أظهر الطلاب السوريون، الذين أُجبروا على مغادرة وطنهم نتيجة الحرب، في سائر الدول التي لجؤوا إليها، قدرةً متميزةً على المثابرة والتفوق في تعلّم اللغات واكتساب المعارف الجديدة، وجدية لافتة ما زالت تثير اهتمام وفضول التربويين. وقد تمثل ذلك في النتائج الجيدة التي يحققها الطلاب في مختلف فروع دراساتهم، على جميع المستويات، وهي نتائج تؤهلهم للحصول على مواقع متقدمة في مجتمعاتهم الجديدة، على أمل أن يتمكنوا في المستقبل القريب من الإسهام في عمليات إعادة دورة الحياة والنهوض في مجتمعهم الأم.

 ولكن النجاحات التي حققها الطلبة السوريون الذين توفرت لهم فرص متابعة الدراسة لا تغطي على الأوضاع الكارثية التي يعيشها الأطفال السوريون الذين لم يتمكنوا من دخول المدرسة نتيجة ظروف الحرب، والنزوح، والظروف الاقتصادية الصعبة التي ترغم كثيرًا من الأطفال على العمل في أسوأ الظروف وأقساها، لتأمين لقمة العيش والأدوية لأسرهم، خاصة أولئك الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، بسبب الحرب أو الاعتقال أو المرض.

الإحصائيات الأممية تشير إلى نحو مليوني طفل سوري لم يدخلوا المدرسة، أو لا يحصلون على التعليم المطلوب، وهي إحصائيات يعتقد أنها لا تغطي اللوحة بكاملها. فالواقع أصعب وأمرّ من ذلك بكثير.

 ملفّ التعليم هو من أهم الملفات، وأكثرها حيوية، بالنسبة إلى سائر المجتمعات، وللمجتمع السوري على وجه التحديد، هذا إذا كنا نفكر في مستقبل أجيالنا القادمة، ونرغب في سورية الموحدة، أرضًا وشعبًا. وهو ملف يستوجب المعالجة، وحلّ كثير من عقده، وذلك لتمكين الطلاب السوريين من الحصول على تعليم أفضل، سواء في مناطق النزوح أم في المخيمات وبلدان اللجوء؛ غير أن هذا لن يتحقق من دون توفر الإدارة الحكيمة، والحرص الوطني والإنساني، ووضع حد لشرور الفاسدين الذين لا يلتزمون بأي اعتبار أخلاقي في مساعيهم التي تنم عن جشع غير محدود.

ومن المشكلات الكبرى التي يعانيها الطلبة السوريون، خاصة في الداخل السوري، مشكلة تعددية المناهج الدراسية، وهيمنة الطابع الأيديولوجي عليها، وذلك حسب طبيعة توجهات القوى التي تسيطر على كل منطقة من مناطق النفوذ؛ وهذا الأمر لا يُسهم قطعًا في تعزيز الشعور بالانتماء الوطني المشترك لدى جميع الطلبة السوريين في مختلف المناطق، بل إنه يرسخ ثقافة التطرف والكراهية والحقد، لأسباب مذهبية أو قومية أو سلطوية، هذا فضلًا عن التعقيدات الإدارية الناجمة عن مسألة عدم الاعتراف بالقسم الأكبر من الوثائق الدراسية السورية، لأسباب كثيرة، في مقدمتها شكلية التعليم، والضعف الحاد في مستواه، وعدم الاعتراف الرسمي بسلطات الأمر الواقع في مناطق النفوذ.

أسابيع قليلة تفصلنا عن الذكرى الحادية عشرة لانطلاقة الثورة السورية، وما زالت الآفاق قاتمة أمام السوريين. أكثر من عشر سنوات مرّت وأطفال سورية يعانون واقعًا بالغ الصعوبة، خاصة في المخيمات، حيث الظروف المعيشية القاسية التي تدمّر الطفولة، وتقضي على كل الأحلام الجميلة؛ أما الصور التي تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي، ووكالات الأنباء، حول معاناة الأطفال السوريين غير المعقولة، خاصة في الشتاء، فهي غيض من فيض. ومع ذلك، فهناك إصرار لا يُوصف من قبل الأطفال السوريين على تحصيل العلوم والمعارف، وذلك لإيمانهم بأن طريق المستقبل يبدأ بالمدرسة.

غير أنّ هذا الإصرار لن يؤدي إلى المطلوب، من دون معالجة حقيقية تضع مصلحة الأطفال السوريين على رأس قائمة الأولويات؛ هذا بينما يفرّخ الحرمان من التعليم جملة مشكلات اجتماعية، ويسلّم جيلًا سوريًا كاملًا إلى المجهول الكارثي.

 لقد هاجر كثير من السوريين من مختلف المناطق من أجل تأمين تعليم مقبول لأبنائهم وبناتهم، وقد أدى هذا الأمر إلى زيادة عدد اللاجئين في دول الجوار، كما دفع كثيرًا من السوريين نحو التوجه إلى المهاجر البعيدة سواء في أوروبا أو غيرها، بحثًا عن الأمن والأمان، وضمان تعليم مقبول لأبنائهم.

المعاناة السورية مستمرة، مع كل أسف، وليس من المعروف موعد انتهائها، وذلك نتيجة تعارض المشاريع الإقليمية والدولية التي اتخذت من سورية ساحة لتصفية الحسابات وإرسال الرسائل.

المشكلات والتحديات التي يواجهها السوريون جسيمة وخطيرة، وستصبح أكثر جسامة وخطورة، إذا ما استمرت الأوضاع الراهنة على حالها. لذلك قد يكون من المفيد بصورة مؤقتة أن يُعهد بملف التعليم إلى الأمم المتحدة، لتتولى من خلال منظمة (يونيسف) عملية وضع المناهج التي تشد السوريين إلى بعضهم، عبر التركيز على المشتركات؛ وذلك بعد الاستفادة من الخبرات الوطنية السورية، ومراعاة الخصوصية السورية. ويمكن الاستفادة في هذا المجال من تجربة المجتمعات الأخرى التي عانت أوضاعًا مشابهة؛ كما يمكن الاستفادة من التجارب التعليمية الناضجة في العالم.

ومن الضروري أن تعمل المنظمة الدولية المعنية على تأمين مستلزمات العملية التعليمية، إلى جانب ضمان الاعتراف بالشهادات السورية بعد استيفاء الشروط المطلوبة، خاصة على صعيد المناهج ومستوى التعليم.

 هذا المقترح لا يعدّ الحل المثالي، بطبيعة الحال، ولكنه ربما يكون الأفضل في ظل الظروف المعقدة التي يعيشها السوريون، وفي مواجهة عمليات الفساد والتلاعب والاستغلال التي تتعرض لها العملية التعليمية السورية في مختلف المناطق، وهي ظروف يبدو أنها ستستمر في المدى المنظور، وإنما هو حل مؤقت في جميع الأحوال، يُؤخذ به ريثما تستقر الأوضاع، ويتم التوصل إلى حل شامل يضع حدًا لمعاناة السوريين بصورة عامة، بعد أن يتم تجاوز واقع انسداد الآفاق الناجم عن تعارض الحسابات والمصالح الإقليمية والدولية الخاصة بسورية، وتباين وتغير الأولويات.

إن تحييد التعليم، وإخراجه من دائرة الصراعات والحسابات، في مختلف مناطق النفوذ التي تتوزع سورية بينها راهنًا، من شأنه المحافظة على ركن أساسي يمكن الاستناد إليه في عملية إعادة ترميم وتوحيد النسيج المجتمعي الوطني السوري. أما إذا استمرت الأمور على حالها، فهذا معناه المزيد من التباعد، والمزيد من الضعف في مواجهة مختلف المشاريع العابرة للحدود التي لا تتوافق مع تطلعات السوريين، ولا تُسهم في تأمين مستقبل أفضل لأجيالهم المقبلة، بل على النقيض من ذلك، يتحول السوريون مع إمكانيات بلدهم إلى وقود لصالح تلك المشاريع.

وبعيدًا عن هذه اللوحة السوداوية التي تمثل واقع التعليم في الداخل السوري، بكل أسف، نعود إلى نجاحات الطلبة السوريين لنشيد ونعتز بها، وهي نجاحات تؤكد قدرة السوريين على النجاح والتألق في مختلف الميادين، إذا ما توفرت لهم البيئة المناسبة، والعوامل المساعدة المحفزة.

إن عدد الناجحين المتميزين من السوريين ليس بالقليل، وسيكون لهم في المستقبل تأثير إيجابي كبير في مجتمعاتهم الجديدة وفي مجتمعهم الأم، وذلك بناء على الملكات النقدية التي اكتسبوها، والمعارف والمهارات التي تزودوا بها. ولكن هذه النجاحات ستظل فردية، ما لم توجد مؤسسات وطنية جامعة تنال ثقة السوريين بصورة عامة، عبر التزامها بأولويات السوريين قبل أي التزام آخر، وتضع في مقدمة اهتماماتها ضرورة طمأنة جميع السوريين، من دون أي استثناء، وتعزز ثقتهم بالمشروع الوطني السوري الجامع الذي يبقى المدخل الآمن السليم لعمليات إعادة بناء الاجتماع والعمران السوريين.