يحلو لي، ضمن ممارستي لحريتي الشخصية التي امتلكها حتى إشعار آخر رغمًا عن أنف المستبدين، الظاهر منهم والضامر، أن أنشر، من وقت لآخر، على صفحات وسائل التواصل، صورًا عائلية بالأبيض والأسود للماضي البعيد، أو بالألوان للماضي القريب. تُظهِرُ هذه الصور لقطات تجمع أفرادًا من عائلتي القريبة جدًا. وفي ذلك، لا أقصد أن أتعدّى على خصوصية أحد، لأنني إن تجاوزت الحلقة الأولى من العائلة، فقد أسعى للحصول على إذن صريح من صاحب الصورة أو من ورثته. وتنبع تلك الممارسة من حبي لفن التصوير عمومًا، وللصور التي تحمل عبق التاريخ خصوصًا. وتتفاوت ردات الفعل من جمهور الأصدقاء على وسائل التواصل، بين غالبية تُعبّر عن إعجابها بجمالية الزمن القديم بتفاصيله الطبيعية والمعمارية، وصولًا إلى أزياء أهله، إلى ندرة ممن يذهبون أبعد في تفسير الصور القديمة وحمولتها الاجتماعية والسياسية والطبقية. وكحال الجميع، قائمة أصدقائي الافتراضيين تحتوي على من هو صديق في الحياة الطبيعية فعليًا، أو من صار صديقًا بفضل وسيلة التواصل هذه، إضافة إلى مجموعة كبيرة ممن أضافتهم الأيام من دون شديد اختيار ولا اختبار، إلا من رحم ربي.

تحفل وسائل التواصل اليوم بالصفحات المخصصة لنشر الصور القديمة، خصوصًا المتعلقة بالأمكنة وبالمناسبات السياسية التي عرفتها بلاد عدة، وبالشخصيات العامة، وببعض العائلات التي تركت أثرًا في قطاع بعينه. وبعيدًا عن القيمة الفنية التي يمكن أن تكون متواضعة أحيانًا، لعمل فوتوغرافي ما، نجد أن حمولة الصور التاريخية ومحاكاتها للماضي يمكن أن تمنحها قيمة تتجاوز البعد الفني. وهي غالبًا ما تُثير تعليقات ملؤها العواطف والحنين الذي يتطور غالبًا إلى تعبيرات يملؤها التحسّر على “الزمن الجميل”، وعلى “الماضي الذي لن يعود”. وكثيرًا ما تكون هذه الصور مصدرًا لإثارة خلافات عقائدية، بين تيارات متنوعة ومتناقضة من المتابعين. ويمكن لعلم الأنثروبولوجيا أن يتوقف عند نوعين من تعليقات هذا “الجمهور” الافتراضي.

الأول نوع سلبي عدائي، لا تفسير لموقف أصحابه ولا تعبيرهم عنه إلا من خلال استعراض تراكم تاريخي لمجموعة من العُقد التي ساهمت حياتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية في تكونّها وفي تراكمها، دون أي عملية تهوية أو تنفيس. وتتمحور هذه التعليقات، إن اكتفت بالانتقاد دون الوصول إلى درجة الشتائم، حول اتهام الناشر بأنه يبحث عن إظهار “تفوق” طبقي اجتماعي على “عامة” الناس مثلًا. ويستند أصحاب هذا الاتهام إلى إمكانية كون بعض الصور قد تحتوي على شخوص “مدنيّة/ حضرية” ونساء غير محجبات، على الرغم من قدمها الزمني. واستنادًا إلى المنطق العجيب لصاحب التعليق، فالناشر يبحث عن تمايز طبقي واجتماعي عن بقية أفراد المجتمع، بإظهار هذه الصور ونشرها. وبعيدًا عن الرغبة الدفينة في بعض النفوس لشتم المختلف، دون التوقف والتدقيق في عاملي الزمان والمكان، وما عرفاه من تغيرات اجتماعية وديموغرافية واقتصادية وثقافية وسياسية، فقد يمكن عدّ عنف ردات الفعل هذه مرآةً لوضع اجتماعي سائد ينفي فعلًا اجتماعيًا أكاد أقول إنه “بائد”. يمتد هذا الرفض حتى إلى الجامد من المادة المصوّرة، فتبدو “الأوابد” الأثرية رجسًا من التخلّف، والأبنية كلاسيكية العمارة رموزًا انقضت وصار تجاوزها مفروضًا للدخول في “الحداثة”.

النوع الآخر، وهو يقف غالبًا على النقيض التام من الأول، هو المُعلّق الإيجابي الذي سيحصر إعجابه بالتحسّر على ماضٍ تليد، حيث كانت النسوة حاسرات، وكان الرجال غربيي الرداء. وكأنه لم يقرأ إلا هذين التفصيلين في الصورة التي أمامه. وسينسحب هذا الموقف (المتجاهل للعاملين السابقين) للوقوع في فخ المقارنات السريعة والمبسطة، لدرجة يُكرّر فيها نشر صورةً لطالبات كلية الطب في جامعة القاهرة، في ستينيات القرن المنصرم مثلًا، مع صورة حديثة لطالبات الكلية في الجامعة نفسها، لنرى أنهن كنّ حاسرات الرأس وأنهن أصبحن منقبات. وبالطبع، سيسارع العشرات إلى التضامن مع حسرات هذه المقارنة، وسرعان ما سيهاجمهم عشرات آخرون شتامون مُكفّرون يتحسّرون بدورهم على “القيم والإيمان”. صراعات تتكرر وتتضخّم وتتفاعل لترمي في خنادق مواجهات فارغة عشرات بل أكثر من الفتيان والفتيات، بعيدًا عن أي محاولة تحليل تاريخاني للمشهد.

وكي لا يقع الباحث في فخ المقارنات المتسرعة، ولكيلا يُسرع بدوره الى استنتاجات سطحية مستهلكة حتى قبل أن تطبع، فعليه التوقف أمام الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي كانت تحيط بما حملته الصورة الأولى كما الثانية. فمن شبه البديهي القول بأن دمقرطة التعليم أتاحت الفرصة أمام فئات مجتمعية، كانت محرومة أو مُغيبة عن الجامعة، أن تدخل صفوفها. ومن الضروري أيضًا استعراض مراحل البناء الوطني -إن وجدت- التي أفضت إلى إنتاج طبقة وسطى سادت في ظروف تاريخية معينة، وحملت معها قيمًا وعادات زالت بزوالها أو بانحسارها، بفضل الاستبداد الذي طغى وتجبر، والذي زجّ بدوره بالمجتمعات أو بأجزاء مهمة وفاعلة منها في زوايا التقوقع الهوياتي الذي ترجمه الانتماء الديني/ الطائفي بشكل مثمر.

هل يمكن لطرفي المعادلة التقييمية للصورة القديمة أن يعترفا بتسرّعهما، وبميل استنتاجاتهما إلى التأثر بأيديولوجيتهما، دون التحليل الهادئ الذي يأخذ عوامل عدة في سلّة البحث، ليتوصل إلى نتائج تُثري العقل وربما تساعده في تقبل الاختلاف وتجاوزه لمحاولة صنع تاريخ جديد؟