عبّر بعض السوريين المعارضين عن صدمتهم الاندهاشية، في وسائل التواصل الاجتماعي، من بعض المشاهدات الاحتفالية المبالغ فيها في مناطق النظام، في فترة الحملة الانتخابية لرئاسة الجمهورية وإعلان فوز بشار الأسد، وقد عبّر البعض عن العجز في تفسير هذا السلوك الاحتفالي من قبل بعض السوريين الذين فقدوا أعزّ الأشخاص عليهم، من خلال القتل والاعتقال الجماعي، من قبل هذا النظام السياسي الذي يحتفل باستمراره في القتل والاعتقال للسورين كافة، وقد يكون المحتفلون بعض ضحاياه في المستقبل القريب، إضافة إلى فقدانهم للحد الأدنى من مقومات الحياة من طعام وأمن.

 في محاولة علمية لتفسير هذا السلوك الاحتفالي لهؤلاء السوريين، لا بدّ من تحليل البنية النفسية الاجتماعية للشخصيات المحتفلة بهذه المناسبات السياسية، التي ينسق ويجند النظام السوري مؤسسات الدولة السورية كافة لها مسبقًا.

في البداية، لا بدّ من الاعتراف بالازدواجية الشخصية المتغلغلة في البنية النفسية والاجتماعية لهؤلاء المحتفلين في هذه المسرحية الانتخابية، حيث يعيشون حالة صراع بين قيم ومثل عليا متوفرة في شخصيتهم، وفي الوقت نفسه لديهم استعداد للانحراف والتخلي عنها في الوقت الذي يجدون فيه خطرًا يحيط بهم كالاعتقال والموت أو التهجير، لذلك تجدهم يشاركون في هذه الاحتفالات لتجنب هذه الأخطار.

في مقابلة أولية لنماذج من هذه الشخصيات السورية في أثناء هذه الاحتفالات، تجدها تميل إلى إبراز عناصر القوة والغلبة تجاه السوريين الآخرين في احتفالاتهم، وفي الوقت نفسه، يشكون من ظلم وقهر مؤسسات النظام السوري وخاصة الأمنية؛ فالعاملون في مؤسسات الحكومة يشتكون من هواجس الفصل من العمل وانقطاع الدخل المالي الذي يكاد يؤمن لهم لقمة الخبز، والمزارع يشتكي من الامتناع من تزويده بالمحروقات اللازمة لسقاية محصوله الزراعي، والصناعي يشتكي من قلة المواد الأولية لمنشئته الصناعية، حتى النساء تشتكي من هواجس منع استلام ربطة الخبز عن طريق البطاقة الذكية المخصصة لكل عائلة، وكذلك حال غيرهم ….

لذلك نجد أن مبررات مشاركاتهم الاحتفالية مع النظام بالانتخابات التي يدرك السوريون كافة عدم شرعيتها ونزاهتها، هي الخوف من القتل والاعتقال، وفي الوقت نفسه هم يرغبون في أن يكونوا مصدر قوة وخوف للآخرين، كونهم يعلنون موالاتهم للنظام الحاكم، إضافة إلى حالة (النوستالجيا) التي أصابت العديد من السوريين، بعد ثورة 2011 الناتجة عن الإحباط الذي تغلغل في شخصياتهم، بعد الفشل في إسقاط النظام الذي كان سقوطه قاب قوسين أو أدنى بالنسبة إلى معظم السوريين، وبالتالي الحنين إلى العودة إلى ما هو معتاد من سلوكيات احتفالية، تُظهر الولاء للنظام السوري والشعور بالأمن والاستقرار كما كان قبل 2011، بحسب اعتقادهم.

كذلك كان لطبيعة النظام السوري الاستبدادية الذي يحكم منذ خمسة عقود دورٌ في تنشئة معظم السوريين على الخضوع وعدم الاقتراب من معارضة السلطة أو نقدها، لذلك تمحورت تنشئتهم على الكوابح والحدود والخطوط الحمراء التي زرعت في نفوسهم المخاوف من التفكير المنطقي والحرّ والاحتجاج، كنتيجة طبيعية لهذا الاستبداد الوحشي الذي اعتاد قتل واعتقال من يخرج على سلطته، وهذا ما ساعد في نكوص بعض السوريين عن الثورة والمعارضة، والعودة إلى احتفالات النظام السوري المعتادة قبل 2011.

نلحظ في السنوات الأخيرة التي تلت الثورة، ومن بعدها الحرب، وجود ثلاثة أنماط من السلوك السياسي لدى السوريين بالتعاطي مع الشأن السياسي السوري: الأول أصحاب السلوك الرافض للتغيير الذين وقفوا إلى جانب النظام وقاتلوا إلى جانبه المحتجين والمتظاهرين من الأيام الأولى لثورة 2011، الذين يشكّلون النمط الثاني من السوريين الذين تشتتوا في المعتقلات والقتل والتهجير القسري خارج سورية، والنمط الثالث هم أصحاب السلوك الذين يرغبون في التغيير ويتعاطفون مع المحتجين، ويتمنون أن يكونوا معهم، ولكنهم في الوقت نفسه لا يرغبون في الاصطدام مع النظام السوري حتى لا ينالوا ما نال المعارضين والمحتجين من اعتقال وموت وتهجير قسري خارج سورية.

في ضوء ما تقدّم، أصبح السوريون أمام نمطين من السلوك السياسي في مناطق النظام السوري: الأول نمط متشبع بقيم الموالاة للسلطة والخضوع لها، وقد عبّر عن ذلك في هذه السلوكيات الاحتفالية المبالغ فيها، والنمط الثاني نمط سلوكي جديد يتبنى قيم التغيير والحرية، وقد أصبح معظمه خارج سورية، أو اضطر إلى الاختفاء في البيوت في احتفالات النظام، لذلك بدا للمشاهدين من خارج سورية أن السوريين كافة يوالون هذا النظام، من خلال التعبير عن ذلك بهذه الاحتفالات الانتخابية المبالغ فيها.

أيضًا، يمكن الاستفادة بتفسير هذا السلوك الاحتفالي بما أشار إليه الأكاديمي الأميركي (دافيد باتريك هوتون) في بحثه «علم نفس الطاعة» بـ “الطاعة السياسية” أي ما يجعل الأفراد يطيعون سلطة عليا مثل النظام الاستبدادي حتى لو كانت هذه الطاعة المطلقة  تتناقض مع القيم والأخلاق المثلى التي يتبنونها نظريًا.

استنادًا إلى العديد من النظريات النفسية والاجتماعية؛ يمكن تفسير هذا السلوك الاحتفالي في المسرحية الانتخابية الهابطة التي أنجزها النظام السوري على أنقاض المدن السورية والمقابر الجماعية وغياب ملايين السوريين نتيجة التهجير الممنهج من قبله، بالآتي:

  1. تبين أن هناك علاقة بين السلوك السياسي (الاحتفالي) والشعور بالقوة داخليًا التي افتقدها بعض السوريين المواليين للنظام السوري خلال الثورة والحرب في السنوات العشرة الأخيرة.
  2. يمكن الربط بين السلوك السياسي الاحتفالي لدى هؤلاء المحتفلين، وبين النزعة السلطوية المتغلغلة في التكوين النفسي لبنية شخصيتهم التي يمكن التعبير عنها وبروزها في مناسبات احتفالية كهذه.
  3. كذلك يمكن تفسير هذا (السلوك الاحتفالي) كظاهرة سائدة لدى بعض السوريين، بالشعور بالعجز واليأس واللاجدوى من الثورة والتغيير، بعد الفشل الذي أصابها في السنوات العشرة الأخيرة، أي انهيار شعور الفرد بارتباطه بالمجتمع السوري، لذلك يلجأ إلى الميل للارتباط بمؤسسات النظام السوري، وخاصة الأمنية الفاعلة في الأنساق الاجتماعية السورية كافة.
  4. أيضًا يمكن تفسير هذا السلوك الاحتفالي بأنه تعويض عن الحاجة غير المشبعة إلى تقدير الذات (الشخصية) لدى بعض السوريين، لذلك نلحظ اعتماد النظام على الشخصيات المتصدعة أخلاقيًا واجتماعيًا، فهي الأكثر قدرة على الطاعة المطلقة في خدمته.
  5. كذلك يمكن تفسير هذه الظاهرة بالجمود العقائدي لدى البعض، الذين يرفضون كل الأفكار التي تتعارض مع معتقداتهم التي اعتادوها، والذين لا يتقبلون إلا الأفكار الصادرة عن القيادة (الحكيمة)، على حد تعبيرهم، باعتبارها الأكثر دراية منهم.
  6. أيضًا يمكن تفسير قبول النظام السوري بهذا السلوك الاحتفالي الزائف المبالغ به، وهو الذي يدرك جيدًا أن معظم السوريين معارضون ورافضون له، بالعقاب والإذلال على نيّاتهم المعارضة له.

أعتقد أن على المعارضة السورية أنّ تدركَ أن هذه الاحتفالات الانتخابية الخلبية هي من صناعة النظام السوري، ولذلك عليها أن تجد الأساليب والوسائل السياسية الجديدة للتواصل السياسي والتفاعل مع هؤلاء المحتفلين من السوريين، وخاصة المغلوبين على أمرهم، وعدم التخلّي عنهم وعدم تركهم في خانة النظام السوري، كما يرغب ويفعل من أجل ذلك، والابتعاد عن لغة الشتائم اتجاههم، التي اعتاد النظام السوري ممارستها تجاه المعارضة كردة فعل عليها.