اعتاد اللاجئون السوريون، في معظم مجتمعات دول اللجوء التي استضافتهم بعد اندلاع الحرب السورية، على التعرّض لحملات سلبية ضدهم في بعض الوسائل الإعلامية، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، من قبل بعض مواطني هذه الدول، إلى درجة زرع هواجس الخوف من إمكانية التعايش معهم في المستقبل، وقد وصلت هذه الهواجس إلى محاولة الاقتناع بأن اللاجئين السوريين يقفون وراء بعض مظاهر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها مواطنو البلد المضيف، وتدار تلك الحملات من قبل بعض التيارات السياسية اليمينية المناهضة لاستقبال اللاجئين بشكل عام.

طبعًا، هذا لا يعفينا من تحميل المسؤولية لبعض السوريين، وخاصة ذوي السلوكات السلبية التي تعزز هذه الصور النمطية السلبية لهم، في البلدان المضيفة، من خلال تنميط الآخرين (مواطني البلد المضيف) وتصويرهم بصور سلبية: “لا يعرفون الحلال والحرام، ولا القيم والأخلاق والدين والانتماء الأسري..” إلخ، والنتيجة العيشُ في حالة صراع بين ثقافتين: ثقافة “النحن” السورية، وثقافة “الآخر”، والميل إلى تفوق ثقافة “النحن السورية” في ميادين الحياة كافة، وخاصة في النسق القيمي الديني، حيث يجد بعض السوريين أنفسهم أكثر تديّنًا ومعرفة بالجوانب الأخلاقية القيمية!

 هذا الصراع الثقافي القيمي المتبادل يعود بجذوره تاريخيًا إلى الصور النمطية المسبقة عن اللاجئين، التي تُعدّ من المشكلات المستعصية عن الحل، بالرغم من كل الجهود المبذولة دوليًا على الصعيد الإعلامي والثقافي وبرامج الإدماج الاجتماعي وغيرها من قبل المنظمات الدولية والوطنية، حيث ما زال لدى معظم شعوب العالم صور نمطية، أغلبها سلبية ومنفرة جدًا، تجاه اللاجئين ، وهذا ما نلاحظه في شبكات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعية، حيث الصور النمطية السائدة عالميًا عن اللاجئين أنهم مجموعات من الفقراء المحتشدين على الحدود بين الدول، تقيم في الخيام على أطراف المدن، تنتظر السلل الغذائية التي تقدم الحدود الدنيا من المتطلبات المعيشية الأولوية، من قبل حكومات ومنظمات الدول المضيفة.. وقد تكون هذه الصورة صحيحة في بدايات اللجوء، لدى بعض الشرائح الاجتماعية من اللاجئين، ولكن التجارب العالمية للجوء أظهرت للعالم أجمع أن اللاجئين فيما بعد يندمجون ويصبحون مواطنين، ويحملون جنسية الدولة المضيفة لهم، وقد يصلون إلى مراتب علمية وسياسية واقتصادية عليا، تصل إلى مرتبة الرؤساء والوزراء، وهذا حال بعض اللاجئين السوريين في كل دول اللجوء التي استقبلتهم، حيث يعملون ويتعلّمون في مستويات عليا، وقد حصلوا على المراتب العليا في الجامعات ومؤسسات العمل، بل أنشؤوا المؤسسات الاقتصادية، العلمية – البحثية والإعلامية، في فترة قصيرة جدًا، وهناك مواطنون من البلدان المضيفة يعملون في المطاعم والمنشآت المهنية والصناعية السورية… إلخ، وبالتالي من الطبيعي أن يملكوا البيوت ويأكلوا في المطاعم ويشربوا المشروبات والنرجيلة…. إلخ، مثلهم مثل مواطني الدول المضيفة، بل إنهم يسهمون بفاعلية عالية في بناء الاقتصاد الوطني للبلد المضيف، سواء أكانوا عمالًا أم أصحاب مؤسسات اقتصادية.

أما الصور النمطية السلبية التي يتم تداولها كلّ فترة، في وسائل التواصل الاجتماعي، فإنها تُعبّر عن آراء مبسطة جدًا أو مواقف عاطفية أو أحكام متخيلة غير مدروسة، قامت وسائل التواصل الاجتماعي بتضخيمها لدرجة كبيرة، وبطبعها في أذهان المتلقين إلى الحد الذي يشعر المتلقين بأنهم التقوا فعلًا بالشخصيات التي تناولتها الفيديوهات، حتى يشعر المتلقي بضرورة التضامن معهم، وهذا ما يجعلنا نعبّر عن مخاوفنا من أن تنتقل هذه الفيديوهات التهكمية البسيطة، كما تبدو للوهلة الأولى، إلى حملة من الكراهية المتبادلة والمنهجية بين اللاجئين السوريين ومواطني البلدان المضيفة، ومن ثمّ سوف يتحمّل السوريون اللاجئون المسؤولية الأولى عن هذه النتائج، كونهم الحلقة الأضعف في بلدان اللجوء.

العديد من الدراسات الأكاديمية التي تصدّت لموضوع الصور النمطية، أجمعت على الربط بين هذه الصور النمطية والسياقات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والفكرية، وحتى النفسية، للمجتمع المضيف للاجئين؛ حيث تبيّن أن الصور النمطية عبارة عن تعميمات مؤسسة على الشائعات والآراء التي لا تستند إلى معايير علمية ومنطقية، وليس لها وجود في الواقع المعاش. بل إن بعضها يُبنى على أوهام أو معلومات غير دقيقة، تكونت لدى الناس من خلال تجارب فردية سابقة، أو عن طريق التلقي من وسائل الاتصال والإعلام.

بناء على هذه الصور النمطية، ينحاز أشخاص ضد أشخاص آخرين، ويصنعون أحكامهم المسبقة دون الاعتماد على دراسات أو حقائق من أرض الواقع المعاش، وهذا التحيّز بدوره يُبنى عليه التمييز، أي إن معاملة الآخر تستند إلى مجرد انتمائه إلى فئة اجتماعية أو قومية أو دينية… إلخ، ويصل ذلك إلى تشريع قوانين تمييزية ضدها في بعض الحالات، بحيث تصل إلى مرحلة العنصرية الرسمية.

إذا أراد السوريون في البلدان المضيفة كافة تغيير هذه الصور النمطية، أو بالحدود الدنيا التخفيف من آثارها السلبية عليهم في أماكن وجودهم في دول العالم كافة، فعليهم العمل في أطر مؤسساتية سورية، رسالتها الرئيسة العمل في موضوع اللجوء السوري، ونقله إلى إمكانية أن يكوّن قنوات للتواصل والتفاعل بين السوريين والآخرين، ثقافيًا واجتماعيًا ومهنيًا، من أجل تجاوز العديد من العقبات التي تواجه السوريين في حياتهم اليومية، والانتقال إلى إيجاد آليات تفاعلية تواصلية بين السوريين والآخرين، وإزالة كل مباعث التخوف من وجود السوريين اللاجئين، خاصة الاقتصادية المعيشية، التي تلحظ بالصور النمطيّة المسبقة سلبيًا تجاه اللاجئين السوريين، التي تظهر أحيانًا في جوانب نفسية أيضًا، حيث العلاقة مع اللاجئ السوري مشوبة بالريبة والحذر وعدم الثقة، وتصل أحيانًا إلى حد الكراهية.

بعبارة مكثفة: على اللاجئين السوريين الابتعادُ عن اختزال اللجوء السوري في بعد واحد لا غير، وهو العلاقة بالحزب الحاكم أو السلطة السياسية، وعليهم التفاعل الفعال على الصعد كافة، ومع المكونات السياسية والاجتماعية والثقافية للبلدان المضيفة كافة، حيث إن غضّ الطرف عن التفاعل مع بقية المكونات السياسية الأخرى يجعل السوريين مصدر صور نمطيّة متناقضة ومتضاربة ومعيقة لإمكانية التفاعل السوري مع الآخر، بغض النظر عن الاختلافات الأخرى، وبذلك تُكسر الصورة النمطية المتداولة بين مواطني البلدان المضيفة التي تقول إن السوريين اللاجئين منحازون إلى الحكومة الحالية.

أيضًا على الصعيد الفردي، لا بدّ من التركيز على بناء شخصية اللاجئ السوري الفاعلة والمتماسكة، مهنيًا واجتماعيًا وثقافيًا، في مجتمعات الدول المضيفة، بعيدًا عن الصور النمطية المسبقة للاجئ بشكل عام، التي تصوّره على أنه (الجائع، الخانع، الخائف) ولا يهمّها إلا تأمين حاجاتها. وإن طرق الاحتجاج على هذه الصور النمطية كثيرة جدًا، ومن أهمها الاتصال بالجهة التي تنشر تلك الصور، والاحتجاج عليها بكل الوسائل، خاصة في وسائل إعلام الدولة المضيفة، والرد عليها بلغة البلد أيضًا.

وفي الأماكن العامة (الطرقات، المواصلات، الحدائق) على السوريين حملُ الوثائق التي تثبت أنهم عاملون فاعلون أو أصحاب منشآت اقتصادية في البلدان المضيفة، وإبرازها لأيّ جهة إعلامية أو غيرها عند الحاجة والضرورة.

يستطيع السوريون، من خلال بعض الفعاليات والأنشطة الاجتماعية والثقافية والإعلامية المشتركة مع مواطني الدول المضيفة، سحب البساط من أمام بعض التيارات السياسية اليمينية المتطرفة المعادية للاجئين بشكل عام، والحيلولة دون تداول الصور النمطية السلبية للاجئين بهدف كسب المزيد من الأنصار في حملاتهم الانتخابية السياسية التي تُكسبهم أنصارًا جددًا، ما يجعل من اللجوء عائق تواصل بين مواطني الدول المضيفة والسوريين، لا عامل تقارب وتفاعل يساعد في بناء الإطار الثقافي القيمي المشترك بينهم.

أخيرًا، إن الصور النمطيّة حصيلة ثقافة، وإن تغييرها يستدعي بناء ثقافة مغايرة تعيد تشكيل الموقف من الآخر، وتؤكّد أهميّة التواصل والتفاعل مع الآخر، بانسجام مع الطابع الدولي لحقوق الإنسان بشكل عام، وترسّخ النظرة الإيجابيّة للآخر، وتساعد فعلًا في العيش المشترك في إطار الاختلاف والتعدّد.