من مشكلات الشعبوية في كل بقاع العالم، بغضّ النظر عن كونها شعبوية قومية أم دينية، يمينية أم يسارية، أنها لا تتعامل مع الانتقادات الموجهة إليها من موقع التحليل والتفكر والرد، بل من موقع التهجم وخلط الأوراق. حتى زعماء الشعبوية يحرصون على تحويل طريقة التعامل مع المشكلات المستجدة، من الطريقة الطبيعية للتعامل معها، وهي المناقشة، واقتراح سيناريوهات للتغلب على تلك المشكلة والتأثير فيها، إلى الطريقة الشعبوية التي تقوم على المزايدة من أجل رفع شعبية رموز الشعبوية بين أتباعهم وتعزير مكانتهم بين مناصريهم.

 بالنسبة إلى الشعبوية الإسلامية، يحدث ذلك كلّما وجّه أحدهم نقدًا إلى أوضاع المسلمين أو عقائدهم أو تراثهم وطريقة عيشهم. آخر تقليعات صراع الشعبويين الإسلاميين كانت مع الرئيس الفرنسي ماكرون، والانتقادات التي وجّهها إلى الإسلام وأوضاع المسلمين في فرنسا؛ إذ قال في خطابه إن: “الإسلام دين يعيش اليوم أزمة في كل مكان بالعالم”، وإن “على فرنسا أن تتصدى للانعزالية الإسلامية التي تريد إقامة نظام موازٍ ينكر الجمهورية الفرنسية”، حيث إن الانعزالية الإسلامية، بحسب ماكرون، تجعل قوانينها فوق قوانين الجمهورية في فرنسا. أتت هذه التصريحات في أثناء زيارة ماكرون إلى ضاحية باريسية فقيرة، حيث طالب أيضًا “بفهم أفضل للإسلام”، و”تعليم اللغة العربية” من قبل الدولة، محملًا السلطات الفرنسية مسؤولية ترك بعض الأحياء تتحول إلى “مجتمعات مغلقة”، مؤكدًا أن تراجع دور السلطات هو ما سمح للآخرين ببناء مشاريع انعزالية.

طبعًا، العبارة التي وقف عندها الشعبويون الإسلاميون هي أن “الإسلام دين يعيش أزمة في كل مكان في العالم”، وهي عبارة غير موفقة، لأنها تستفز المسلمين وتوحي بأن المشكلة في الإسلام ذاته، لا في المسلمين وأوضاعهم وشيوخهم وتعليمهم. ماكرون رجل سياسة، وليس باحثًا أكاديميًا متخصصًا كي يختار مصطلحاته بدقة، وعند التدقيق؛ يبدو أنه قصد في كلامه أوضاع المسلمين، ولا سيّما في فرنسا، وليس الإسلام بحد ذاته. هدف كلامه يأتي في سياق التحضير لقانون جديد، يُتوقع أن يطبق العام القادم، ضد ما سمّاه بـ “الانفصال الشعوري”، وهو قانون يستهدف الحد من دور ممثلي الديانات الذين لا يحترمون مبادئ الدولة العلمانية للجمهورية الفرنسية. حتى إن المطلعين يشيرون إلى أن هذا القانون سيفرض رقابة صارمة على الجمعيات الإسلامية والمساجد التي تتلقى تمويلًا من جهات غير حكومية.

مضمون النقد الشعبوي الإسلامي صدر من جهات عدة، منها مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف، الذي وصف تصريحات ماكرون بـ “العنصرية”، ورأى أن من شأنها أن تؤجج مشاعر ملياري مسلم، فيما اعتبر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن تلك التصريحات دعوة مبطنة لحرب صليبية جديدة، وأنها تؤذي مشاعر مليار و700 مليون مسلم في العالم. واعتبر آخرون أن الرئيس الفرنسي “غبيّ ووقح”، وأنه يخاطر بأصوات 6 ملايين مسلم في فرنسا. أما رابطة العلماء السوريين المعارضة للنظام السوري، فذكّرت بديانة ماكرون الكاثوليكية، مشككة بالحرية والعلمانية التي تدعو لها فرنسا. وأضافت الرابطة أن أزمة الإسلام في “عملاء الغرب المتسلطين على مناهج المسلمين وتفكيرهم ووسائل إعلامهم”، داعية الحكومات والشعوب والمؤسسات لمواجهة هذا الخطاب ومقاطعة الاقتصاد الفرنسي. لا نريد أن نستطرد أكثر في سرد عشرات بل مئات التصريحات والمواقف التي صدرت بحق تصريحات ماكرون، وشملت رؤساء ووزراء ومديري إفتاء وشيوخ مستقلين كلهم يدين ويستنكر ويذكّر بعنصرية التصريحات، حتى إن بعضهم بدأ بقرع طبول الحرب.

 تصريحات ماكرون، وغيره، حول الإسلام والمسلمين غالبًا ما تأتي ضمن حسابات ومواقف سياسية خاصة تتعلق بانتخابات أو صراع أحزاب محلية، ولا تتعلق بالإسلام نفسه. فبالنسبة إلى حالة ماكرون، فإنه يسعى لرفع شعبيته المنهارة، وطرح برامج جديدة، وتقييم عام لسياسات الحكومة علّه يحسّن من وضعه الانتخابي، ولا تتعلق بالإسلام نفسه. حتى حديثه عن “الانعزالية الإسلامية” هو نقد سياسي اجتماعي، وليس دينيًا لمسلمي فرنسا، ولا سيما أنه يشرك السلطات الفرنسية في المسؤولية عن هذه الانعزالية. وعلى ذلك؛ فالمسألة تتحدد في هذه الانعزالية أهي موجودة أم لا، ومن المسؤول عنها؟ وكيف يمكن الخروج منها؟ أي إنها قضية تهم مسلمي فرنسا والحكومة الفرنسية في الدرجة الأولى، ولا أحد يستطيع أن يقدم أو يؤخر في هذه المشكلة سوى هذين الطرفين، وبخاصة أن لدى مسلمي فرنسا عشرات الجمعيات والأئمة وشيوخ المساجد الذين يمثلّونهم.

أما تصريحات كبار علماء الأمة الإسلامية ودعاتها، فتأتي في إطار “البروباغندا الدينية”، التي تسعى إلى تحويل مشكلات المسلمين المحلية، في أي بقعة من العالم، إلى مشكلة عالمية عابرة لحدود الدول، بغية الاستثمار في “مشاعر المسلمين”. في عالم السياسة الحديثة المشكلات محلية بالدرجة الأولى، ويتم التعامل معها على مستوى الفاعلين فيها، سواء كانوا شعوبًا أم دولًا أو مؤسسات. الدعاة ومديرو الروابط والاتحادات الإسلامية لم يعد لهم أي دور يذكر، حتى في دولهم، إلا بالقدر الذي يفسحه لهم الحاكم، بوصفهم شركاء باطنيين معه من موقع التابع. وهو دور لا يختلف عن دور جامعة الدول العربية، ليس له أي قيمة أو معنى على أرض الواقع. هو دور يريد استغلال مشاعر المسلمين والتحدث باسمهم، لأنه يعتبر أن كل المسلمين لا يعرفون مصالحهم وصحيح دينهم إلا عن طريق الأئمة المشايخ والدعاة.

ردات فعلهم وصلت إلى درجة عالية من التعميم المفرط، وتهييج المشاعر لدرجة نسيان أصل القضية بل تجاهل حتى مصالح مسلمي فرنسا. حتى إن دعوة رابطة العلماء السوريين إلى مقاطعة الاقتصاد الفرنسي تعكس عدم معرفة حتى بألف باء السياسة، لأن المسلمين الفرنسيين سيكونون في مقدمة المتضررين من هذه المقاطعة.

يستشعر الزعماء الدينيون الإسلاميون الخطر من تلك التصريحات، لأنها قد تدفع المسلمين إلى التفكير بأوضاعهم وأحوالهم بشكل مستقل عن تلك الزعامات. مشكلتهم مع ماكرون وغيره ليست في الانتقادات التي يوجهها إلى الإسلام والمسلمين، بل في قيم الحرية التي يخشون منها على مكانتهم. قيم الحرية والعلمانية تحوّل الزعامات الدينية إلى أشخاص عاطلين عن العمل، وفاقدين لأي قدرة على التأثير.

اللافت للانتباه في ردّات فعل الزعماء الإسلاميين أنهم يحرصون على ذكر أعداد المسلمين في العالم، أو يذكرون عبارات توحي بأنهم ناطقون باسم كل مسلمي العالم. وهذا يعكس الصراع داخل العالم السنّي على زعامة السنة في العالم. فكل طرف يريد أن يقدم نفسه على أنه مسؤول عن مسلمي فرنسا، بشكل أو بآخر، ويريد أن ينصرهم على أعدائهم المفترضين. هم يعتقدون، بكل بساطة، أن الدين الإسلامي هو ملك لهم، وأنهم المسؤولون عن تدبير شؤون المسلمين في العالم. أي أن دوافعهم ليست دينية بقدر ما هي سياسية تتعلق بالسيطرة وتوسيع دائرة نفوهم.

دائرة نفوذهم الكبرى هي التعليم والمساجد، حيث يحصلون عن طريقها على المكانة والمال والنفوذ. ماكرون يريد منازعتهم على أعز ما يملكون، ولا سيّما أن ماكرون أبدى اهتمامًا بتوسيع نفوذ الدولة على المساجد وتعليم اللغة العربية.

في الأنظمة الديمقراطية، حلت قضية ملكية الدين، فالدين أصبح ملك الناس، لم يعد ملكًا للمؤسسات الدينية ولا حتى للدولة. حتى السياسة أصبحت ملكًا للناس، هم من يقررها عبر الانتخابات والأحزاب، ولا يسمح للزعماء الدينيين بالتدخل في قضايا سياسية عامة. الزعامات الإسلامية السنية، وبطبيعة الحال الشيعية، تريد أن تمتلك الدين والدولة والناس في وقت واحد، على الرغم من أن واقع الثورات العربية يبين بوضوح أنها فئات لا تمتلك الكثير من التأثير والنفوذ على أرض الواقع. حتى إنها تحولت في بعض الأحيان إلى شريك فعال في الثورات المضادة، كما في سورية والعراق ولبنان.

لا يجوز أن يكون الدين الإسلامي بيد الأئمة والدعاة، لأنهم -بكل بساطة- يستغلونه إما لمكانتهم الشخصية ومكاسبهم (غالبية أغنياء)، وإما لإقصاء من يختلفون معه سياسيًا (غالبًا ما يكفّر بعضهم بعضًا بسبب الصراع على السلطة والمال، كما حصل في سورية والعراق) وإما يتاجرون بمكانتهم الدينية، فيدعمون الزعيم الذي يدفع لهم أكثر ويفسح لهم المجال للتكسب عبر الزكاة والتبرعات. حتى معارضتهم للأنظمة السياسية الفاسدة في المنطقة العربية لا تأتي في إطار الانتصار لقيم الحرية وحقوق الإنسان وتحقيق العدالة والمساواة، بل في إطار المنازعة على السلطة. الدين عندهم وسيلة لجلب المصالح والاستقواء حتى على المجتمع والناس العاديين.

أكبر المستفيدين من البروباغندا الدينية هي الأنظمة العربية، التي تعيش أزمة حقيقية بعد عام 2011. فهي تشوش على مطالب السكان المحليين بالعدالة والمساواة، عبر إيجاد مشكلات مزيفة يتم تعبئة الرأي العام بها. بحيث تتراجع المشكلة السياسية في بلد ما لصالح مشكلة تتعلق بتصريحات رئيس دولة أخرى. تحويل مشكلات الناس من مشكلات سياسية تتعلق بالحقوق ونهب الأنظمة شعوبها، إلى مشكلة تتعلق بالهوية والأطماع الاستعمارية وصراع الحضارات، وهذا أمرٌ مفيد جدًا ومغرٍ لتلك الأنظمة.

أما أكبر الخاسرين فهم الناس العاديون. فمثل تلك الزوابع تزيد من سيطرة الزعماء الدينيين عليهم وعلى الرأي العام، كما أنها تقرب بين هؤلاء الزعماء وطغاة المنطقة، لأنها توحد بين مصالحهم. وهذا ما يفسر التشابه التام بين تصريحات الزعماء الدينين المؤيدين والمعارضين للأنظمة، ومزاودتهم على بعضهم البعض. الأمر المأساوي أن تلك البروباغندا تدفع بالمسلمين العاديين، على الأغلب بدون إدراك لخلفية الأمر، إلى مزيد من التطرف والكراهية، فتزداد مشكلات المسلمين بين بعضهم، ومع الشعوب والثقافات الأخرى. والأمر الأكثر مأساوية أن الزعماء الدينيين وطغاة المنطقة يعرفون ذلك جيدًا، ولذلك يستثمرون فيه. فالمتطرفون هم أشخاص يمكن توجيههم والسيطرة عليهم فكريًا بسهولة، بحسب نظريات علم النفس الحديث، ولذلك تاجر بهم حافظ الأسد، وولده من بعده، وكل أنظمة المنطقة. ويبدو أن هذا الاستثمار سيطول، ما لم تتم معالجة أصل المشكلة.