تعود بدايات تشكّل الدولة بمفهومها الحديث إلى معاهدة ويستفاليا (1648)، التي أنهت حرب الثلاثين عامًا في أوروبا، وأفضت إلى اتفاقٍ يقضي بتأسيس الدول اعتمادًا على العِرق، وتركت للحاكم تحديد المذهب الديني السائد، مع مراعاة الحرية الدينية. ومن الناحية التاريخية، تُعدّ معاهدة ويستفاليا أولَ اتفاق في العصر الحديث أقام نظامًا جديدًا في أوروبا بالاستناد إلى مبدأ “سيادة الدول” الذي أصبح فيما بعد مبدأً عالميًا، ولكن هذه السيادة -كما نظّر لها هوبز ولوك- كانت تفتقر إلى عنصر أساسي هو أنها لا تقيم أيّ وزن للشعب.

والسيادة، طبقًا لما سبق، تعني حقّ سلطات الدولة في إصدار وإنفاذ قوانينها داخل حدود أراضيها، مع رفض الخضوع أو الامتثال لأي سلطة خارجية، وقد ترك ذلك الحق لكل دولةٍ الحريةَ في العمل والحكم، وفقًا لمصالحها وقوتها، إضافة إلى اختيار شكل نظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي بكامل الحرية. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، أقرّت الأمم المتحدة (التي تأسست حينذاك) هذا المبدأ، واعتمدته أساسًا للعلاقات الدولية الحديثة من خلال ميثاقها: الفصل الأول، الأهداف والمبادئ، المادة الثانية، الفقرة الأولى: “تقوم المنظمة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها”.

منطقتنا العربية عمومًا، وبلدنا سورية خصوصًا، لم تعرف بنية الدولة التي نشأت في أوروبا، كثمرة صراع بين قوى اجتماعية واقتصادية وعسكرية، وكما عبّرت عنه معاهدة ويستفاليا، وتطورت فيما بعد عبر صراعات ونضالات أخرى لتصل إلى شكلها الأساس القائم على الفصل بين سلطاتها الثلاث، وحق المواطنين باختيار حكامهم، وهو الأمر الذي أضفى على مفهوم السيادة بُعدًا ديمقراطيًا، وإنما ظهرت في بلدنا تشكيلات لكيانات جنينية، في مرحلة ما بعد الاستعمار (نهاية الحرب العالمية الثانية)، سرعان ما انقضّ عليها العسكر بالانقلابات، وبنَوا هياكل شكلية سمّوها “المؤسسات”، مهمتها الأولى والأخيرة حماية سلطاتهم وضمان استمراريتها.  ونذكّر بأن فترة الحكومات المدنية في سورية، منذ الاستقلال حتى اليوم، مرّت بمرحلتين: الأولى (1946 -1949) والثانية (1954 -1958) وفي ما عدا ذلك، كان الحكم للعسكر والمخابرات.

أرسى نظام الانقلابات عمومًا بداية التأسيس للنظام الأمني الذي يرتكز على مبدأ أساسي في حكمه، وهو النظر إلى “الشعب” كعدوٍ، لكون النظام لم يأتِ بفعل الانتخابات، بل بفضل الدبابات، ولذلك كان النظام الحاكم ينظر دائمًا نظرة ريبة وشكّ إلى الناس، ويسعى لإخضاعهم لسلطته. وبالطبع، اتخذت صيغ الإخضاع خطابات شتى تلاعبت بمشاعر الناس، وخاصة الوطنية منها (فترة الخمسينيات والستينيات)، ووضعت تلك الأنظمة أنفسها ضمن حالة الصراع المستقطَب في حينها، خلف جدار “محاربة الإمبريالية وإسرائيل”، تاركة قضايا الحرية والكرامة والمعيشة في البند الأخير الذي كانت تُدرجه دائمًا في اجتماعاتها، تحت بند ما يستجدّ من أمور… ومن مفارقات السياسة لدينا أن ذلك البند انتقل إلى الأحزاب “الجماهيرية” القومية واليسارية.

آخر الانقلابات في سورية كان انقلاب حافظ الأسد، الذي استطاع تدريجيًا تحويل السلطات كلّها إلى القصر الرئاسي، بعد أن رتّب المجال العسكري والأمني اعتمادًا على عصبية طائفية، فخلق بذلك نواة صلبة لحكمه ولحكم عائلته، وظهر ذلك جليًا في عملية التوريث وتعديل “الدستور”، المهزلة التي شهدها السوريون عام 2000، وما كان لها أن تحدث، لولا الترتيبات العسكرية والأمنية التي أقامها الأسد طوال مدة حكمه، حيث حصر قيادة فرق الجيش المتضخم وضباط أمنها ورؤساء أركانها معظمهم بطائفته، وكذلك قادة الإدارات الأمنية وفروعها في المحافظات، وشبكات المحسوبية التي ارتبطت بتلك الترتيبات، وخاصة شبكات المال والأعمال.

 ورث بشار السلطة عن أبيه عام 2000، في بيئة هامدة سياسيًا، نتيجة لما فعله الطاغية الأب بالمجتمع السوري من أواخر السبعينيات حتى موته، إذ زجّ الأسد الأب بالمعارضين من مختلف التلوينات السياسية في السجون، وقتل كثيرًا منهم، وهدّم مدينة حماة عام 1982، وقتل فيها ما يقرب من (25) ألف إنسان وشرّد ضعفهم، وهو الأمر الذي أقعد المجتمع السوري في حالة من العجز سهّلت عملية التوريث. فأعاد بشار الأسد ترتيب الجيش والأمن ضمن بيئة مستقرة تدين بالولاء له تبعًا لاعتبارات عدة، طائفية ومصلحية، والجديد الذي أنجزه في تدمير المجتمع السوري هو السيطرة على نخبة المال والأعمال، بعد الهيمنة المطلقة على الجيش والمخابرات، فغدت النواة الطائفية الصلبة تهيمن على فعاليات البلد كافة (جيش، أمن، اقتصاد)، وجعل الولاءَ للنظام سببًا للحصول على الثروة، ولم يعد الربح مرتبطًا بالعمل والإنتاج.

بالرغم من خطاب بشار “الإصلاحي” في بداية تسلّمه السلطة، فإنه -عمليًا- لم يُدخل أي تحسينات وإصلاحات في نظام الدولة على حياة السوريين، وباتت حياتهم أشبه بكابوسٍ مرعبٍ لا نهاية له، فضلًا عن حالة الإفقار التي صارت واضحة بفعل النهب المنظّم لثروات البلاد. وسط ذلك البؤس، لاحت شرارة الثورات العربية التي انطلقت من تونس وانتقلت إلى مصر؛ فأعطت السوريين دافعًا وأملًا بأن الفرصة قد حانت للخلاص من هذا الكابوس الممتد من أربعين عامًا، فانطلقت صيحاتهم الأولى منادية بالكرامة والحرية، وهما أبسط حقوق للبشر. ولم يكن السوريون يريدون أكثر من العيش حياة كريمة، في ظلّ نظام حكمٍ يختارونه بإرادتهم الحرّة من دون هيمنة المخابرات على رؤوسهم. ومعروف لدى الجميع كيف واجه نظام الأسد المتظاهرين.

مع الانتقال إلى المواجهة العسكرية، كان نظام الأسد يخسر الأراضي، على الرغم من وحشيته المؤيَّدة بدعم حليفه الإيراني وميليشياته الطائفية، حيث لم يعد يسيطر عام 2015 على أكثر من ربع سورية، فاستدعى القوات الروسية التي حوّلت جزءًا كبيرًا من البلاد إلى دمار شمل كل أسباب الحياة. وقد كان كلّ هذا القتل والتدمير تحت غطاء “السيادة”، حيث ظلّت الأمم المتحدة تعترف بنظام الأسد ممثلًا لسورية في مكاتبها، وبذلك كان صاحبَ القرار في طلب المساعدة من أيّ دولة أخرى، وإنْ كانت لقتل الناس وتدمير البلاد، وهو ما حدث فعليًا في سورية، حيث احتفظ الجعفري (أحد ملامح وجه الإبادة في سورية) بمكانه في الأمم المتحدة، وكان يوزع التهم الأخلاقية على الآخرين، وكان مبدأ “السيادة” هو ما يجعله وحلفاءه الروس يصنّفون القوات الأجنبية الأخرى بـ “قوات احتلال”، بينما كانت قوات روسيا وإيران وميليشياتهم “قوات صديقة”، دخلت البلد بناء على طلب “الحكومة الشرعية”.

يكشف واقع الحال هذا عن بؤس وخلل كبيرين في مفهوم السيادة الذي أقرّته معاهدة وستفاليا، واعتمدته الأمم المتحدة، إذا غدا غطاءً لممارسات السلطات التي نشأت عمومًا بعد الحرب العالمية الثانية، بكونها سلطات “تحرر وطني”، مع أنها من الناحية الواقعية ليست أكثر من سلطات احتلال جديدة، بكل ما تحمله كلمة احتلال من معنى. وأمام ذلك، صار من الضروري تطوير مفهوم السيادة، إلى صيغة تأخذ في الحسبان ممارسة السلطات تجاه شعوبها، خاصة أن هناك عنصرًا جديدًا أضيف إلى مفهوم الدولة، عدا الأرض والسكان والسلطة، وهو العلاقة مع الناس/ الشعب التي يجب أن تتسم بالمشاركة في اختيار نظام الحكم، والحاكمين. وبذلك؛ يكون مفهوم السيادة بلا أيّ معنى، ما لم يقترن برضا السكان واختيارهم، وهذا ما نشهده فعليًا في سورية. وذلك يعني أن لا سيادة لسلطة طاغية على الأرض والناس، وما ينقصُنا لمواجهة هذه الحال هو إعداد خطة جريئة، تفرض شكلًا من السيادة المشتركة: سيادة المجتمع الدولي مع أبناء البلد، إلى أن يتم بناء واستقرار مؤسسات الدولة الفعلية.

لربما يكون مبدأ “مسؤولية الحماية” نموذجًا ملائمًا للحالة السورية، وهو المبدأ الذي أقرته الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام 2005، في مؤتمر القمة العالمي لمنع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية. وكل هذه الجرائم ظاهرة للعيان في سورية الأسد، ولا سبيل إلى إنكارها. ووفق هذا المبدأ، يصبح الاهتمام بالسيادة الفردية (كتعبير عن ضمان حقوق الأفراد) بمقدار سيادة الدولة. ويعطي ذلك المجتمعَ الدولي دورًا في السيادة المشتركة على الدول التي ترتكب مثل تلك الجرائم.

إن السيادة -بشكلها المعروف- تمنح الدولة الحقّ في الممارسة الحصرية للسلطة على أراضيها، لكن عندما تنحصر سلطة الدولة بارتكاب الجرائم بحق سكانها (اعتقال وتجويع وتهجير وقتل وتدمير المدن والبلدات) وتصبح البلاد مرتعًا للميليشيات والقوى الخارجية؛ تصبح السيادة بحكم الواقع غائبةً، وفي أفضل الأحوال تكون سيادة سلبية تفتقر إلى القدرة المحلية على الإدارة وضمان حقوق الناس والبلاد، وتغدو الدعوة إلى السيادة المشتركة، كشكل جديد من أشكال الوصاية، حقًا قانونيًا للشعوب المضطهَدة، وأداة بيد الأمم المتحدة لتخليص تلك الشعوب من طغاتها والتأسيس لشرعية جديدة، وهي الشرعية الديمقراطية.

لا بدّ من رفض السيادة القائمة على المبدأ الويستفالي، الذي يضمن الحكم المطلق على الناس داخل أراضي البلد، ويغضّ الطرف عن جرائم تلك الدولة وانتهاكاتها بحق سكانها، وإعطاء الأولوية في المفهوم الجديد للسيادة لحقوق الناس وكرامتهم وظروف معيشتهم الآدمية. فالسيادة في النهاية ليست جدارًا أو غطاءً لإخفاء الممارسات القمعية والجرائم المرتكبة بحق السكان، وإنما هي تعبير قانوني وسياسي عن مشاركة الناس في اختيار سلطة تضمن حقوق الناس أولًا، وتصون البلاد ثانيًا، وهذا يستلزم مساءلة الطغاة المختبئين خلف مبدأ السيادة عما اقترفوه بحق تلك الشعوب، وأولهم نظام الأسد.