مرّت على السوريين مواسم عديدة دون أن ينالوا عنبًا، وهم بطبيعة الحال لا يبغون قتل الناطور، كما يقال في المثل الشعبي السوري!

 وبين كل موسم وآخر، يكثر الحديث عن تشكيلات لأجسام سياسية – ثورية ومعارضة جديدة، وإصلاحات لهيئات قائمة، وما بين هذا وذاك، من المهمّ الحديث عن مقومات النجاح في التشكيل أو الإصلاح، ومن ثم عن أولويات السوريين الذين يقبعون تحت الخيام وفي أماكن النزوح ودول اللجوء، والذين يحاولون الخروج ويسعون للوصول إلى دول اللجوء! تحت ضغط ظروف صعبة، أقلّ ما يمكن القول فيها إنها غير صالحة للعيش، في مناطق سيطرة السلطة الحاكمة أو سلطات الأمر الواقع، على تفاوت درجة السوء!

وإذا طرحنا هذه التساؤلات، على جمهور السوريين، فلن نتفاجىء بالإجابات حول أهمية توفر وسائل العيش من مأكل ومشرب ودفء وأمان، وهذا يتشارك فيه السوريون على اختلاف مكان إقامتهم وظروفها، داخل الجغرافية السورية أو جوارها أو بلدان اللجوء!

وتأتي بعد ذلك أولوية حلّ يخفف عن كاهل المواطن أعباء لا طاقة له بها، ولا يكاد يذكر كثير منهم عبارة حل سياسي، بل يقتصر على ذكر كلمة “حلّ” فقط، أيّ حلّ كان! وخاصة الذين يخضعون لسلطة الحكم التي تحتكر مسمى الدولة دون أن تقوم بأدنى وظائفها ومهماتها، في ظل انتشار الجريمة والمخدرات وكل مظاهر فشل الدولة.

وتبقى قضية الأجسام السياسية الممثلة لقوى الثورة والمعارضة أو المحسوبة عليها، كما يصفها آخرون، وإصلاحها محل اهتمام المشتغلين بالشأن السياسي والمهتمين بالشأن العام، وهناك من لا يرى كثيرًا من الأمل، وذلك لتضاؤل فاعليتها والتعقيدات التي وصلت إليها القضية السورية.

ولا شك في أن الإصلاح يحتاج إلى مقومات، أهمّهما الإرادة على مستوى الجسم (المنظمة، الهيئة) وعلى مستوى الأفراد الفاعلين في قيادته. وحين يكون الجسم ائتلافيًا يتكون من مكونات وأحزاب عدة، تكون الصعوبة مضاعفة، كما في حالتي هيئة التفاوض (شبه المعطلة منذ سنتين) أو الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة، الذي يدور حديث عن رغبة جدية في إصلاحه، وهو الجسم السياسي المعترف به من الجمعية العامة للأمم المتحدة كممثل شرعي للشعب السوري.

وهذه الرغبة في عملية الإصلاح قديمة ومتجددة ومتكررة، ولم تفضِ إلى تغييرات ملموسة، ولم تصل إلى وضع نظام عمل واضح في آلية ضم الأعضاء واستبدالهم أو آلية توسيع الائتلاف ليضمّ قوى ومكونات أخرى. وكأن بورصة الإصلاح والتغيير تأتي بعد كل دورة انتخابات لهيئة الرئاسة، ثم لا تلبث أن تخبو ضمن ضبط التوازنات داخليًا، وربما لحسابات انتخابية ضمن السيطرة على مفاصل هذا الجسم.

واذا اعتبرنا أن الأشخاص الفاعلين فيه وقادته يمتلكون النية الصادقة والإرادة والرغبة في الإصلاح؛ فما مدى قدرتهم على ذلك؟ وما مدى قبول مكونات الائتلاف لدخول مكونات جديدة، وإعادة توزيع التمثيل في المناصب واللجان..؟

ومن البديهي أيضًا طرح قابلية الإصلاح بنيويًا، فغالبًا تقوم بنية الأجسام المركبة كالائتلاف على اتفاق سياسي بين المكونات الرئيسية، ويلي ذلك بناء تنظيمي يقوم على حصص في سلّم الإدارة والقيادة.

وفي ظل تغيرات عديدة على مدى سنوات، كانت هناك مكونات بحاجة إلى مراجعة وجودها ومسمياتها، وربما لم يعد لها وجود فعلي. ويمكن أيضًا طرح التساؤل المشروع: هل التوقيت مناسب، بعد كل هذا التأخير؟ وكم هي المدة التي يمكن أن ينجز فيها الائتلاف عملية الإصلاح، في ظلّ الظروف الإقليمية والدولية والوطنية؟! وهل تملك مكونات الائتلاف وقيادته القدرة على ضمّ مكونات سياسية مختلفة دون خطوط حمر خارجية، خاصة بعد انسحاب تيارات وظهور العديد من القوى السياسية الجديدة؟!

ونحن نعلم أيضًا أن البيئة الوطنية والثورية المعارضة تغيرت مع تطورات الأوضاع السياسية، منذ تشكيل الائتلاف حتى الوقت الراهن. وأن أي إصلاح حقيقي، لا يستند إلى قاعدة توسيع التمثيل بضمّ قوى فاعلة أو لنقل منظمة تحت عناوين وطنية جامعة، لن يكتب له النجاح، وسيبقى في إطار المحاصصة والاحتكار.

و من البديهي أن ما ينتظره السوريون ويتطلعون إليه هو أي إنجاز ملموس يُظهر النور في نهاية النفق، أكثر من أي شيء آخر، وأكاد أجزم أن الإصلاح التنظيمي، على ضرورته التي قد تكون تدنت درجة أهميته وقلّت الثقة في إحرازه، لم يعد أولوية، والأولوية للإنجاز والقدرة على تفعيل مسارات الحل السياسي الذي يضمن الكرامة والأمان، والتمسك بمرجعية جنيف وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، والقدرة على تحرير فاعلية السوريين المرتهنة لوجود قوى إقليمية ودولية ضمن حدود الصراعات وتداخل الملفات المتعددة، في ظل تحولات لم تتضح معالمها بعد.

وهنا، تقع المسؤولية على كلّ من تصدروا المشهد، أن يكونوا على قدر الأمانة، على الأقل في صدق النيّات والعمل، والتمسك بثوابت وأهداف ثورة الكرامة وحق الشعب السوري في العيش الكريم، في دولة تحترم إنسانيته وحقوقه، وعلى (الناطور) أن يكون أمينًا حارسًا أو ليدع العمل لسواه.

عملية الإصلاح والتجديد عملية مستمرة، ولا يوجد لها تاريخ انتهاء صلاحية، وهي لا تحتاج إلا إلى الإخلاص وتغليب المصلحة الوطنية، ووضع أسس بناء مؤسساتي ذي هيكلية واضحة ووسائل تداول ديمقراطية شفافة. وختامًا، السوريون يريدون العنب وليسلم الناطور.