تُنشَأ المحاكم الاستثنائية، غالبًا، للحفاظ على أنظمة الحكم الاستبدادية، ويكون ذلك تحت ذرائع مختلفة، منها حفظ “أمن الدولة” أو “مكافحة الإرهاب”. وتختصّ هذه المحاكم في النظر بجرائم من نوع معيّن أو/ وبمحاكمة أشخاص منتمين إلى شريحة معينة، غالبًا ما يكونون من المعارضين للنظام الحاكم أو/ ولأيديولوجيته السياسية. تتبع في الغالب هذه المحاكم الاستثنائية للسلطة التنفيذية ممثلةً برئيس الجمهورية، أو بكل من وزير الداخلية أو وزير الدفاع، ولا تتقيد بإجراءات التقاضي المتبعة أمام القضاء العادي ولا بشروط المحاكمة العادلة، ولا سيّما مبدأ استقلالية وحيادية القضاة، وتعدد درجات الطعن، وحقوق الدفاع، وعلنية الجلسات، وعدم الأخذ بالاعترافات المنتزعة تحت التعذيب.

شكّل النظام السوري، منذ بداية حكمه في مطلع الستينيات من القرن الماضي، مجموعة من المحاكم الاستثنائية، ولا سيّما “محكمة أمن الدولة العليا”، الملغاة عام 2011، التي حلّت مكان المحكمة العسكرية الاستثنائية، واختصّت بالنظر بجميع القضايا التي يُحيلها إليها الحاكم العرفي. وقد انبثقت محكمة أمن الدولة العليا من حالة الطوارئ في البلاد، وذلك بمقتضى المرسوم التشريعي رقم 47 لعام 1968، الذي ينصّ -في مادته الأولى- على أنّ إحداث المحكمة يتم “بأمر من الحاكم العرفي”. أصدرت هذه المحكمة آلاف الأحكام الجائرة بحق معارضين سياسيين وناشطين في المجتمع المدني السوريين، في ظلّ محاكمات جائرة تفتقر إلى أدنى معايير المحاكمة العادلة، ومن ذلك تعدد درجات الطعن، حيث إنّ أحكامها تصدر قطعية غير قابلة للطعن، ولا تحتاج إلا إلى تصديق بقرار من رئيس الدولة، وذلك بمقتضى المادة 8 من هذا المرسوم. وقد استُحدثت، بموجب المرسوم التشريعي رقم 46 لعام 1977، محاكم الأمن الاقتصادي التي استمرت في العمل حتى تاريخ إلغائها، بموجب المرسوم التشريعي رقم 16 لعام 2004. طبّقت محاكم الأمن الاقتصادي هذه مواد فضفاضة من قانون العقوبات الاقتصادي، كالمادة 13 التي تخضع “مقاومة النظام الاشتراكي” لعقوبة السجن لمدة قد تصل إلى 15 عامًا.

وبعد إلغاء محكمة أمن الدولة العليا في العام 2011، نتيجة الحراك الشعبي الذي رفعَ هذا المطلب، إضافة إلى إلغاء حالة الطوارئ المطبّقة منذ عقود في سورية، استصدرَ النظام السوري مجموعة من المراسيم التشريعية ذات الصلة بـ “قضايا الإرهاب”. فقد مهّد المرسوم التشريعي رقم 19 لعام 2012 الخاص “بمكافحة الإرهاب” لإحداث محكمة استثنائية مختصة بالنظر في “قضايا الإرهاب” وقد أنشئت بموجب القانون رقم 22 لعام 2012. وعلى الرغم من إمكانية الطعن بأحكامها، أمام دائرة خاصة تُشكل بمرسوم في محكمة النقض (المادة الخامسة من المرسوم رقم 22)، فإنّ محكمة “قضايا الإرهاب” تتمتع باختصاصات محكمة أمن الدولة الملغاة نفسها، ولتكون بذلك الذراع الجديدة للأجهزة الأمنية في قمع معارضي النظام السوري.  

تتشكل محكمة “قضايا الإرهاب”، بحسب المادة الثانية من القانون رقم 22 المنشئ لها، من ثلاثة قضاة، أحدهم عسكري، يعيّنهم رئيس الجمهورية. وتُطبّق هذه المحكمة قانون “مكافحة الإرهاب” المُشار إليه أعلاه، وهو يحوي مواد فضفاضة تجرّم حتى ممارسي حقوقهم المشروعة في التعبير عن الرأي، كما في المادة الثامنة التي تنصّ على معاقبة “من قام بتوزيع المطبوعات أو المعلومات المخزنة، مهما كان شكلها، بقصد الترويج لوسائل الإرهاب أو الأعمال الإرهابية”. أصدرت محكمة “قضايا الإرهاب” آلاف الأحكام، ومنها أحكام بالإعدام، مستندة إلى تهم ملفقة واعترافات تمّ انتزاعها تحت التعذيب، وحكمت على أشخاص شاركوا في عمليات الإغاثة الإنسانية أو توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، أو على كتّاب معارضين، أمثال الراحل ميشيل كيلو.

أمّا محكمة الميدان العسكرية، المنشأة بموجب المرسوم التشريعي رقم 109 لعام 1968، فهي الأكثر فظاعةً وانتهاكًا لمبادئ المحاكمة العادلة، والأكثر قمعًا وقتلًا للسوريين، باسم القانون. وتستمر هذه المحكمة في العمل حتى يومنا هذا، في ظلّ غموض يكتنف جلساتها ومصير الآلاف من الأشخاص المحكومين من طرفها. ينصّ مرسوم إنشائها في مادته الثالثة على أنّ تُشكل بقرار من السلطة التنفيذية ممثلة بوزير الدفاع، وأن تؤلف من ثلاثة ضباط دون اشتراط حيازتهم على شهادة في الحقوق، وتضيف المادة الرابعة أن يسمي وزير الدفاع قاضيًا أو أكثر ليقوم بوظائف النيابة العامة فيها. وتنصّ المادة الرابعة صراحة على أنّه يجوز للمحكمة “ألا تتقيد بالأصول والإجراءات المنصوص عليها في التشريعات النافذة”.  

وفي 15 كانون الثاني/ يناير من العام 1969، جرى أول تعديل لنظام محكمة الميدان العسكرية، بموجب المرسوم التشريعي رقم 12، الذي أجازَ صراحة للنيابة العامة فيها بألا تتقيد بالأصول والإجراءات المنصوص عليها بالتشريعات النافذة. أما المرسوم التشريعي رقم 32 الصادر في الأول من تموز/ يوليو 1980، فقد أجرى تعديلًا جديدًا على اختصاصها، وأضاف إليه صلاحية النظر بالجرائم المرتكبة “عند وقوع اضطرابات داخلية”، مما منحها اختصاص محاكمة أشخاص أثناء أحداث الثمانينيات، ولاحقًا عقب الحراك الشعبي لعام 2011، هذا بعد أنّ كان اختصاصها محصورًا بالنظر بالجرائم المرتكبة أمام العدو أو زمن الحرب وخلال العمليات الحربية. لا تخضع الأحكام الصادرة عن هذه المحكمة للطعن، فهي تصدر قطعية، ويتم تصديق قرارت الإعدام الصادرة عنها من طرف رئيس الدولة وبقية الأحكام من طرف وزير الدفاع، وذلك بحسب المادة 8 من المرسوم المنشئ لها.

يُعَدّ حظر إنشاء محاكم استثنائية أمرًا أساسيًا، لإفراز وجه تشريعي جديد في مستقبل سورية، ولا بدّ في إطار ذلك من تجنب إعطاء أيّ قيمة أو إمكانية دستورية لإنشاء مثل هذه المحاكم، من ناحية، ومن إدراج بنود دستورية صريحة تحظر إحداثها، من ناحية أخرى. ويجب أن ينصّ الدستور السوري المقبل والقوانين الأخرى على ضمانات مرتبطة بشروط المحاكمة العادلة، ومن بينها إلزام الدولة بأن تكفل قرينة البراءة، وأن تكون جلسات المحاكمة علنّية، وأن تحظر تدخل السلطة التنفيذية في عمل الجهاز القضائي، وفضلًا عن ذلك، لا بدّ -في إطار تطبيق أركان العدالة الانتقالية- من فتح ملفات المحاكمات التي جرت أمام هذه المحاكم الاستثنائية، ليصار إلى الكشف عن مصير المفقودين، وإطلاق سراح المعتقلين، وتعويض الضحايا أو ذويهم، ماديًا ومعنويًا.