انتهت الجولة الخامسة “للمهزلة” الدستورية في جنيف، لتؤكد المؤكد أن اختيار روسيا للمسار الدستوري، كمنطلق للعملية السياسية في سورية، لم يكن اختيارًا عبثيًا، بل كانت روسيا تهدف من ورائه ليس إلى منع قيام أي عملية انتقالية في سورية وحسب، بل حتى الحديث عنها بأي شكل من الأشكال، تلك العملية التي نصّ عليها بيان جنيف، وشدد على تنفيذها القرار 2254 الذي نصّ في فقرته الأولى على التنفيذ الكامل لبيان جنيف، كأساس لانتقال سياسي بقيادة سورية، ولا بأس هنا من التذكير بما نصّ عليه بيان جنيف الذي حدد بوضوح الخطوات الواجب اتباعها، ابتداءً ببناء الثقة عبر وقف إطلاق النار وإطلاق سراح المعتقلين ورفع الحصار وحرية التنقل والتظاهر السلمي والسماح للمنظمات الدولية بالوصول إلى كل المناطق، وتأكيده ثانيًا أن أي تسوية سياسية يجب أن تُقدِّم عملية انتقالية للشعب السوري، وإقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تُهيّئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية، وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية. وعلى أساس ذلك، يمكن أن يعاد النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية، وأن تُعرض نتائج الصياغة الدستورية على الاستفتاء العام، تليها انتخابات برلمانية وتشريعية.

كان اتجاه السياسية الروسية في سورية واضحًا، منذ مسار آستانا، كانت تتجه إلى الإبقاء على نظام الأسد، وهي التي لم تخفِ ذلك قطّ، إذ فتحت شعار “مناطق خفض التصعيد”، واستطاعت روسيا بالتعاون مع تركيا تجريد الفصائل المسلحة من معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها، وحشرتها في مناطق شمال سورية تحت النفوذ التركي، وبالتوازي مع ذلك، استطاعت روسيا أيضًا تحجيم دور الأمم المتحدة وتجييره في معظم الأوقات لحسابها. ولكي تقطف ثمار انتصاراتها العسكرية، عقدت مؤتمر سوتشي، وأطلقت عليه “مؤتمر الحوار الوطني السوري”، وأعلنت روسيا في نهايته -بالتنسيق مع السيد ديمستورا المبعوث الأممي السابق لسورية- إنشاء “لجنة دستورية” تضم في عضويتها ممثلين عن نظام الأسد والمعارضة والمجتمع المدني، وانطلق ديمستورا إلى جنيف للعمل على تشكيل اللجنة، بوصفها مدخلًا أساسيًا للحل في سورية. وهكذا، استُبعد تطبيق القرارات الدولية، ولا سيما بيان جنيف والقرار 2254، لتحلّ محله اللجنة الدستورية.   

ولم تكن روسيا لتنجح في فرض مناقشة المسار الدستوري، لولا تهافت المعارضات السورية وبعض العناصر المحسوبة على المجتمع المدني، على القبول بالمقترح الروسي والسير به، بالرغم من كل التحذيرات من خطورة القبول بهذا الفخ الذي نصبته روسيا للسوريين المعارضين لنظام الأسد.

 إن قبول المعارضات السورية والمجتمع المدني الانخراط في اللعبة الروسية، كمدخل وحيد للحل السياسي في سورية، لم يشكل تجاوزًا لما نصت عليه القرارات الأممية وحسب، بل ساعد روسيا التي أجرمت بحق الشعب السوري في دفن بيان جنيف والقرار 2254، وفي رفع الحرج عن كاهل المجتمع الدولي الذي كان قبل قبول المعارضة بالعملية الدستورية ملزمًا -نظريًا وأدبيًا- بمتابعة تطبيق قراراته وفرض احترامها. أما بعد أن قبلت المعارضات السورية بالمقترح الروسي، فلن يكون المجتمع الدولي حريصًا على تطبيقها، ما دام أصحاب القضية أنفسهم غير مهتمين بتطبيق القرارات الدولية.

وإن القبول بمناقشة اللجنة الدستورية سيعني أن لن يكون هناك أي عملية انتقال سياسي ولا هيئة حكم انتقالي، ولا محاسبة لمن ارتكب جرائم بحق الشعب السوري. وسيعني القبول بالمنتج الروسي الذي سيخرج عن اللجنة الدستورية، هذا المنتج الذي سيشرف على تطبيقه نظام الأسد، وسيعني أيضًا مساعدة روسيا في تعويم الأسد، ومنحه الشرعية الشعبية والدولية مجددًا لقيادة كامل العملية السياسية في سورية وبشروطه وحده، وسيعني أخيرًا تقديم الأعذار والمبررات للمجتمع الدولي، كي يتهرب من مسؤولياته تجاه مأساة الشعب السوري، وترك السوريين لمصيرهم تحت رحمة نظام الأسد من جديد، لأن الذين ادّعوا تمثيل الشعب السوري قبلوا بالرؤية الروسية، خلافًا لما نصّت عليه القرارات الدولية.

سنة وثلاثة أشهر مضت على بدء اجتماعات اللجنة الدستورية، لم يستطع فيها المشاركون صياغة بند دستوري واحد، كل ما جرى حتى الآن كان عبارة عن مهاترات وخطابات لا طعم لها ولا لون، وكلٌّ يغني على ليلاه في هذه المهزلة الدستورية المستمرة، في الوقت الذي تتفاقم فيه مأساة السوريات والسوريين تعذيبًا في المعتقلات، وجوعًا وبردًا في مخيمات اللجوء.

في ختام الجلسة الخامسة التي انتهت منذ أيام، عبّر أحد المشاركين في وفد المعارضة: المحامي طارق الكردي، عن خيبة أمل كبيرة، واصفًا الاجتماعات بأنها “مائعة وطائرة في الهواء”، وأعلن أنه لم يعد لديهم أملٌ بوفد الأسد إلى اللجنة الدستورية، وختم حديثه قائلًا: “نطلب من السيد بيدرسون والأمم المتحدة أن يعلنوا للعالم ويبلغوا مجلس الأمن ويحددوا الطرف المسؤول عن عرقلة اللجنة الدستورية، بل عن عرقلة العملية السياسة بشكل كامل في سورية”، وحمّل نظام الأسد مسؤولية عرقلة عمل اللجنة الدستورية.

ليسامحني الصديق طارق الكردي، فالحق ليس على نظام الأسد، بل الحق كل الحق على من وافق بداية على الطرح الروسي، وقَبِلَ أن يكون عضوًا في هذه اللجنة الدستورية، فمجرد الاشتراك بهذه اللجنة يعني القبول بالرؤية الروسية وتعويم الأسد مجددًا. نعم الحق كل الحق على من كان يأمل بنظام الأسد، بعد كل الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب السوري والتي لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلًا!

ليس أمام السوريات والسوريين، إلا إعادة تنظيم أنفسهم من جديد، وتوحيد جهودهم في البحث عن طرق وأساليب جديدة، يستطيعون بها الضغط من أجل تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بسورية، وفي مقدمها بيان جنيف والقرار 2254، وفقًا للترتيب الذي نصت عليه، كأساس لحل المأساة السورية والخلاص من هذا النظام المجرم إلى الأبد.

وأخيرًا، نناشدُ من تصدّر المشهد المعارض، طوال الفترة السابقة، أن يتنحوا جانبًا، وأن يُخلوا أماكنهم لمن يستطيع فعلًا أن يدافع حقوق السوريات والسوريين.