هل تكفي العقوبات الخارجية لتركيع الأنظمة الدكتاتورية، التي تعتمد على الولاء وعلى الصّلات العائلية ودوائر العلاقات الخاصة المستفيدة من الامتيازات والاستثناءات، والتي هي غالبًا -بطبيعة تكوين النظام الدولي- تكون تابعةً وطيّعة، إن لم نقل أكثر من ذلك؟!

برأيي، إن العقوبات بمختلف أنواعها، وأهمّها الاقتصادية والمالية، تسيرُ في منحيَين: الأول ترويض الشعوب وتغيير عقليتها، خاصة مع السيطرة على سلاح الإعلام؛ والثاني الضغط على الأنظمة لتبقى ضمن الدور المرسوم لها.

وبدراسةِ نماذج من العقوبات الدولية التي طُبّقت على الدول، ومنها العراق على سبيل المثال، إبّان العقوبات الاقتصادية (الحصار الاقتصادي) الذي امتد نحو ثلاثة عشر سنة، نلاحظ أن النظام العراقي لم يسقط آنذاك، علمًا أن جميع الدول التزمت بهذه العقوبات، ولم يُسمح إلا بإدخال المواد الغذائية، وفق ما سمّي (برنامج النفط مقابل الغذاء) الذي كان نافذة أيضًا للمتنفذين، وأعتقد جازمًا أنه لولا التدخل العسكري الأميركي -بغض النظر عن شرعيته- لكان النظام ما زال قائمًا، ومن عانوا أضرار الحصار هم الفقراء والضعفاء والأطفال، وبشكل عام هم عموم الشعب العراقي، ماعدا الطبقة المتنفذة والطبقة الغنية.

وفِي سياق دراسة التأثير، تظهر مقدرة الأنظمة الدكتاتورية على الإفلات من العقوبات، أفرادًا وجماعات، وذلك بسبب النفوذ في السلطة والاحتيال والمرونة والقدرة على إعادة تغيير الأسماء التي تكون واجهة للأعمال وتسيير المعاملات المالية والتجارية، وفي منحًى آخر، تتضررُ المؤسسات المشمولة بالعقوبات، حيث تؤدي إلى عجزها عن القيام بوظائفها، وتؤدي إلى سوء الخدمات المقدمة، وهذا أيضًا يعود على الشعب، وليس على الطبقة الحاكمة أو أفرداها، لأنهم بطبيعة الحال يعيشون في عالم مختلف، في ظل عدم وجود مفهوم المساواة وسيادة القانون، وفي ظل انتشار الفساد وشبكات المصالح.

وهنا، لا بدّ من الحديث عن الوضع السوري، وعن العقوبات الأوروبية والأميركية على عدد كبير من أزلام النظام، من عسكريين ومدنيين وبعض مؤسسات الدولة المرتهنة، وخاصة مع قانون حماية المدنيين الأميركي الذي عُرف بـ “قانون قيصر”، والذي دخل حيّز التطبيق منذ 18 حزيران/ يونيو 2020، وهو يشمل أقوى العقوبات وأشدّها، من حيث قوة التأثير والقدرة على التطبيق وامتلاك الوسائل المؤثرة عالميًا لتطبيقه. وقد أقرّ الكونغرس الأميركي هذا القانون بالإجماع، وتقوم بتنفيذه وزارة الخزانة الأميركية، بالتنسيق مع وزارة الخارجية، بعد دراسة كلّ ملفّ على حدة، وقد تزامنت كتابة هذا المقال مع صدور الدفعة الثالثة من أسماء الشخصيات والكيانات السورية المعاقبة، وسيبدأ أيضًا تطبيق القانون على أسماء وشخصيات وكيانات غير سورية.

ومع تثميني لهذا القانون ولأهميته في الحدّ من قدرة النظام على الاستمرار في حربه ضد الشعب السوري وتمويل آلته التدميرية، ومنع إعادة الإعمار وإيقاف تطبيع العلاقات معه، إلا أن ذلك وحده لا يكفي، فما زال الدعم العسكري يأتي من حلفائه، ولم يرتدع، ولَم يتوقف عن قصف المدنيين، ولَم يُفرج عن المعتقلين، ولَم يغيّر سلوكه في سياسته الداخلية القمعية واللاإنسانية، بل إنه استغلّ العقوبات، وبخاصة قانون قيصر، ليضاعف المأساة على الشعب المسكين، وليحمّل القانونَ كلّ فشله وفساده وفساد قادته ورجال حكمه، وكأنّ كل ما يحصل ليس من نتاج الحرب المدمّرة التي انتهجها ضد شعبه ذي المطالب المشروعة!!

فلم تنقطع عن هذه العصابة أسبابُ العيش ولا الوقود ولا الكهرباء، بل احتكرها للتضييق على المواطنين، وللإمعان في إذلالهم وتركيعهم، بعد أن أمِن العقابَ بسبب الفيتو الروسي المتكرر في مجلس الأمن، والحصانة التي حالت دون محاسبته على استخدامه السلاح الكيمياوي، وارتكابه جرائم الحرب الموصوفة والجرائم ضد الإنسانية دون حسيب أو رقيب. وما زال هذا النظامُ يسرق المساعدات المقدّمة من المنظمات الإنسانية، وعلى رأسها التابعة للأمم المتحدة، ولمنظمتي الصليب الأحمر والهلال الأحمر الدوليين.

ستظلّ هذه الأنظمة العصبوية قادرةً على الإفلات من العقوبات ومن الحساب، ما لم تكن هناك آلية دولية تستند إلى الفصل السابع من مبادىء الأمم المتحدة، وهي استخدام القوة في تطبيق القرارات الدولية التي تضع حدًا للاستهتار بالمجتمع الدولي وحقوق الإنسان، وتقوم بتطبيقها بالإكراه، لتكون رادعًا للدكتاتوريات، وليس هذا صعب المنال، فالقضية السورية لا تحتاج إلى قرار جديد، ولا إلى الدخول بمماحكات ومساومات لإصداره، فهناك القرار 2254 الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي، أي بتوافق دولي وعدم اعتراض أي من الدول دائمة العضوية صاحبة حقّ النقض (الفيتو)، وهو قرار مُلزم لا يحتاج إلا إلى إرادة حقيقية للتطبيق، بدلًا من الانتظار حتى يُسحق الشعب السوري دون أن (يغيّر النظام سلوكه) حيث إن مثل هذه الأنظمة لا تتغير، بل تترسخ، ما لم يُجَرّ أفرداها للمحكمة الجنائية الدولية.

العقوبات وحدها لا تكفي، وسيستمر النظام وحلفاؤه في عملية الترويح لآثارها على الصعيد الإنساني، وفي استخدامها سياسيًا على الصعيد الخارجي والداخلي، لإظهاره “صامدًا” حتى تحقيق “نصر” خلبي ينهي أحلام التغيير حتى عند الموالين له.

من هنا، أدعو المجتمع الإنساني إلى الضغط على الدول والمجتمع الدولي، لحماية وصيانة السلام، ولحماية حقوق الشعب السوري في أن يعيش كباقي الشعوب في أمان، وإلى تكريس دور الأمم المتحدة كحالة عالية من التنظيم الدولي وكنتاج للتطور الإنساني، للوصول إلى عولمة القيم، القيم الإنسانية العالمية في المساواة والعيش الكريم.

الشعب السوري بعمومه فقد الثقة، وحفرت سنون الحرب بداخل كلّ فرد منه شعورًا مريرًا بالخذلان، وأصبحت الغالبية تعتقد بوجود المؤامرة الكونية التي كانت أول اتهام أطلقه رئيس سلطة العصابة الحاكمة ضد السلميين العزل، مع بداية الحراك المدني السلمي، لكن هذه المؤامرة هي ليست ضد هذه المنظومة، بل ضد حرية هذا الشعب وديمقراطيته التي ربما دفعت قوى الشر إلى التحالف ضده. يا شرفاء العالم اتحدوا لنصرة الإنسان في مهد الحضارة.. أنقذوا سورية.