العمومية قاعدة أخلاقية، تتضمن الفضائل جميعها، وهي مرادفة للعلانية، ونقيضٌ للباطنية، لذلك هي مَنضجة[1] الوطنية، ومنها تستمد الأخيرة معناها السياسي. ويمكن أن نقول إن المجتمعات التي تتكون من إراداتٍ حرة (أفراد حقيقيين) تخلق لنفسها فراغًا غير منتهٍ للحوار، نتيجة إدراكها العميق لحاجتها إلى الحوار العمومي. وليس العمومي خروجًا من الخاص إلى العام، عبر تكوين رأي عام، مثلًا، ولكن مفهوم العمومي يتعدى كل ذلك إلى مجموعة النقاشات العامة المفتوحة الحرة والعلنية، التي تعترف بالجميع. وعلنية هذه النقاشات والحوارات هي بالتحديد ما يُكسبها صفة العمومية، ومن ثم هي ما يحدد الفرق بين الحوارات العمومية (Public) والحوارات العامة (General).

ومن يستمع لبوح السوريين في نقدهم لمسار الثورة السياسي، يلمس إدراكهم لأهمية العلانية، وسخطهم على سياسة “تحت الطاولة” والـ “حربقات” السريّة. وهذا يعني -في أحد أهم معانيه- أن العقل الجمعي السوري أصبح مُهيَّأً لإدراك الحاجة إلى العمومي. وتظل آلية العمل التي تقوم على الاعتراف بالجميع -على قاعدة أخلاقية إنسانية كونية- مدخلًا مُهمًا لاستهلال العمل العمومي السوري اليوم.

تُعَبِّر العمومية عن نفسها في فضاء (أي فراغ) غير منتهٍ، مُضاد للتحييز ونابذٍ للتحديد، ومنفتح على الكون برمته، تشكله الأمم، إذا أصبحت قادرةً ومؤهلةً لما هو عمومي؛ فنحن لا ندخل الفضاء العمومي إلا إذا تمّ الاعتراف بنا، وبأفكارنا، أي أن التشبع بالتعددية مفهومٌ مفتاحي في الفضاء العمومي، بل هو جزءٌ من ماهيته. والوطنية -في أحد أهم أشكالها- هي ممارسة العمومية في فضاء عمومي وطني، والكلام في الممارسة بالضرورة كلامٌ في التنظيم. لذلك نقول إن العمومية ووحدة الاتجاه في المشروع الوطني السوري مفهومان تنظيميان، وليس التنظيم على مستوى المشروع الوطني مسألة نظامٍ أو إطارٍ قانوني فحسب، بل هو مبدأ وطني استنادي ناظم لذهنية التفكير الجامعة، وهو تفلسف سياسي اجتماعي قانوني، لتشكيل حالة وطنية معيارية تفضي إلى موضعة المشروع الوطني.

ويمكن أن نضع الفرضية الآتية: العمومية مَبدأ ومُنطلق “تنظيمي” لتكشيل الكتلة الوطنية السورية، بل هي المبدأ التنظيمي الوحيد المناسب لصون السياسة الوطنية السورية. ووحدة الاتجاه آلية تنظيمية ناجعة للعمل الوطني، مناسبة للعمومية ومتناغمة معها. وندعي أن هذه الفرضية مناسبة لموضعة المشروع الوطني السوري ومن ثم انطلاقه العملي؛ فنقترح ثلاثة مقترحات تنظيمية، نراها أساسية لتشكيل الكتلة الوطنية السورية: الأول تشكيل الفضاء العمومي، وانطلاق الحوار الوطني فيه؛ والثاني نسميه “وحدة الاتجاه المنهجي”، والثالث هو التشبع بمبدأ الحوار الموسع والمستمر بوصفه آلية لفض النزاعات. وسنناقش كلًا منهما على حدة.

أولًا: الفضاء العمومي السوري

ما إن يشكّل السوريون فضاءً عموميًا وطنيًا، وما إن يحتضن هذا الأخير الحوارات ويزخر بالتواصل والتفكير العلني، حتى يبدأ رأس المال الاجتماعي الوطني بالتراكم. ويكون رأس المال الاجتماعي الوطني هذا محكومًا بالحيادية الإيجابية، إزاء رؤوس المال الاجتماعية الأخرى التي تعبر عن نفسها بطريقةٍ أو بأخرى في الفضاء العمومي، والتي تشارك في بنائه وفق مبدأ ضمان وجود وحقوق الخاص، انطلاقًا من ضمان صحة ووجود العام[2].

والفضاء العمومي فضاءٌ ديمقراطي حرٌ بالضرورة، ديمقراطيته تأتي من أنه محكوم بقابلية الاجتماع، وديمقراطيته مَعيشة بوصفها ثقافة تتجاوز أساسها النظري إلى البناء فوقه. وهو الذي تكون فيه العمومية تعبيرًا عن واقع ديمقراطي؛ يكون بدوره ضامنًا لحرية الفضاء. والفضاء العمومي مستقلٌ عن أي سلطة، ومرتبط بالأفراد المتعينين بموجب مشروع المواطنة، أي مرتبط بـ “مشروع مواطن سوري” (فرد سوري).

لدينا ميلٌ إلى الاتفاق على المقاربة التالية: الفضاء العمومي هو الفضاء الذي تعمل المشاركة الديمقراطية ضمنه، وفق صيغتها التواصلية، على إنتاج رأس المال الاجتماعي الوطني، الذي يعني تراكمه تعزيز بعدها القيمي والأخلاقي ورسوخ جذورها وثقافتها. ويصبح رأس المال الاجتماعي الوطني الوصفة التي لها التأثير العجيب في استهلال وتمكين قدرة الديمقراطية المدهشة في تحويل نفسها من نظرية إلى واقع.

هكذا يمكن القول إن الفضاء العمومي السوري ضروري، لأنه سيحتضن واحدةً من أكثر الآليات أهميةً في صناعة الديمقراطية المستدامة وتمكينها، وهو عملية إنتاج رأس مال اجتماعي وطني سوري، بالاستناد إلى النشاط التواصلي والحوار العصري الحر، وبغض النظر عن مواضيعه والنتائج التي يصل إليها. فالنشاط التواصلي، بمجرد أنه نشاط محكوم بقبول الآخر بوصفه ذاتًا لها كرامة، قادرٌ على إنتاج ومراكمة رأس مال اجتماعي وطني، يشكل المفتاح الذي يجعل الديمقراطية تعمل، ويقوم بتحويلها من حيز النظرية إلى الواقع.

لا نتطرق عند هذا الحد إلى عناوين الحوار ضمن الفضاء العمومي، ولا يعني ذلك أن هذه العناوين غير مهمة، أو أنها من دون تأثير؛ بل لأننا أردنا التركيز على فعل الحوار الديمقراطي، وفق آلية التواصل القائم على التعددية، في الفضاء العام، التي تعمل، بمجرد أن تبدأ بأي موضوعٍ، على إنتاج رأس مال اجتماعي وطني، بغض النظر عن عناوين الحوار ومخرجاته. والمدهش هنا أن رأس المال الاجتماعي المتراكم هذا، يعود ليتدخل في تحسين التفاهم، وتطوير مخرجات هذا الحوار وتطوير أسئلته ومواضيعه الحوارية لتكون أكثر فائدةً للمشروع الوطني المشترك، أي لجميع المشاركين في الوطن (بمعنى التعاقد ومشاركة السياسة إضافة إلى المشاركة في المكان).

وهكذا، فإن المدخل لتحسين شروط الحوار، وآليته، ونتائجه، في الفضاء العمومي هو أن ينطلق هذا الحوار، لأنه ما إن ينطلق حتى يبدأ بمراكمة رأس مال اجتماعي وطني، يكون كفيلًا بتطويره وتحسين شروطه ومخرجاته باستمرار، ذلك أنه يضمن سلمية هذا الحوار دائمًا، وعدم انزلاق الاختلاف إلى العنف والمحظور الأخلاقي. وتشكل هذه المنظومة بمجملها آليةً ناجعة لبقاء الإنسان غايةً بحد ذاته، ولأن يعيش حالة سلمٍ دائم.

ويضمن رأس المال الاجتماعي حصانة الفضاء العمومي، ويمكنه ليخلق آلية ذاتية لرفض التبعية، والدغمجة، وأي نوع من التسلط من قبل الدولة، أو أيٍّ من الأفكار التي يمكن أن تمارس تسلطًا في لحظةٍ ما كالإعلام، ووسائل التعتيم الأيديولوجي.

ولا يستحق الفضاء العمومي اسمه، إلا إذا كان فضاءً للجميع، فهو أكبر من ذلك المجال الذي يمكن أن تصنعه فئة معينة مثل الطبقات البرجوازية تاريخيًا، أو النخبة السياسية والثقافية والاجتماعية حديثًا. فالحوار في الفضاء العمومي لا يُقصي أحدًا، ولا يقبل إلا بمشاركة الجميع على قاعدته الإنسانية الأخلاقية؛ فهو ليس فضاءً لحوارات النخبة (وهذا مهمٌ جدًا). وإن استحق دورٌ ما صفةَ “الاستثنائي”، فهو ذلك الدور الواعي الذي من الممكن أن تقوم به “النخبة السياسية” في المجتمعات المتأخرة غير ديمقراطية، في أن تتخلى عن نخبويتها لتشكل فضاءً عموميًا حقيقيًا يتكفل بوقعنة الديمقراطية. يعني هذا الكلام أن وظيفة النخبة الوحيدة هي تخليها عن أن تكون نخبة لصالح مشروع تكوين الفضاء العمومي. وهذا فعلٌ تضحوي بالمنطق المجرد، ولكن وفق هذا الفهم يكون دور النخبة الوحيد هو أن تضحي بنخبويتها فعلًا، وهكذا ستساهم أيضًا في بناء جزءٍ مهم من رأس المال الرمزي الوطني.

وفكرة الفضاء العمومي اليوم، في ضوء كلّ هذا التدمير، فكرة منقذة للحيوات التي تهدرها التسلطية، والتنظيمات المتشددة، والميليشيات الأيديولوجية. ونحو بناء فضاء العمومي،يمكن بداية وضع النقاط العامة الآتية:

1)  يتخلى جميع من يساهم في الفضاء العمومي عن أي محاولة لاحتكار الحقيقة، ويبقى الحكم على ذلك حكمًا عموميًا أيضًا، وتتعهد القوى الفاعلة في هذه المسألة أن تشكل منظورًا أكثر نسبية للحقيقة، وأكثر التصاقًا بالواقع، فلا تعود الحقيقة مقاربة على أنها محددة نخبويًا، أو على أنها ملكٌ للنخبة، ولا تعود مرتبطة بها على مستويات التشكل والنشر والحوار.

2)  يتم بناء الحقيقة وفق نقاشٍ عمومي يشارك فيه الجميع. وهنا أول ما يمكن أن يُطرح بإلحاحٍ، وبشكلٍ شرطي، السؤال المهم حول دلالات كلمة “الجميع”. فهل يجب أن يشتمل الفضاء العمومي على القتلة الذين يشكلون أداة التسلطية، وقوتها الضاربة، مثل رموز الشبيحة والأمن، على سبيل المثال؟ هل يمكن أن يكون رموز التسلطية -مثل رأس النظام السوري ومعاونيه الكبار- جزءًا من الفضاء العمومي السوري، بوصفهم سوريين؟ والحقيقة أن من البديهي القول إن الفضاء العمومي لا يعمل على إقصاء أحد، ويجب ألَّا يُقصي أحدًا؛ ولكن وفق قانونه ومعاييره الأخلاقية، وهي معايير مختلفة عن المعايير السياسية بالتأكيد، ولكن لا يجب أن تنفصل عنها؛ وهي مختلفة عن المعايير المعرفية والفكرية والاقتصادية والقانونية والثقافية، ولكن يجب ألّا تنفصل عنها أيضًا. هذا الفصل غير جائز بشكلٍ عام، وبشكلٍ خاص ومحدد، يصبح محظورًا في مرحلة البناء على أنقاض انهيار المنظومة الإنسانية، والأخلاقية، انهيارًا يكاد يكون كاملًا، كما آلت إليه الأحوال في سورية، بعد كل الهمجية التي يشهدها العالم، وكل الدم الذي يتم سفكه.

لذلك من الممكن القول إن عضوية الفضاء العمومي مفتوحة لجميع من يعترف بماهيته، وأهم مواصفات هذه الماهية هي: أخلاقية أولًا، ووطنية ثانيًا، وعلنية وشفافة ثالثًا. وهذه المواصفات ليست شعارات، وليست صفات مجردة، وليست مرتبطة بالدولة، لأن الدولة لم تتشكل بعد في هذه الحالات (بل ستكون المحدد الأُسي للعقد الاجتماعي الذي ستبنى الدولة بالاستناد إليه).

تتطلب الصفة الأخلاقية ألا يكون أيٌّ من أعضاء الفضاء العمومي قد وقع في المحظورات الأخلاقية، من قتلٍ، ونهبٍ، واغتصابٍ، وظلمٍ، وتنمّرٍ، واستقواء بالسلاح، إلى ما هنالك من المحظورات التي تفرضها المرجعية الأخلاقية المتفق عليها عالميًا، والمنصوص عليها في شرعة حقوق الإنسان. وبالطبع، لا يبقي المتورطون في هذه المحظورات خارج الفضاء، إنما يلتحقون به بموجب عقدٍ أخلاقي انتقالي يقومون بموجبه بالإقرار بجريمتهم، ويضعون أنفسهم رهن القضاء المحايد (فور تشكيله وفق معايير متفق عليها)، ويقرّون بضرورة العدالة الانتقالية للانتقال إلى المرحلة القادمة. وفي الغالب، لا يقوم المتسلطون بهذه الخطوة، وذلك بحكم بنية النظام الذي ينتمون إليه، وطبيعة تكوينهم الذهني التي لا تسمح لهم بذلك إلا بعد تلقي ضرباتٍ قاسية تجعلهم على يقينٍ بخسارتهم لأدوات القوة. لذلك في الغالب سينطلق الفضاء العمومي من دون هؤلاء، ويُمكن أن يشتمل على الجميع، باستثنائهم. ويكون السلاح الأقوى لجرّهم إلى العدالة الانتقالية، ولإنهاء غير عكوس لوجود هذا النمط من التفكير، ولتصنيفه على أنه من المحظورات الأخلاقية والجرائم العظمى التي لا يمكن القبول بها. وبالطبع، هذا لا يعني أن لا يتمّ إدماجهم في الفضاء العمومي الوطني، بل يعني الانتظار إلى حين تحقق شرط وجودهم فيه، الذي يحدده المعيار الأخلاقي. وينطبق هذا الشرط بالطبع على الجميع، أفرادًا وجماعات.

3)  مناهضة العنف، فالفضاء العمومي يقوم على الحوار العصري التواصلي العقلاني، ومن ثم فهو المبني على الصدق والقيم الأخلاقية النابعة من روحية رأس المال الاجتماعي الوطني. ولذلك فإن التضليل والخداع في هذا الموضع أيضًا عنفٌ تجب مناهضته. واللفّ والدوران وسلوكيات “الحربقة” في السياسة، الموروثة بوصفها أفكارًا متلقاة يصدقها ويسلم بها الجميع من دون مراجعة أو تفكير أو نقد، هي أيضًا عنف. مثالٌ على ذلك مقولة “السياسة مبنية على الكذب، وعلى المراوغة” التي لا تتعدى أنها فكرة متلقاة يسلّم بها كثيرون من دون تمحيصٍ أو تفكير. وغني عن القول أن الاتفاق الأخلاقي يضمن مناهضة العنف المادي بكل أشكاله؛ وكذلك يضمن رفضًا عامًا وقاطعًا لكل أشكال الاستقواء بالمال، أو بالسلاح، أو بالدين، أو بالتدين، أو بمختلف أشكال الابتزاز الديني والعاطفي، وبأي شكلٍ يمنح قوة معينة يستخدمها صاحبها للاستقواء على الغير، باستثناء قوة القانون، والنظر إلى هذا الاستقواء بوصفه عنفًا محظورًا بموجب ميثاق تكوين الفضاء العمومي.

4) علانية وشفافية، حيث لا يكون الفضاء عموميًا، ومن ثم وطنيًا، إلا إذا كان فضاءً علانيًا. ومن علانيته يكتسب عموميته، ومن عموميته يكتسب وطنيته. هذا مبدأ وطني مهم، فالسرية والتحالفات السرية غير المعلنة، والتكتلات والتحالفات الانتخابية مثلًا، وغيرها من الأمثلة، هي مضادات للعمل الوطني، ولبناء الفضاء العمومي يجب القطع معها. وهذا يتطلب أيضًا القطع مع أشكال الباطنية في السياسية كافة (التخارج بين السلوك والمعتقد لأغراض التقية أو التَمَكُّن)، وكذلك يتطلب علاج ظاهرة الشيزوفرينيا السياسية.

ثانيًا: وحدة الاتجاه المنهجي على مستوى القوى السياسية المشاركة في المشروع

 يعني تأسيس فضاء عمومي، تأسيس منطق حواري، أو عقلانية تواصلية. من دون أن يعني تأسيس رأيٍ واحد، أو تصورٍ واحد، أو مشروعٍ واحد، أو أهداف واحدة، إلى ما هنالك. فهذه الأخيرة يمكن أن تكون مخرجاته، ولكنها بالتأكيد ليست مقدماته الوجودية. لذلك لا يتطلب تأسيس فضاءٍ عمومي وطني أي اتفاقٍ أو توافق سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي أو اتفاق على أي موضوع، باستثناء الاتفاق على المنهجية العقلانية التواصلية كأداة في الحوار، أي أنه خلق فرصةٍ للحوار ومن ثم الاستنتاج.

يتم ذلك وفق منحًى مهم، وهو ما يمكن أن نسميه “وحدة الاتجاه المنهجي”، وهو مختلف عن مفهوم المنهج. “الاتجاه المنهجي” عبارة أردنا منها أن تعبّر عن هدفٍ موحد للعمل، يصبّ في بناء فضاءٍ عمومي وطني، فيوحد المشاركين في هدف تشكيل الفضاء أولًا، والتعهد بعلانيته وعموميته ثانيًا، والتعهد بوطنيته ثالثًا.

فالاتجاه المنهجي هو الفضائية، والعمومية، والوطنية؛ الأولى مضادة للتحييز، والثانية مضادة للخصوصية والسرية والباطنية، والثالثة مضادة لغير الوطنية (فوقها أو تحتها). أما المنهجيات فتتعدد هنا بتعدد الجهات، وبتعدد الطرق التي تمارس فيها الفضائية والعمومية والوطنية.

لذلك تتفق النخب في هذه العملية التكوينية على هذه الوحدة في الاتجاه المنهجي، من دون أي اتفاق على وحدة المنهج. وهذا -في العمق- يعكس اتفاقًا في أمرين:

الأول: وحدة المصير، أو المصير المشترك لمجرد تشارك الوطن الواحد. والثاني: إقرار بأن الحفاظ على الشخصي وصونه يمرّ عبر الحفاظ على الآخر وصونه، سواء كان هذا الشخصي رأيًا أو معتقدًا، أو هوية، أو انتماء، أو دينًا، أو طائفة، أو قبيلة، أو وجودًا وحياة، أو أيّ شيئ يمكن أن نقول إنه ملكٌ لشخص، أو لمجموعة مغلقة من الأشخاص التي تشترك في امتلاكه ويمنحها رأس مالها. هذا في العمق هو الاتفاق الضامن لاعتراف الجميع بالجميع، وهذا الاعتراف هو أحد أهم شروط الحوار، فلا حوار من دون الاعتراف بالآخر كذاتٍ لها كرامة، بحيث يكون غايةً في ذاته، والكف عن تصوره وسيلةً لغايات شخصية أو غير شخصية.

إذًا، تتشكل وحدة الاتجاه بتوحيد الاتجاه المنهجي (=الفضائية، العمومية، الوطنية)، ولكن لا بد أن يترافق هذا التوحيد مع الفعل التواصلي القائم على الاعتراف بالآخر وبكرامته، وتتناسب وحدة الاتجاه طردًا مع الاتجاه المنهجي، ومع هذا الاعتراف، فتزداد بازديادهما وتنقص بنقصانهما.

ثالثًا: مبدأ الحوارات الموسعة والمستمرة

لن يشتغل الفضاء العمومي، إلا إذا احتضن إجماعًا وطنيًا باستمرار. ولكن من الضروري الإدراك أن مبدأ الإجماع الوطني هو مبدأ نسبي. يعمل وفق العقل، وليس وفق مقتضيات الرغبات المنفلتة من ضوابط عقلانية، ويعمل وفق مبدأ التواصل القائم على الاعتراف بالآخر وبكرامته، كمنطلق لضمان الاعتراف بالذات وبكرامتها.

وإن أولى خطوات الإجماع الوطني هي الإجماع على الاعتراف بالفضاء العمومي، وفق ماهيته الأخلاقية الوطنية ووحدة الاتجاه المنهجي في بنائه: الفضائية، العمومية، الوطنية، ومن ثم الإجماع على مجمل القضايا الوطنية الملتصقة بهذه المبادئ. وفوائد هذا الإجماع عظيمة، بسبب مساهمته في بناء رأس مال اجتماعي وطني يكون ضامنًا للمقدرة على تطوير آليات وصيغ حوار لإيجاد الإجماع على القضايا الكبرى.

فالإجماع يكون على الاتجاه المنهجي أولًا، من ثم على العقلانية والإصرار على السلم الدائم، وبناء المقدرة على إبداع الحلول في نقاش القضايا الكبرى والمصيرية ثانيًا. وكل هذه السيرورات محكومة بالروح الإيجابية الوطنية التي يبدأ بضخها رأس المال الاجتماعي النامي بموجب هذه الآلية ومراكمة القضايا المُجمع عليها[3].

الإجماع وفق نهاجية العقلانية التواصلية الواعية لذاتها هو الذي يجعل التعاقدَ أمرًا ممكنًا، أو لنقل إنه ينجز لنا تصورًا سليمًا لتحديد ما يجب أن يتغير في ذهنية تفكيرنا وكيفيته، لكي نصل إلى النقطة التي يكون عندها التعاقد أمرًا ممكنًا. والتعاقد هو فعل الأحرار، والحرية شرطه اللازم (السابق عليه) غير الكافي. الكلام في ذهنية التعاقد هو -في العمق- كلامٌ في المحمولات الفكرية والنفسية والاجتماعية، التي تجعل الجلوسَ على طاولة مستديرة، لا أحد فيها يشبه أحدًا، بغرض تشكيل جسم سياسي موحد؛ أمرًا ممكنًا. هي الذهنية القادرة على المساهمة في الاتحاد، من دون أن تنصهر فيتغير شكلها وتتشوه. هي الذهنية القابلة للقبول، والقابلة للتقبّل. هي تعزيز لفهم الفرق بين المجتمع المدني: مجال الخلاف والتنوع استنادًا إلى الخصوصية؛ وبين الدولة: مجال الاتفاق والوحدة استنادًا إلى العام.

أهم الحوارات العلنية التي من الممكن طرحها اليوم، على سبيل المثال:

القضية الكردية والحوار العربي – الكردي.
الحوار الإسلامي – غير الإسلامي والعلماني.
الخيارات المتاحة أمام السوريين على ضوء الواقع الراهن.
مكامن الإجماع السوري، وتصور عام لنوعية وشكل التعاقد الاجتماعي السوري على المستوى الوجداني والقانوني والسياسي والنفعي.
قضية الطائفية، والمجتمعات الدينية، أو اللادينية التي تستند إلى الدين.
المرأة السورية: الإطار الفكري لحريتها، ومسائل المساواة والجندرة،

ويتم طرح هذه المواضيع لنقاش عَلني، يلعب الإعلام دورًا رئيسًا فيه، بشرط أن يكون نزيهًا، وكذلك وسائل رصد الميول العامة، واتجاهات الحوار، وقابليته للاستنتاج، وإعادة الحوار، وإنضاج الاتفاقات والتوجهات الجماعية، وإنضاج الوطنية إلى ما هنالك.

إذًا، لهذا النوع من النقاشات نوعان من الفوائد بالمعنى التاريخي، الأول والأهم أن هذه الحوارات تبدأ بمراكمة رأس مال اجتماعي وطني، يمكن للجميع الاقتراض منه، ويشكل ضمانًا للاستمرار في الحوار وبناء السلم الدائم ويمهد الطريق للانتقال إلى وضع جديد. والثاني هو تكوين مجتمع سياسي يكون صورةً عن المجتمع المدني، ويعزز أحدهما الآخر، وينضجان وفق علاقة جدلية.ومن أهم مواصفات رأس المال الاجتماعي الوطني:

  • يقترض منه الجميع، ويستثمر فيه الجميع.
  • كلّما استهلكنا منه أكثر، تراكم أكثر (مثل حليب الأم).
  • كلما تراكم أكثر، أصبح أكثر اعتدالًا.
  • كلما أصبح أكثر اعتدالًا، أصبح أكثر قدرةً على إنتاج السلم وضمان استدامته.
  • كلما أنتج سلمًا أكثر، أصبح أكثر ميلًا إلى أن يكون نطاقًا مركزيًا في التفكير (ربما ينتج المستقبل غيره).
  • مقدمة لمجتمع سياسي ناضج ومؤهل.

وأخيرًا، يمكن وضع الشرط الآتي: المجتمع السياسي المنشود لن يتشكل من دون أن تكفّ النخبة السياسية المتصدرة حاليًا عن تعريف نفسها بوصفها نخبة، وتكفّ عن احتكار الحقيقة لصالح عمومية الحقيقة؛ فتؤمن بأن الحقيقة مرتبطة بنتائج النقاش العمومي المتحرر من أي تسلطٍ ومن سيطرة أي قوة، خشنة أو ناعمة. هكذا تتشكل نخبة سياسية جديدة، في مجتمع سياسي جديد ناتج من المجتمع العمومي.


[1] على وزن مَفعَلَة، وهي من أوزان أسماء الآلة، فأردنا القول أن العمومية هي الآلة التي إن اشتغلت بشكلٍ سليم تُنتج إنضاجًا للوطنية.

[2]  للمزيد حول مفهوم رأس المال الاجتماعي ولضبط استخدامه أنظر مقالتنا في العربي الجديد بعنوان: رأس المال الاجتماعي السوري..التشظي والانحراف، 20 آب/أغسطس 2018 على الرابط الآتي:

https://is.gd/WadPlq

[3] في التاريخ السوري، يمكن دراسة تجربة مصطفى السباعي، وتجربة الإخوان المسلمين في الفترة ما بين 1948 حتى 1950، العام الذي أقر فيه الدستور السوري بعد حوارات طويلة في البرلمان. تتميز أهمية هذه التجربة بأنها تجربة إسلامية قبلت المشاركة السياسية على أسس برلمانية حداثية نسبيًا. ونجد أن هذه التجربة قد تجاوزت مأزق تعميم النهاجية الإيمانية إلى المجتمع السياسي العمومي، إلى حدٍ كافٍ للمشاركة السياسة الفعالة والإيجابية والوطنية، وقد لاقت ترحيبًا متبادلًا من التيار العلماني الأميل للحداثة، وإلى الحد الذي عبّر فيه السباعي، وهو الرجل الإسلامي بامتياز، عن رغبته في قيام نظام شعبي ديمقراطي يقوم على إرادة الشعب، وتتمثل فيه إرادة الشعب. ومصطفى بن حسن السباعي (1915_1964)، من مواليد حمص، مؤسس حركة الإخوان المسلمين في سورية، انتخب نائبًا عن مدينة دمشق في الجمعية التأسيسية عام 1949، ثم انتخب نائبًا لرئيس المجلس، فعضوًا في لجنة الدستور المشكلة من 9 أعضاء. كانت ذهنية التفكير عند السباعي -بوصفه ظاهرة- تعبّر عن تيار فكري، أنموذجًا لذهنية إسلامية آمنت بالتعاقد وذهبت إلى آليات تشكيله؛ والأهم أنها قبلت مخرجاته التي لم تكن تتطابق دائمًا مع محمولاتها الإيمانية، حيث اعترف الرجل بدستور 1950، على الرغم من نعته لهذا الدستور بأنه علماني، وعلى الرغم من محاولاته الحثيثة لتمرير مادة حول دين الدولة لتكون الإسلام. ولكن فشله لم يجعله ينسحب من الدستور، كما اقترح البعض من الإخوان، بل العكس هو الذي حصل، فقد دعم الدستور بوصفه منتجًا وطنيًا.