في عام 1990، كعادة العسكر، انقلب إدريس ديبي، على حسين حبري، ليجلس على كرسيه في رئاسة جمهورية تشاد، بعد أن كان رجله الوفي. وقد احتفل في منتصف آب/ أغسطس الماضي بتنصيب نفسه مارشالًا على البلاد، وذلك في ذكرى مرور 60 عامًا على نشوء الدولة. ويُعدّ لقب المارشالية الذي يمنحه عدد من الطغاة في أفريقيا لأنفسهم شبهَ رسالة مضمونة ومسجلة لشعوبهم ولدول العالم، بأنهم صاروا يملكون البلاد حتى وفاتهم. وإذا أفلحوا في زرع بذور التوريث بالخلف “الصالح”، فربما يدوم الحكم لذريتهم حتى بعد هذه الوفاة. وفي سورية، عرفنا من خلال أفواه المتمجدين الدعوة لأن يدوم الحكم فيها ليس فقط إلى الأبد، بل إلى ما بعد الأبد. وفي تشاد، اعتبر المراقبون أن الرئيس الانقلابي الشاب هو رجل فرنسا القوي والوفي؛ فبعد أن غادرت فرنسا البلاد من الباب كقوة استعمارية، عادت إليه من النافذة كقوة مهيمنة، نظرًا للموقع الإستراتيجي المهم ولثراء البلاد بمصادر المواد الأولية. ويعدّ وجود قوات فرنسية في تشاد منذ 1986 أقدم وجود عسكري فرنسي مستمر في القارة الأفريقية.

تشاد بلاد غنية باليورانيوم وبالذهب وبالنفط. وعلى الرغم من ذلك، بعد 30 عامًا من حكم ديبي، الرابح وحزبه في كل الانتخابات منذ انقلابه، تُستخدم ثروات البلاد، إما لتكديس الأموال في حسابات الرئاسة خارج البلاد، وإما لشراء المعدات العسكرية اللازمة لتحصين أمن الرئيس والرئاسة والابتعاد -قدر الممكن- عن كوابيس الانقلابات العسكرية التي هي من شيم العسكر دائمًا وأبدًا. واستعمل الرئيس المال في شراء الولاءات، كحال كثيرين من جيرانه الأفارقة. وفي المقابل، تعيش البلاد وضعًا اقتصاديًا ومعيشيًا وإنسانيًا كارثيًا، وجرى تصنيف تشاد ذات الخمسة عشر مليون ساكن، من قِبل مؤشر التنمية البشرية الذي تصدره الأمم المتحدة، كأحد ثلاثة بلاد هي الأفقر في العالم. وتشير الإحصائيات إلى أن 8 في المئة من المولودين الجدد لا يتمّون السنة الأولى من عمرهم، وعشرون بالمئة منهم لا يكملون الخامسة. وتبلغ نسبة الأمية في البلاد ما يفوق 70 بالمئة من السكان. ويعيش ثمانون بالمئة من السكان بدخل لا يتجاوز الدولار الواحد باليوم، وتسعون بالمئة ممن هم في سنّ العمل عاطلون عن العمل. ولا يتجاوز معدل حياة التشاديين 53 سنة، وتقبع البلاد في المرتبة 162 من 180، في مقياس منظمة الشفافية الدولية، وهذا يشير بجلاء وبوضوح إلى الفساد المؤسسي فيها.

كل ما سبق من أرقام تعبق بالموت وبالفشل، ومن مؤشرات تزخر بالعار، لم تمنع الرئيس من الاحتفال وتنصيب نفسه مارشالًا للبلاد، بقبول ورعاية واضحين من الغرب عمومًا، ومن حاميته وداعمته الأساسية فرنسا بلد ثورة الحرية وقيم العدالة والمساواة. فقد اعترف الرئيس ديبي، في لقاء صحفي، بأنه لولا التدخل الفرنسي لما كان حتى اليوم في منصبه. فما هي حجة المدافعين عن الواقعية السياسية من منظّري العلاقات الدولية في باريس، وعلى رأسهم وزير خارجية فرنسوا ميتران السابق الذي استهزأ بـ “دبلوماسية حقوق الإنسان”، داعيًا إلى تغليب المصالح الاقتصادية والأمنية على ما عداها من “ترّهات”، يمكن أن تقوم بها منظمات غير حكومية. فعدا المواد الأولية، يدّعي النظام العسكري الحاكم، بالحديد وبالنار، أنه قد تغلّب على إرهابيي (بوكو حرام) و”الدولة الإسلامية”، حيث سجلت الأشهر الأخيرة بعض الانتصارات الاستعراضية، كما يجري في مصر مثلًا، على هؤلاء الإرهابيين، إلا أن تدمير القرى وموت المدنيين على هامش عمليات القوات الحكومية لا يمكن له، كما في مصر وفي سواها، إلا أن يعزّز من الحاضنة الشعبية للقوات المتمردة بنظر البعض، والإرهابية بنظر الآخرين.

سياسات الغرب المحابية للاستبداد عمومًا، والداعمة خصوصًا لطغاة أفريقيا والشرق الأوسط، بحجج متعددة مرتبطة بملفات الاستقرار ومحاربة الإرهاب وحماية الحدود من الهجرة غير الشرعية، غالبًا ما تعطي نتائج معاكسة تمامًا. فقد صار من السذاجة السياسية الحديث في مالي، كما في تشاد وسواها من دول الساحل المشتعلة، عن إرهابيين فقط، فقد تنوّعت القوى بين إرهاب وتهريب وفساد وتمرد. وإن قصر النظر إلى الأعمال العسكرية الجارية في هذه البقاع، وكأنها صراع مع الإرهاب فقط، لا يجدي بالرغم من أنه يمكن له أن يُريح ضمائر بعض من يغضّ النظر عن الانتهاكات المنهجية لحقوق البشر من قبل طغمة حاكمة فاسدة يؤيدها.

كلّ تقارير المنظمات الإنسانية غير الحكومية الجادة تُشير إلى أن محاربة الإرهاب في كل بقاع العالم، وفي أفريقيا تحديدًا، من قبل أعوان فاسدين ومستبدين، وفقدان أي تصوّر للتنمية الاقتصادية وللتحرّر السياسي، تساعد في دفع عدد لا بأس به من المدنيين إلى القبول بالقوى المحاربة للحكومات، في أقل الاحتمالات، وربما مساعدتها أحيانًا، وربما الانضمام إليها أيضًا. بالمقابل، فإن العمل على تشجيع القوى المدنية المحلية -أو تركها في شأنها- والضغط على المستبدين للقيام بإصلاحات جذرية أو دفعهم إلى مغادرة الحكم، ووضع تصورات واضحة لبرامج إنقاذ تنتشل الناس من الجوع ومن القهر، يمكن أن تكون عوامل مؤثرة تساعد في التخلص من الإرهاب، على المدى المتوسط والبعيد، فتحل الديمقراطية والنمو محل عصا المارشال.