أساءت سلطة الانتداب الفرنسي إلى السوريين أيّما إساءة، عندما تلاعبت بمكوناتهم الاثنية والدينية والطائفية والاجتماعية، من خلال تقريب بعضها إليها، عبر رشوتها بامتيازات اقتصادية أو منحها شيئًا من النفوذ والتسلط على مكونات أخرى، وسعيها الدؤوب لزرع الضغائن والأحقاء والفتن فيما بينها، ومع المكوّن الأكبر “العَربيّ- السُنّيّ”، بصورة خاصة.

كذلك، أساءت الحكومات “الوطنية” المتعاقبة بعد الاستقلال إلى المكونات الثقافية ذاتها، من خلال ممارستها لسياسات تميّزت بالإقصاء أو التهميش أحيانًا، أو سياسات غلبت عليها نزعة الاحتواء والإلحاق في غالب الأحيان. “إن من أقسى الإكراهات الثقافية أن تُلزِمَ أكثرية مهيمنة أفرادًا وجماعات مختلفين، بتعلّم ثقافتها، وقسرهم على تبنّيها: تاريخها، وقصصها، وشعرها، وفنها.. أن ُتلزمهم بإطلاق أسماء على أولادهم لا معنى لها، بالنسبة إليهم، أن تجعلهم يحتفلون بأعيادها، ويُحيون طقوسها، ويتبعون عاداتها… في مقابل منعهم أو التضييق على ممارساتهم لطقوسهم هم، في الأفراح والأحزان وأية مناسبات أخرى.. أن تُستبدل هويتهم”.

ماذا لو قُيضَ للثورةِ التي انطلقت في بداية ربيع عام 2011 أن تحقق أول أهدافها، وأعني تغيير النظام السياسي القائم؟ كيف؟ ومتى لا أعلم، ولكن ذلك آتٍ. يمكن لسورية عندئذٍ أن تدخل حقبةً سياسية جديدة، يتمكنُ السوريون فيها من إحداث قطعٍ مع العهود السابقة، بما فيها من مظالم لحقت بجميع السوريين، من خلال توفير بيئة سياسية تُيسر إعلان قيام الدولة السورية ذات الطابع الديمقراطي البرلماني، والبدء في وضع أساسات بناء الثقة بين المكونات الثقافية المتنوعة، استنادًا إلى عقد اجتماعي مختلف، يسمح بوضع حدٍ لحالة التوتر بين تلك المكونات التي بلغت أوجها هذه الأيام، وذلك من خلال تبني الدولة الوطنية لمبادئ المواطنة المتساوية المُحصَّنة بدستورٍ يفتح آفاقًا جديدة لوطن حرّ وعادل.

تُعدُّ “المواطنة المتساوية في مجتمع متعدد الثقافات” من المفاهيم الحقوقية، والسياسية-الاجتماعية المُركبة، فهو مفهوم يضمّ: المواطنة، والثقافة، والتعددية الثقافية، والمواطنة في مجتمع يضمّ ثقافات فرعية إلى جانب ثقافة وطنية عامة وجامعة. وتعني المواطنة متعددة الثقافات أو “المواطنة في مجتمعات متعددة الثقافات” الاعترافَ بالتميّز الثقافي وقبوله واحترامه في إطار الثقافة الوطنية، ما يعني حقّ الجماعات الفرعية في الاحتفاظ بهويتها الثقافية الخاصة؛ فمن حقّ كل جماعة فرعية الشعورُ بالانتماء إلى مجموعة معينة: الجنسية، والعرق، والجنس، والعمر، والمهنة، حتى لا يتم احتواؤها ودمجها قسرًا في الثقافة العامة الرسمية السائدة في المجتمع، بشرط ألا يترتب على ذلك عدم المشاركة الإيجابية والفاعلة في مختلف أنشطة الحياة، والالتزام التامّ بالقوانين والقواعد الأساسية المنظمة للحياة العامة في الدولة.

وهنا تجدد التربية التزامها، إلى جانب نظم اجتماعية أخرى، بالمساهمة في ترسيخ مفهوم المواطنة متعددة الثقافات، والتربية عليه في سياقات التربية النظامية/ المدرسية، وكذلك في إطار التربية غير النظامية. مع الانتباه إلى أن التربية هي نظام ثقافي-اجتماعي غيرُ مستقلٍ عن المنظومات المجتمعية الأخرى، بل يدخل معها في علاقة جدلية، تأثيرًا وتأثرًا.

ولكي تتمكن التربية من التأثير في المجتمع، وإحداث فروق جوهرية في الناشئة، فهي بحاجة إلى بيئة سياسية واجتماعية-ثقافية ملائمة، تمكّنها من أداء وظيفتها المنوطة بها. فالتربية -على سبيل المثال- تستمد معظم مدخلاتها: سياستها، وغاياتها وأهدافها وكذلك تمويلها ونُظم إدارتها… إلخ، من المجتمع، ثم تطرح مُخرجاتها: وهم الطلبة وقد تمّت عملية إعدادهم وتأهيلهم، من خلال ما اكتسبوا من معارف وقيم ومهارات تُمكنهم من العيش والعمل وتحقيق الذات.

إن توفير السياقات السابقة يستلزم وجود الدولة الوطنية، بأجهزتها التشريعية والقضائية والتنفيذية، فضلًا عن مواردها البشرية والمادية المالية، دولة تتبنى رؤية سياسية-ثقافية عامة، تكون مُيسرة لازدهار الثقافة العامة للمجتمع، فضلًا عن الثقافات الفرعية، والتأكيد على المشاركة والمساواة أمام القانون، وارتباط المواطنة بالديمقراطية. فالديمقراطية هي الحاضنة الأولى لمبدأ المواطنة، والضامن لتمتع المواطنين بكل الحقوق السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

فما هي التربية على المواطنة متعددة الثقافات؟ إنها العملية التي تهدف إلى إكساب المتعلمين الوعي والمعرفة بمضامين المواطنة متعددة الثقافات، وغرس القيم والاتجاهات الإيجابية نحو العيش المشترك والتعاون والشراكة، وقبول الرأي المختلف، فضلًا عن تمكينهم من مهارات ممارسة المواطنة في مواقف الحياة المختلفة: التشريع والإدارة والممارسة اليومية والمشاركة في أنشطة الحياة المختلفة على كل المستويات، لحل المشكلات، والتعامل مع التحديات التي تعوق الممارسة الناضجة لحقوق المواطنة وواجبتها.

يمكن لأهداف التربية على المواطنة متعددة الثقافات أن تغتني بالعديد من القيم والمهارات والقدرات التي يجود بها الذكاء الثقافي[1] أذكر منها، على سبيل المثال: القدرة على التخطيط والمراقبة، ومراجعة النماذج العقلية للمعايير الثقافية لأبناء الثقافات الفرعية، ومعرفة الممارسات والمعايير والمتشابهات والاختلافات في بيئات ثقافية مغايرة، فضلًا عن القدرة على توجيه الانتباه والطاقة نحو التعلم والفاعلية في المواقف التي تتسم بالفروق الثقافية، واكتساب مهارات استخدام الإجراءات اللفظية وغير اللفظية المناسبة. فضلًا عن الانفتاح على فهم الثقافات الأخرى والحصول على معلومات عنها، والتفاعل المستمر معها، وإجراء تعديل تدريجي على البنية المعرفية، وتكييف العمليات المعرفية، وتعديل السلوك ليكون أكثر ملاءمة للتفاعل مع الثقافة الأخرى.

إذن، هي تربية منفتحة على جميع ثقافات المجتمع، والمجتمعات الأخرى، غير متعصبة بل مكتفية بمحتواها المُحمَّل بقيم حقوق الانسان، والواجبات المترتبة على الأفراد في المجتمع. ويستدعي هذا النوع من التربية إعدادًا مُتمكنًا للمعلّمين، وكذلك إعداد مناهج تربوية حاملة لمضامين هذا المجال التربوي، تُقدّم للطلبة وفق مداخل مناسبة لمستوياتهم العمرية وقدراتهم العقلية، أذكر منها: مدخل التخصصات المتداخلة، حيث تُقدم المادة التعليمية عبر كتاب يحمل عنوان “التربية على المواطنة متعددة الثقافات”، له حصته من ساعات التعليم وله مدرّس متخصص، أو من خلال مدخل الموضوعات المتعددة، عبر تشريب مفاهيم المادة التعليمية في موضوعات عدد من المناهج، كاللغات والجغرافية وعلم الاجتماع… إلخ. وأخيرًا، يمكن لتعليم اللغات أن يكون مدخلًا مناسبًا لتعليم المواطنة متعددة الثقافات، وهو اتجاه مستخدم في عدد من النظم التعليمية العالمية.


[1]  يعبر الذكاء الثقافي عن قدرة الفرد على جعل نفسه مفهومًا أمام الآخرين، عن طريق إيجاد تعامل مثمر في الحالات التي تمتاز بالاختلاف الثقافي. انظر:

Livermore, David: :2013 , Cultural Intelligence Center, LLC East Lansing, Michigan. Published by Cultural Intelligence Center.