في إحدى مسرحيات الممثل دريد لحّام، صديق الاستبداد والمستبدين، المستقاة نصًا، مع تحوير واسع، من أعمال الشاعر الراحل محمد الماغوط، وكانت تُعدّ من الأعمال “التنفيسية” الانتقادية التي حازت شعبية واسعة في الدول العربية، رفضت الشخصية الرئيسية في العمل، وكان يؤديها دريد لحام نفسه (الذي كان يلعب دور الإنسان البسيط والشريف والفقير الذي لا يملك كسرة خبز ويعيش في كوخ متهالك) رفضت بطريقة كوميدية أن ينتقد أحدهم نيكاراغوا وثورتها الساندينية التي كانت تتضامن معها شعوب العالم الثالث، قبل انتصارها ووصولها إلى الحكم وتحولها إلى دكتاتورية فاسدة هي أيضًا، وقال صارخًا: “كل شيء إلا نيكاراغوا”.

كان هدف هذا المقطع الإشارة إلى تأثّر الإنسان البسيط بقضايا الشعوب الأخرى، حتى البعيدة جدًا عن حيّزه الجغرافي، حيث إن الزعماء العرب قد واظبوا على إلهاء شعوبهم بقضايا خارجية، محقّة وعادلة، لا تعنيهم في حيواتهم اليومية بشكل مباشر، بهدف حرف شعوبهم عن الاهتمام بمعاناتهم اليومية، وجوعهم، وفقرهم واستلاب حريتهم. هكذا أراد النص الأصلي، ولكن أداء “المشخصاتي” اللحام حوّل الرسالة إلى أننا -السوريين- انشغلنا عن همومنا بالتضامن مع قضايا الآخرين. حينها، ضحكنا جميعًا، لأننا كنا تحت تأثير غسل الدماغ الرسمي القائم رغم مقاومة بعضنا النسبية. وغازلت الفكرة عقلنا الباطني، بحيث استهجنا أن نكون مهمومين بمصير الثورة الساندينية أو مآلات حركات التحرّر في أفريقيا مثلًا، ومبتعدين عن همّنا الذاتي.

كان مستبدو المنطقة العربية يدعوننا إلى التضامن مع قضايا بعيدة عادلة، وهم يحملون النيّات السيئة تجاهها وتجاهنا. وبالتالي، فقد صرنا، أو أغلبنا صار، يأنف عن هذه القضايا، ولا يرى أنه معنيّ بها، حتى إن البعض منا رأى أنها رموز مرتبطة بالسلطة التي تحبس أنفاسنا. فالابتعاد عنها وعدم الاهتمام بمساراتها ولا بتطوراتها ولا بمآلاتها، كونها جزءًا من المشهد الإنساني العام، صار رغبة لدى البعض الذي دُفع إليها دفعًا من قبل مستبدٍ، استهلكها بخطاب خشبي، وأفقدها زخمها الأخلاقي والإنساني.

لعب الفساد المنهجي دوره أيضًا في إبعاد الناس عن قضايا إنسانية حقيقية، ففي ثمانينيات القرن الماضي، تأسست لجنة كان على رأسها عبد الله الأحمر، أحد رموز الفساد التسلطي في سورية، لجمع التبرعات لمساعدة أهلنا في السودان، على إثر المجاعة التي حلّت بهم. ويذكر من عايش تلك المرحلة استنكاف الناس عن دفع فلس واحد، إلا من أُجبِر بقوة القمع والتسلط واللصوصية، ليقينهم بأنه لن يذهب من هذه التبرعات إلى السودان إلا الخطاب الإعلامي، وهكذا، نجح النظام، من حيث أراد غالبًا، في أن يدفع الناس بعيدًا عن قضية إنسانية تستحق كل التضامن والمساهمة.

الاستبداد العربي استغل أيضًا، بصورة بشعة، أعدل قضية وأكثرها مشروعية، وهي القضية الفلسطينية. وقد سعى لوضعها كدريئة تحميه من كل انتقاد ومن كل احتجاج، ولتصبح “قميص عثمان” مناسبًا لتأجيل كل حديث عن إصلاح أو سعي إلى التغيير. فيجب أن تتحرّر فلسطين أولًا من غاصبيها الصهاينة، قبل الحديث عن أي إصلاح وتنمية وبناء. وصارت بعض الجماعات السياسية “الساذجة”، إن أُحسِنَ الظن بها، التي لم تستفد لا سياسيًا ولا ريعيًا من الاستبداد، تتبنى الدفاع عن هذه الأنظمة، مقتنعة فعلًا بأنها تولي اهتمامًا للقضية المركزية. وتمكنت هذه الأنظمة الفاسدة والمستبدة أيضًا من جذب بعض من هم معنيون بالقضية مباشرة، أي بعض ممثلي القوى الفلسطينية الباحثين عن تضامن عربي وإقليمي ودولي مع قضيتهم، والذين يتلقفون، ولو شعاع أمل بسيط يُمنّي بوقوف إحدى الدول، مهما كذبت، إلى جانب قضيتهم.

هذا الاستخدام المكيافيلي القذر للقضية الأسمى من قبل المستبد العربي، على تلاوينه، دفع أيضًا بعض البسطاء أو المغرّر بهم من بين الشعوب، إلى التخلي عنها وعن التضامن معها وعن الدفاع عن عدالتها. ووصل الأمر بالبعض إلى درجة الوقوف مع تطبيع بعض حلفاء السر وأصدقاء العلن مع تل أبيب، في أيامنا السوداء هذه، مدّعين أنهم سئموا الحديث عن القضية، وصار لزامًا السعي وراء أمور الحياة المعقدة التي أوصلتهم الأنظمة إلى الانغماس في تلافيفها المتشعبة. ومن سخريات السياسة، أو العمل الثوري تحديدًا، أن بعض قوى الثورات العربية ميّزت نضالها من أجل الحرية والكرامة والعدالة في بلدانها، عن القضية الفلسطينية. بل وصل الأمر ببعضها إلى الانفكاك عن أخلاقيات النضال من أجل الحرية، واعتبار أن حريتهم يمكن أن تهبط على سلم التطبيع أو البحث عن دعم أو تفهّم، ممن كان في ماضٍ قريب عدوًا وجوديًا.  ومن جهة أخرى، لم تجد بعض القوى الفلسطينية حرجًا في دعم المستبدين العرب، والدفاع عن مجازرهم بحق شعوبهم، بحجة أنهم يساندون القضية الفلسطينية، ولو بالخطاب الأجوف.

إن قضية الحرية لا تتجزأ، وسعي الشعوب إلى التحرر من المستعمر والمستوطن والمستبد محكومٌ عليه أن يكون مرتبطًا بنيويًا. وكل قضايا الحرية والعدالة على وجه الأرض يجتمع حولها من يؤمن بالحرية، ويسعى إليها دون أي تمييز. وبمجرد أن تتداخل ألاعيب المستبدين، ومواقف السذّج، فعلى قضية الحرية السلام. “إسرائيل” ليست عدوًا للفلسطينيين فحسب، بل هي، من خلال سياسات حكومتها اليمينية المتطرفة، عدو لكل من يسعى إلى الحرية في العالم. وسياسات إسرائيل تعادي الثورات العربية، بقدر ما تعاديها الأنظمة المستبدة؛ لأن حكومات منتخبة ديمقراطيًا في محيط “إسرائيل” لن تكون قابلة للترويض، ولن تقبل بغير السلام العادل الذي يعيد الحقوق المغتصبة، ولن تترامى على أقدام نتنياهو ليحفظ مُلكها لكي تستمر في نهب ثروات البلاد والعباد. لا يمكن إذًا أن يكون الحديث عن تنافس بين الثورات العربية والثورة الفلسطينية مقبولًا، إنهما تعبيران لقضية مشتركة، هي قضية الحرية.