما الانتماءات القومية والدينية فهي مسائل ثقافية يجب أن تُحترم، ويكون للناس الحرية التامة في التعبير عنها واعتناقها أو عدم اعتناقها في إطار ديمقراطي مسالم وإيجابي.

الثانية أن السبب الكبير الذي يكمن وراء تمسك بعض الفئات والقوى والأحزاب في تبني هويات قومية أو دينية أو طائفية هو أن هذه الهويات تسهل سيطرة تلك الأطراف على الشعوب، لا أكثر ولا أقل. فالهويات القومية والدينية -كما رأينا آنفًا- هويات تتساهل مع الطغاة، بل إنها تمجدهم، ما داموا يبيعون شعوبهم أحلامًا سياسية مجانية، ويدغدغون رغبات قومية، عفا عليها الزمن، قد تعود إلى مئات وربما آلاف السنين.

الثالثة أن الأحزاب القومية والدينية والطائفية من النوع الذي يمكن أن يدار من الخلف، لأنها بالأساس أحزاب غير ديمقراطية. ولعل هذا ما يفسر أن أهم الأحزاب التي تعمل في سورية في مرحلة ما بعد الثورة، وترفع شعارات قومية، هي أحزاب دكتاتورية، ولا سيما حزب البعث العربي الاشتراكي وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في شمال سورية.

الرابعة أن مفهوم الولاء اليوم لم يعد ذا بُعد واحد يتجه من الفرد إلى الدولة، بل أصبح ذا اتجاهين. بمعنى أن على الفرد أن يقدم الولاء للدولة التي تحترم حقوقه وترعى مصالحه وتهتم بأمانه، وإلا فلا معنى سياسيًا للولاء الوطني. على العكس، إن من يقدم الولاء لهوية أو دولة تقف على الضد من حقوقه، ولا تشركه في السلطة، ولا تبني علاقة قانونية معه، سيوقع نفسه ومجتمعه في مشكلات عليه أن يتحمل تبعاتها.

الخامسة أن مضمون الهوية لم يعد أمرًا مسبقًا وثابتًا ونهائيًا، كما هي الحال في التفكير الهوياتي التقليدي، بل على العكس، الهويات اليوم تُبنى وتُعدّل وتنمو، وفق مصالح الشعوب وظروفها. والسبب في ظهور مثل هذا التصور للهوية أن الهويات الحديثة أصبحت تتجه إلى المستقبل، ولم تعد تهتم بالماضي كثيرًا. كما أنها تعد اليوم إحدى الأدوات الواقعية الفعالة في حل مشكلات التعايش والنزعات الانفصالية، في عدد من دول أوروبا وأميركا.

السادسة أن الزمن الذي كانت تقام فيه الهوية على الضد من الهويات الأخرى قد ولّى إلى غير رجعة، وأن مفهوم الهوية اليوم يقوم على الاعتراف بالهويات الأخرى، وأخذ مخاوفها ومصالحها بعين الاعتبار. وهذا يعني أن اختلاف الهويات والأديان والأعراق يمكن تحويله من عامل صراع ونفي، إلى عامل إغناء وقوة. وهذا يعني أن تحويل التفكير بالهوية إلى نموذج يقوم على الاعتراف بالآخر المختلف هو أول خطوة في تكوين هوية سورية جامعة.