في هذا العام، يكون قد مرّ 72 عامًا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948، بوصفه المستوى المشترك الذي ينبغي أن تصل إليه كلُّ الشعوب والأمم. هذا الحدث يتزامن سنويًا مع استمرار مأساة السوريات والسوريين، التي بدأت خيوطها الأولى منذ القضاء على أول تجربة ديمقراطية في سورية، بقيام الوحدة السورية المصرية عام 1958، ومن بعدها استيلاء عسكريي حزب البعث على السلطة ومقدرات سورية التي حوّلها حافظ الأسد إلى جمهورية للخوف، بعد استئثاره بكل شيء في سورية منذ العام 1970، إلى أن تحوّلت في عهد الوريث بشار الأسد إلى جمهورية للقتل والتعذيب والكيمياوي والتهجير والتجويع…

منذ أكثر من ستين عامًا، لم ينعم الشعب السوري بأبسط الحقوق والحرّيات التي نصّ عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعلى الرغم من أن الحكومات السورية المتعاقبة وقعت على هذا الإعلان، كما وقعت على 11 معاهدة واتفاقية دولية معنية بحقوق الإنسان، فإن الشعب السوري ظلّ يحلم بممارسة تلك الحقوق والحريات، كما تمارسها أغلب شعوب العالم، وعندما سنحت الفرصة أمامه للتعبير والمطالبة علنًا بحقوقه المنقوصة وحرّياته المسلوبة، من خلال الاحتجاج والتظاهر في آذار 2011، ردّت السلطة الحاكمة ردًا عنيفًا وقاتلًا، ولم يشهد التاريخ الحديث أن رئيسًا حاكمًا فعل بشعبه مثل ما فعل بشار الأسد بالشعب السوري، إذ لم يكتفِ بشار بالأسد بالتخويف وحسب، بل أعلنها صراحة: إما هو أو لا أحد، وإما هو أو يحرق البلد، وخطّ على بدلات جنوده عبارة “جنود الأسد”، قبل أن يُطلق يدهم لتقتل وتعتقل وتهجّر كلّ من يقول (لا) لبشار الأسد، وأعطى الأوامر لأجهزته الأمنية باعتقال كل من يُتشبه بمعارضته له، وترك لهم حرّية التعامل مع المعتقلين، فتفننوا في تعذيبهم بالطريقة التي تحلو لهم.

 لقد فاقت شهرة بشار الأسد كلّ ما عداه من الطغاة، بقسوة التعذيب حتى القتل في سجونه وأقبية مخابراته، حيث قضى عشرات الآلاف من المعتقلين نحبهم تحت التعذيب، وعشرات الآلاف ما زالوا محتجزين في زنازين المخابرات السورية، لا يعلم ذووهم مصيرهم. أيام من الجحيم يعيشها المعتقلون بين جدران الزنازين التي لو قُيض لها أن تروي ما يحدث بداخلها، لاقشعرت الأبدان من هول التعذيب والإذلال والمهانة التي يتعرض لها المعتقلون.

على مدى أربع سنوات ونيف، عايشتُ بنفسي يوميًا أوضاع المعتقلات والمعتقلين لحظة خروجهم من المعتقلات إلى نظارات المحاكم، وفي سجن عدرا وفي محكمة الإرهاب، وشاهدتُ بأم عيني آثار التعذيب على أجسادهم وعلى نفسياتهم، واستمعتُ منهم لبعض ما تعرّضوا، إذ تحدثوا عن تحمّلهم ظروف الاعتقال التي لا تتحملها الجبال، وعن رفاق لهم قضوا أمام أعينهم، من جراء التعذيب والجوع والبرد والمرض. ولن أنسى أبدًا كيف بدت أجساد المعتقلين هزيلة وأياديهم المكبلة وأقدامهم الحافية إلا من الدمامل والجروح التي تنزف قيحًا ودمًا، وتنبعث منهم روائح كريهة تشبه تلك المنبعثة من تفسخ الجثث، وكأنهم خرجوا لتوهم من القبور، بعض القضاة لم يستطيعوا تحمّل تلك الروائح، فأغلقوا مكاتبهم، وبعضهم ترك مكتبه وهرب خارج المحكمة، بينما اكتفى عناصر الشرطة وموظفو المحكمة بارتداء الكمامات لتخفيف أثر الرائحة المنبعثة من أجساد المعتقلين.

 فمن مات في تلك الزنازين، مات وأرتاح، ومنْ نجا منها لديه خيارات أخرى، يمكنه أن يلجأ إلى أحدها للتخفيف من معاناته، سواء بجهده أو بمساعدة الآخرين، لكن من يقبع في المعتقلات، فلا خيار أمامه إلا خيار العيش وحيدًا لاحول ولا قوة له في مواجهة سجّان لا يعرف رحمة ولا شفقة، سجّان لا يرى في التعذيب إلا وسيلة للتسلية وتمضية الوقت.

لا يمكن بأي حال من الأحوال تصوّر الوضع الإنساني والنفسي والجسدي المأساوي للمعتقلين المعرضين في كل ساعة ولحظة للموت المحقق، إلا من قيّضت له النجاة من جحيمها، وعلى مدى السنوات السابقة استمعت ورفاقي في هيئة الدفاع عن المعتقلين لمئات، إن لم أقل آلاف، القصص عن هول المأساة الرهيبة التي يعانيها المعتقلون في مراكز الاحتجاز الأسدية، حيث بات الموت أمنية حقيقية يتمناها كل معتقل، للخلاص من العذاب والتعذيب الذي يعيشه في كل لحظة طوال اليوم.

مأساة المعتقلين ومعاناتهم لم تَبق حبيسة الجدران داخل السجون والزنازين، بل انتقلت إلى أهالي المعتقلين، وارتسمَت بقسوة على جباه ووجوه كل عائلةٍ فقدت ولدًا أو زوجًا أو أمًّا أو بنتًا، في سجون الأسد والميليشيات المسلحة، عائلات تعيش حالة من القلق الدائم على مصير المعتقلين والخوف على حياتهم، فكم من أمّ وأب ماتوا قهرًا على أبنائهم؟ وكم من معتقل خرج حيًا من المعتقل ليجد أن أحد والديه قد مات قهرًا عليه.

 هذه هي حال السوريات والسوريين، في الذكرى الثانية والسبعين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وقعت عليه سورية، منهم من ينتظر الخلاص من جحيم الزنازين، بينما ينتظر البعض الآخر خبرًا يطمئنهم على حياة أقربائهم الذين يقبعون في تلك الزنازين، ومنهم من يلهث وراء لقمة الخبز التي بات الحصول حلمًا، وآخرون ما زالوا يبحثون عن مأوى لهم في خيمة أو كهف يقيهم برد الشتاء وحرّ الصيف، ليبقى الخوف القاسم المشترك بين السوريين، في داخل سورية وخارجها.

 أمّا دكتاتور سورية فإنه -كعادته- لا يبالي بحال الشعب السوري، ويستمر في إجرامه وسط دعم روسي وإيراني، مع صمت المجتمع الدولي وعجزه عن وقف هذه المأساة الرهيبة التي ما زالت تعصف بالشعب السوري منذ تسع سنوات.

فماذا بوسعنا أن نفعل تجاه مأساة شعبنا؟ وماذا نفعل للمعتقلين الذين يموتون في كل لحظة ألف مرة؟ ربما لا نستطيع فعل شيء للتخفيف من آلامهم، لكننا بالتأكيد نستطيع أن نصرخ بقوة، وأن نستمر في الصراخ في وجه المجتمع الدولي، فلربما يتحرّك لوضع حدّ لمأساة المعتقلين، ليس إيمانًا بحرّية الإنسان وحقوقه، بل كي يتخلص من سماع صراخنا الذي سيزعجه بالتأكيد.

 إنّ صمتنا يضاعف مأساة معتقلينا، فلنعمل ما بوسعنا، لنوحّد جهودنا ونستغل انتشارنا في دول العالم، ونصرخ بأعلى أصواتنا، ونستمر في الصراخ، ما دام هناك معتقل واحد، سواء في سجون وزنازين الأسد أو في سجون الميليشيات المسلحة أيًا كان موقعها.