منذ قرون مضت، تطوّر مفهوم المجتمع المدني تطورًا مطّردًا، بحسب المتغيرات الاجتماعية والمكانية والزمانية للشعوب، ليُنتج خاصية اجتماعية تقوم على بناء الإنسان، بوصفه فردًا محوريًا وأساسيًا في التكوين الاجتماعي، وإحداث قطيعة ما بين الفكر المجتمعي السائد في العصور الوسطى والعصور الحديثة، تمثّلت في انتقاله من حالة (الدولة المجتمع) إلى حالة (المجتمع الدولة)، بثورته الصناعية التي لازمتها مفهومات فكرية قطعية بين السائد واستشراف المستقبل، تمثّلت في عقد “روسو” الاجتماعي، وموت الإله “النيتشوي”، وولادة الإنسان المتفوّق، والنقد “الهيجلي” للعقل، وغيرها من مرتكزات مرجعية فلسفية، أسّست له نظريًا لتكون جوهر مفهومه، كصناعة جمعوية مدنيّة أدّت إلى خلق المجتمع المدني، ببُعديه الأيديولوجي والتنموي، الذي تعدّى صداها الواسع أماكن قيامه وجملة الشروط التاريخية لنشوئه، ليصل إلى دول العالم والنخب الطامحة ببناء دول حداثية.

وقد أخذت فكرة المجتمع المدني منذ السبعينيات تشقّ طريقها إلى الدول العربية التي لا يمكن فصلها بالمطلق عن التحوّلات العميقة وتطوّر مفهوم الدولة الحديثة والنظام الدولي، وتأثيرات العولمة الاقتصادية الرأسمالية وثورة الاتصالات ونظم المعلومات، وانهيار القطبية الثنائية المتشكلة بعد الحرب العالمية الثانية في المستوى العالمي، إضافة إلى حاجة المجتمعات العربية إلى وجود دولة المؤسسات الديمقراطية (برلمان، قضاء مستقل، أحزاب، نقابات..) وحاجتها إلى إنتاج نمط رقابي شعبي على سلطة الدولة، وحصر دور الدولة في تهيئة بيئة قانونية وبنية تحتية ملائمة لنموّه، بوصفه واقيًا وحاميًا للفرد من تدخلات الدولة وتجاوزاتها.

إلا أن استحضار المفهوم لم يرافقه بناء التصورات اللازمة لكيفية قيامه، في مجتمعاتٍ تعاني أزمات متشابكة ببعدها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وانعكاسها على البُنى الاجتماعية التقليدية المفككة دينيًا وطائفيًا وعرقيًا وعشائريًا.. لا يمكن فيها تحديد العلاقة بين الدولة والمجتمع، في غياب البنية القانونية على أساس المواطنة، بحيث يصبح المجتمع المدني غارقًا في الانقسامات، بدلًا من أن يصححها، كالتجربة اللبنانية.  

وكانت إحدى الإشكالات قائمة على اختزال مفهوم المجتمع المدني وتضييق حدوده، بحيث يصير معادلًا لمنظمات المجتمع المدني، وجعله بكلّيته ملخصًا ومبنيًا على ما يسمّى المنظمات غير الحكومية (NGOS) التي ترتكز بجزئها الأكبر على ما انتهى إليه المفهوم في الغرب، حرفيًا، في آخر صيغةٍ له، وهي إنشاء الجمعيات غير الحكومية.

الثورات بوصفها فرصة

شكّل “الربيع العربي” موجة واسعة من إعادة الدعوات لبناء المجتمع المدني كضرورة، وذلك لما تضمّنه من معاني الانتفاضة على دول ما بعد الاستقلال التي لم تستطع اجتياز عتبة الجملة المتشابكة من الأزمات على كل الصعد بصورة جيدة ومُرضية، وفشل الأيديولوجيات القومية والدينية والاشتراكية العابرة للحدود التي لم تنجح في توليد مناخ تغييري، ولم تُفلح في إيجاد عقد اجتماعي صحيح يوحّد فئات المجتمع داخل البلد الواحد.

الامتياز الذي مهّدت له فكرة الثورات العربية، في عدّ الشعب فاعلًا سياسيًا شرعيًا في دول الربيع، على الرغم من تباين التجارب بينها، لم يُثمر كفرصة لتأهيل المجتمعات على أساس مدني، بل كان إثمارًا للخيبات في صياغة نظرية بديلة عما هو قائم أصلًا، والخروج منه إلى ترسيخ جملة من الاستثناءات القادرة على التغلب على مُعضلات التجارب التاريخية السابقة والصياغات النظرية، وكسر الدائرة المفرغة من المؤسسات السياسية القائمة بوجهها العسكري أو الديني، وإعادة التأسيس الحقيقي للجمهوريات على أساس مدني فاعل ومتكامل. لتبرز هذه الإشكالية في أوسع أشكالها في سورية التي انتقلت من الثورة للحرب.

مثّلت الحالة سورية، مع تحوّلها للحرب بأبعادها المختلفة والمختلطة بين التدخل الخارجي للدول والخلل الداخلي المتجلّي في الانقسامات السورية، مجتمعية وسياسية، زخمًا في طرح المجتمع المدني، كضرورة لها أهميتها في إعادة ترتيب الواقع السوري، والتخلص من ميراث الهيمنة والاستبداد الذي أنكر التعددية خارج حدود مصالحه، عبر تدميره المساحة بين الناس التي تسمح لهم بالانتماء إلى بعضهم بطرق بنّاءة، هذا ما بدا واضحًا في انكسارات الحرب وما رافقها من تعويم لفكرة التشظّي الديني والطائفي والقومي؛ حيث إن استعادة الشرعية للمجتمع تستدعي تأسيسًا لبدايات جديدة، لا تقتصر حدودها على معالجة ميراث طويل من العزل والخضوع لأجهزة الدولة القمعية، بل تمتدّ نحو معالجة المراحل الطويلة التي ترسّخت فيها البُنى المجتمعية التقليدية، ونظام العصبيات الكامنة كتنظيمات جماهيرية تضمّ إليها أفرادًا مُبعثرين ومعزولين، مُكّنت بفعل الاستبداد وتغييبه أهمّ أركان المجتمع المدني “المواطنة”، لصالح تحويل الشعب إلى رعايا تسهل السيطرة عليهم، وتتمتن من خلالهم حدود الانصياع الاجتماعي.

إلا أن مفهوم البدايات الجديدة لإيجاد مجتمع مدني بحوامله الفكرية والعملية، التي لم تكن موجودة سابقًا سوى ضمن هياكل النُخب وتأسيسها القديم لبعض المنظمات في فترة “ربيع دمشق”، لم تكن تسمح بإمكانية تحقيقه والتأصيل له؛ فالإشكالات والتحديات المختلفة على كل الصعد التي واجهت قيامه سابقًا كانت مستمرة، بطريقة أو بأخرى، وغياب الإطار المرجعي على مستوى الفكر والممارسة وحدود تطبيق المفهوم وتفعيله، بقي رهينة استحضاره بوصفه “تجربة” ناجحة، بدل العمل على تطويره بوصفه “خبرة” مرتبطة بالنسيج المجتمعي، حيث غالبية المجتمع رهينة للعزلة والاقصاء، وراضخة للدعايات الأيديولوجية ومتماهية معها، في رؤية التعددية فتنة، والمجتمع المدني غزوًا ثقافيًا، وهذا كله لا يمكن التخلص منه بسهولة لصياغة أسس ومعايير لمجتمع مدني متكامل وإرساء قواعده الفاعلة. والامتياز الذي مهّدت له الثورة في سورية، بأن للشعب كلمته، لم يستمرّ أكثر من أشهر قليلة، قبل التحولات التي ضيّعت مفهوم الشعب أولًا، وحوّلت الحراك إلى مقتلة تعمّق حدود التشظّي، وتشلّ أي قدرة على الفعل لاحتواء الانقسامات الاجتماعية وتشكيل منطقة عازلة بين الدولة والمجتمع.

الحرب كزمن للخسارات

لقد كان الحراك السوري، بمستوياته العامة، بعيدًا من توفير نقطة انطلاق لتحديد الانتقال من القمع الاستبدادي للنظام إلى التحرّر والتمثيل والعدالة الاجتماعية، فهناك قطاعات من السوريين استمرت في خدمة النظام والمشاركة في مؤسسات الهيمنة التابعة له، وأخرى لم تستطع الوقوف في وجه الأجهزة القهرية للدولة والقمع والفساد، ولم تأخذ دورها في تبنّي المطالب بالمساءلة لكل الأطراف، ولكل البُنى المترسّخة التقليدية ببُنيتها القهرية والهيمنة القديمة والمستمرة، كمعوقات لنضج التحول نحو الحالة الإنسانية وإحياء العقل، لبناء المجتمع المدني حتى بصورته المُختزلة والجزئية، كـ “منظمات مدنية” تكاثرت في الحرب وتطبّعت فيها، بشكل أو بآخر، حاملة مشكلات المجتمع السوري بكامل أبعادها الأيديولوجية (الفئوية والطائفية والسلطوية..) وأزماتها المختلفة على مستوى استخدامها السياسي وارتباطها الخارجي وتبعيتها للتحول إلى قاعدة للساسة والنخب، وانحصر مجالها التنموي في دورها بالإغاثة وتأمين السلامة بحدودها الدنيا وغيرها من متطلبات آنية.

لم تكن هذه المنظمات سوى ابنة لمجتمعات الحرب التي تغيب فيها الشروط الصحيحة المُمهّدة لبناء شبكة اتحادات طوعية التكوين مستقلة عن الدولة والجماعات الأولية، بل إنها حملت جذور عصبياتها أو تضامناتها الطبيعية المتعددة (دينية، مذهبية، إثنية، أو حزبية) لتشكل واحدة من خسارات بداية الفعل على تكوين التراكمات وبناء التجربة الصحيحة في إطار التنوع المجتمعي والسير بها باتجاه مختلف.

مواجهة المشكلات

في الواقع السوري وتعقيداته، طوال مدّة الحرب فيه، لا يمكن الرهان على الحلول السياسية، سواء أكانت بأيدٍ سورية أم بأيدٍ دولية؛ فالشعب الجائع لن يدخل مخاضات ولادة جديدة تفتح آفاقًا مستقبلية في استكشاف الأصول المشروعة للسيطرة السياسية عليه، في حال تبدَّل النظام أو استمرّ. والوعود بالتمثيل “العام لجميع المواطنين” وبالمساءلة، وإن أُنجزا بالفعل، لن تكون لهما فائدة إلا للجهات الإدارية والمهنية. وقد تعاد فيهما الحلقة المفرغة في تحقيق المجتمع المدني، وكذلك إن التعويل على القانون “فقط” لن يُقدّم فائدة كبيرة، فعلى المستوى الشعبي سيبقى القانون مرهونًا بعدم الصدام مع كل ما يَمتّ إلى التشريعات الدينية-الطائفية بِصلة، وهذا يتعارض ويمنع قيام مجتمع مدني وقوانين مدنية لتكريس حقوق المواطنة، وحقوق المشاركة في الشؤون العامة.

بالنتيجة؛ قد تكون مواجهة مشكلة البدايات هي المنطلق لتكوين الفعل المؤسّسي وتعديل الخسارات التي مُني بها السوريون، على صعيد قيام حوامل المجتمع المدني، والاستفادة من كل الثقافات الموجودة لتشكيل المصفوفة المؤسّسية التي تصوغ سياسات عامة لفهم الممارسات المُشكّلة للجسد الاجتماعي، وتقدّم في تقاطعاتها إنتاج تراكم وتوزيع وتوظيف خطاب الحياة الجماعية. فالبعد الإستراتيجي للمجتمع المدني ينبغي أن يحمل نوعًا من السياسية الاجتماعية-الثقافية، بالمعنى الأوسع، ويُعنى بكل القيم والمعاني ومناقشتها والجدل حولها وتغييرها، إنه مجال الاتصال والخطاب الحرّ والمفتوح الذي يصوغ من خلاله الأفراد غرضًا مشتركًا، ويوجِّهون جهودهم -من خلال المؤسّسات والمنظمات- بغية إعادة تأسيسها لتقديم المصلحة المشتركة.