“الشعبوية”، بالمعنى الفكري والسياسي، هي كلمة إشكالية، وتثير جدلًا. نسمعها في كل مكان، في إطار العلوم السياسية والعلوم الاجتماعية، ولا يوجد تعريف محدد وواضح لها، ويصعب اعتبارها مفهومًا، بقدر ما هي ظاهرة أو ممارسة، وهي ليست حكرًا على اليمين، بل لليسار نصيب كبير منها، وهي في العموم أقرب لأن تكون أسلوب خطاب توجّهه النخبة إلى الطبقات الشعبية، أو ممارسة لا تستند إلى العقل، تقوم بها الطبقات الشعبية.

في الغالب الأعم، تُعدّ الشعبوية شتيمة، خاصة حين يعتمد طرفٌ ما على طوفان من الأفكار السطحية المضللة “الشوارعية”، لمعالجة قضايا حساسة، أو لتجييش الشرائح البسيطة الأقلّ إدراكًا ووعيًا، وإثارة مشاعرها بالأكاذيب، وإطلاق الوعود الخلّبية لها. ونادرًا ما تكون إيجابية، عندما يستخدم طرفٌ ما خطابًا مُبسّطًا خفيفًا سلسًا، وكلمات سهلة ومنطقًا شعبيًا صادقًا، لإيصال أفكاره إلى الشرائح البسيطة.

تنتشر “الشعبوية” في سورية، بمعناها الدوني، بين رجالات النظام السوري ومؤيديه، وهو أمرٌ غير مستغرب، فالنظام السوري استند، منذ سيطرته على السلطة، إلى خطاب شعاراتي كاذب “تهويجي” شعبوي تضليلي، لتبرير شموليته وعنفه، وسعى بكل الوسائل إلى تهميش العقل وتعميق الجهل، وحارب العلم والمنطق ودمّر التعليم.

المشكلة الآن أن تستخدم بعض الأطراف السورية المعارضة، ومعهم كثير من السوريين، الشعبوية، بمعناها الدوني، لتفسير القضايا العامة، أو كوسيلة لتغيير موازين القوى، والقضاء على المنافسين، عبر تحريك مشاعر البشر، واستغلال نقاط ضعفهم، وتكريس مفاهيم مغلوطة، ومخاطبة الغرائز، واستسهال تشويه سمعة الآخرين.

يقولون: كلما برز العقل أطلت الشعبوية لتردعه، وكلما تحوّل التفكير إلى فعل، ظهرت الشعبوية لإفشاله، ويساعد على ذلك -في أيامنا هذه- وسائل التواصل الاجتماعي، صاحبة الانتشار الأخطبوطي، التي بات يعدّها البعض مرتعًا شعبويًا يطول الحديث عن مخاطره، حيث يسرح أنصاف الفلاسفة، وحيث يختفي الغث خلف السمين، وحيث بات الجميع زعيمًا بالوهم، يحرّض ويُجيّش وينشر الكراهية من دون سبب أو مبرر أخلاقي أو منطقي.

بين هؤلاء، علمانيون وإسلاميون على حد سواء، يعتمدون على أساليب شعبوية لتهميش فكر بعضهم ورؤيتهم، وقوميون متشددون يعتمدون على أساليب شعبوية شوفينية تجييشية تخوينية، لكسب مؤيدين لقضيتهم، وهناك طبقات اجتماعية مختلفة تلجأ إلى أساليب شعبوية، لتكريس الفروقات الاقتصادية والمدينية والمناطقية، وهناك فاشلون مغمورون يلجؤون إلى “الطبل والزمر” للشهرة وفرض الذات، وطفيليون في عالم السياسة، يعتمدون الشعبوية للتبسيط المفرط للسياسة، وتحويلها إلى مجرد حكايات وكلام مقاه.

فشلت المعارضة السورية، السياسية والحقوقية والأهلية، في تشكيل الوعي الشعبي، الذي يحترم أصحاب التجربة ومن له بصمات في التاريخ، وفشلت في أن تزرع الوعي بأن أي سوري هو مواطن وفقط، بغض النظر عن قوميته ودينه وإثنيته ومنطقته، والوعي بأهمية التخلص من العقائد والأفكار والأيديولوجيات البالية، وبأن الحجّة تُدحض بالحجة، لا بالغرائز والشعبوية وتجييش البشر، وأن الحقيقة والعقل يجب أن يكونا دليل أصحاب الثورة.

قبل عشر سنوات، أخطأت المعارضة السورية حين استخدمت الخطاب الشعبوي لملاقاة رغبات الشارع السوري وترديد شعاراته، التي لم تكن مدروسة سياسيًا، وبدلًا من قيادتها للشارع، انقادت له، وبدلًا من تقديم خطاب سياسي واقعي مدروس يرسم الخطوات والممكنات بعقل وحكمة، رددت خطابات الشارع، وزادت عليه بالرغم من عجزها، فأضرت بالثورة وأسهمت في تأخّر تحقيق أهدافها.

رفض السوريون شعبوية النظام السوري، فقاموا بثورة، ولم يخطر في ذهنهم أنهم سيواجهون شعبوية مماثلة، والآن، بعد عشر سنوات، آن أوان الصحوة، وحان وقت نبذ الشعبوية كاستراتيجية وكأسلوب حوار ومنهج، من صغير القوم إلى كبيرهم، وعلى جميع السوريين أن يتعاملوا بمسؤولية وعقل واحترام، وأن يتمسكوا بأخلاق وقيم الثورة، قيم الديمقراطية والتعددية والتداولية، وقيم احترام الرأي الآخر والتشاركية والغيرية، والتوقف عن حملات الإساءة إلى البشر وتشويه سمعة الآخر، وجعل الهمّ العام أسمى بكثير من الهمّ الخاص، والاقتناع بأن من يمارس الشعبوية صار خصمًا للثورة، ولا فرق كبيرًا بينه وبين النظام الذي ثاروا ضدّه.