يذكر الصحفي والكاتب الأميركي/ اللبناني سام داغر، في كتابه المدهش “الأسد أو نحرق البلد”، أن وصمة العار التي لحقت بحافظ الأسد بعد هزيمة حزيران 1967، باعتباره وزيرًا للدفاع والمسؤول الأساسي عن تحركات الجيش السوري وانسحابه المفاجئ أمام الجيش الإسرائيلي، لم تثنِ الأسد، بعد ثلاث سنوات عن اعتراضه ورفضه إرسال الطيران لحماية القوات المدرّعة السورية، التي أرسلها صلاح جديد إلى الأردن للدفاع عن الفدائيين الفلسطينيين أمام القوات الأردنية البرية والجوية، بعد أن ارتكبت مجازر بحق الفلسطينيين وكبّدت القوات السورية خسائر فادحة في ما عُرف بـ “أيلول الأسود”. بل إن الأسد قام بترفيع رفيق دربه مصطفى طلاس، بعد الهزيمة مباشرة، من مقدّم إلى لواء، وعيّنه رئيسًا لأركان الجيش، بعد قيام هذا الأخير، بطلب من الأسد، بإنشاء محكمة عسكرية فورية لكلّ من بدر جمعة وسليم حاطوم، والمشاركة بشكل شخصي مع عبد الكريم الجندي، في تعذيب حاطوم حتى الموت، ثم جرّه مقتولًا إلى ساحة الإعدام مع جمعة، الذي تم انتزاع اعترافه بالخيانة والتآمر ضد سورية مع العدو الصهيوني.

 انقلاب الأسد، بالتعاون مع طلاس، ضد رفاق الدرب السابقين في الحزب والجيش، الذي سمّوه “الحركة التصحيحية” عام 1970، لم يكن إلا تتويجًا لذلك العار الذي تركته الهزيمة على جبين الأسد، لكن الهزيمة نفسها لم تصبح كاملة إلا بعد حرب تشرين عام 1973، إذ إن تفرّغ “إسرائيل” للجبهة الشمالية، بعد خروج مصر السريع من الحرب نتيجة استعادتها لسيناء، أوصلها إلى حدود دمشق، والتفاوض الذي افتتحه ورعاه وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر (هذا الأخير الذي أوصى في السنوات الماضية بعدم تصفية الأسد الابن)، احتاج إلى شهر كامل، لكي يفهم الإسرائيليون والأميركيون ما يريده حافظ بالضبط، ففي البداية، ظنّ الإسرائيليون أن الأسد فقد عقله عندما طالب بعودة الجولان كاملًا بعد الخسارة الساحقة لقواته، ثم بصعوبة أخفوا فرحتهم، عندما علموا في المحصلة أنه لا يريد شيئًا سوى دعم البقاء في السلطة وحفظ ماء الوجه، فأعادوا له مدينة القنيطرة؛ لكن ليس قبل تدميرها وتهجير سكانها، ووقّعوا معه اتفاقية “فك الارتباط” التي جلبت قوات الأمم المتحدة للمنطقة العازلة، وأنهت الصراع السوري الإسرائيلي فعليًا، لتبقى العداوة الشكلية التي تحتاج إليها بروباغندا الطرفين في الداخل، وبالمقابل، ذهب الأسد وطلاس إلى القنيطرة ليرفع العلم السوري فوق الخراب، ويعلن نفسه “بطل التشرينين”، ومحرر الأرض والعرض، ومعيد الكرامة لسورية وللعرب أجمعين، وليتفرغ باقي عمره لأعدائه السوريين والفلسطينيين واللبنانيين. ولم يمض على اتفاق “السلام” أشهر عدة، حتى زار دمشقَ ريتشارد نيكسون، كأول رئيس أميركي يزور سورية ويبارك الأسدَ كأحد ديكتاتورييه المفضلين في الشرق الأوسط.

قد يكون الخلاص من الأوهام أحيانًا أصعب كثيرًا من التخلص من الحقائق؛ فالتطبيع الحقيقي مع “إسرائيل” بدأ منذ تلك اللحظة، حيث انتهى التهديد الرئيس لإسرائيل من كامل محيطها الجيوسياسي، ولم تعد أي حرب كبرى مطروحة أصلًا معها، ولم يعد ممكنًا مساءلة “وجود إسرائيل” التي باتت دولة معترفًا بها شرعيًا في الأمم المتحدة، وفي مجلس الأمن الذي تقوده الدول نفسها التي أوجدت إسرائيل، أما مشكلة الشرعية فقد باتت، على العكس، تخص دولة فلسطين التي لم يتم الاعتراف الدولي بها حتى اليوم، لا ضمن دولة واحدة مع إسرائيل، ولا ضمن حلّ الدولتين.

إذا كانت هزيمة حزيران 1967 هي الهزيمة المؤسِّسة لأنظمتنا السياسية المعاصرة، فإن حرب تشرين 1973 هي حرب تطبيع تلك الهزيمة، التطبيع الأصل والأساس مع إسرائيل الذي جعل كل تطبيع بعده ليس أكثر من ترجمة جديدة وهزيلة للهزيمة.

منظمة التحرير الفلسطينية التي تم ترحيلها في المرة الأولى من الأردن إلى لبنان، ليستلم من اعتكف عن حمايتها قيادة سورية، بعد ذلك بشهرين فقط، تم ترحيلها مرة ثانية من لبنان إلى تونس، بعد خمسة عشر عامًا، ليصبح الأسد، المشارك في ترحيلها، حاكمًا فعليًا لسورية ولبنان معًا. وياسر عرفات الذي أمضى عمره مقاتلًا ومقاومًا ثم مفاوضًا، كان أكثر من فهم تلك المعادلة الدقيقة، وأكثر من خبر المتاجرة العربية، والسورية بوجه خاص، في القضية الفلسطينية، وقد دفعه ذلك في المحصلة إلى عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل، في أوسلو عام 1993. أما الرافضين تلك الاتفاقية، ولا سيما حركتي حماس والجهاد الإسلامي، فما زالوا يحكمون في غزة بطريقة لا يتمناها العدو لعدوه.

عند النظر في مسألة التطبيع؛ يغدو التمييز بين الأنظمة والشعوب مسألة ضرورية، لأن الأنظمة لا تمثل الشعب فعليًا، وشرعيتها غير مستمدة من تفويض أو انتخاب الشعب، إنما مستمدة من قدرتها على سحق الشعب وإرادة الشعب والتنسيق مع الخارج. وعند تطبيع أي نظام عربي مع إسرائيل، فإن آخر من يُحسب له حساب هو الشعب، والأسوأ أن آخر من يُفكَّر في مصلحته هو الشعب الفلسطيني، صاحب القضية الأصل. فتطبيع النظام المصري، قبل عقود من تطبيع النظامين الإماراتي والبحريني، لم يقدّم فائدة واحدة للشعب والقضية والفلسطينية، ولم يجلب سوى التثبيت الأميركي للنظام العسكري المصري ومؤسسته العسكرية التي تأكل الأخضر واليابس هناك، ولم يغيّر قيد أنملة في علاقة الشعب المصري مع إسرائيل، على العكس، ما زال الجو العام أقرب إلى الأغنية الشعبية الشهيرة “بحب عمرو موسى، وبكره إسرائيل”. لكن بالمقابل، فإن الممانعة الوهمية التي مثلها نظام الأسد، لم تجعل الرضى الإسرائيلي عن الأسد أقلّ شأنًا من نظيره المصري، بل يمكن القول إن المدافع الأقوى تأثيرًا عن بقاء الأسد، منذ بداية الثورة ضده حتى اليوم، هو إسرائيل، حيث لم يترك نتنياهو مناسبة إلا عبّر عن ذلك، تصريحًا أو تلميحًا، وهو ما يتناسب مع التصريح الشهير لمخلوف من تلازم الأمنَين السوري والإسرائيلي، في بداية الثورة.

الجانب الطفلي والوهمي المنتشر للممانعة لا يشبه سوى الجانب الطفلي والوهمي الذي ساد عقودًا للوحدة القومية العربية؛ وهو الوهم الذي ما زال سائدًا في الحالتين، فالصيغة الواقعية للمانعة تقوم على طريقة “الزعل الولّادي”، فنحن “زعلانين” من إسرائيل، ولن نكلّمها مرة أخرى مهما حاولت، لأنها احتلّت أرضنا! نعم وماذا بعد؟ حرفيًا لا شيء! فالطيران الإسرائيلي يسرح ويمرح في سماء دولة الممانعة، منذ عقود، من دون أن تتغير صيغة الرد الأزلية في الزمان والمكان المناسبين. من “عين الصاحب” 2003 إلى تدمير المنشأة النووية في دير الزور 2007، إلى النزهات شبه اليومية في السنوات الأخيرة، ولا ردّ إلا واحدًا أسقط طائرة روسية. أما المقاومة فقد كان “انتصارها الإلهي” عام 2006 إعادة مأسوية/ هزلية لحرب تشرين التحريرية، فقد جلبت اليونيفيل إلى الحدود (التي هي بطور الترسيم اليوم)، ووجهت سلاح المقاومة إلى الداخل، ورفعت “نصر الله” إلى القائد الفعلي للبنان، المسيطر على الحدود والمرفأ والمطار والقرار، وباتت الدولة اللبنانية دولة ضمن دولة “حزب الله”.

إذا كانت هزيمة حزيران 1967 هي الهزيمة المؤسِّسة لأنظمتنا السياسية المعاصرة، فإن حرب تشرين 1973 هي حرب تطبيع تلك الهزيمة، التطبيع الأصل والأساس مع إسرائيل الذي جعل كل تطبيع بعده ليس أكثر من ترجمة جديدة وهزيلة للهزيمة.