للسلطات الحاكمة قدرةٌ على التلاعب ببعض رجال الدين والمجتمع، لتحرّف دينًا سماويًا؛ فتؤسس من خلال فرقة ما أو مذهب ديني تابع لديانة سماوية ديانةً مستقلة، ونتيجة قدرة السلطة، ترغيبًا وترهيبًا، تتحول هذه الفرق أو المذاهب إلى أديان مصنوعة صناعة سلطوية، ومع مرور السنين والاستسلام للصناعة السلطوية؛ تنشأ أجيال مؤمنة بهذا الدين الموازي، على أنه حقّ مطلق، حتى تجد كثيرًا من الشعبويين الجهّال يضحّون بأنفسهم، لأجل هذا التديّن الموازي الذي صنعته السلطة في مرحلة زمنية ما.

هذا الكلام على غرابته يحتاج إلى دليل، وسنسوق أدلّة تاريخية على ذلك، ونبدأ من أوروبا.

من فلاديمير الأول إلى لينين، في روسيا السلطة تصنع دينًا للشعب

كان فلاديمير أمير “كييف” في القرن العاشر ميلادي، وثنيًا متعصبًا، فاعتنق المسيحية الأرثدوكسية، وكان السلاف الشرقيون في ذلك الوقت وثنيين؛ فأجبر كلَّ من تحت حكمه على الإيمان بالأرثوذكسية! سادة وعبيدًا، أغنياء وفقراء؛ فصنعت السلطة إيمانًا لرعاياها، أخذ مع الأيام ينتشر في الإمبراطورية ويتمدد، ليصل عدد الكنائس الأرثدوكسية عام 1914 إلى نحو 55,173 كنيسة، وحوالي 29,593 مصلى، وقرابة 112,629 كهنة وشمامسة، وكذلك كان هناك 550 ديرًا فيها 95,259 راهبًا وراهبة. وتوارث الروس التدين الأرثوذكسي الذي فُرِضَ على آبائهم وأجدادهم، بالحديد والنار، وبقي هو المذهب الوحيد، وكان ما سواه من التديّن ممنوعًا.

بدخول الثورة الصناعية إلى روسيا، شهدت الإمبراطورية اضطرابات ومطالبات سياسية ودينية واقتصادية؛ فصدر عام 1905 مرسومٌ يسمح بتعدد الأديان في روسيا، لكن الناس هناك لم ينعموا بهذه التعددية طويلًا، ففي عام 1917، قاد البلاشفة بزعامة “لينين” ثورتهم الثانية، التي اتخذت أيديولوجيتها من أفكار كارل ماركس.

وما بين 1917/1922، أسّست روسيا الاتحادية النواةَ الأساسية للاتحاد السوفيتي، وأُعلن الاتحادُ رسميًا في 26 كانون الثاني/ ديسمبر 1922، وبدأ بأربع دول، ثم توسّع ليشمل دولًا عدة، أطلق عليها “الاتحاد السوفيتي”. واضطهدت السلطة السوفيتية المسيحيين الأرثدوكس، واستبدلت بدينهم الأيديولوجية الماركسية اللينينية، وجعلت الإلحاد المذهب الرسمي للاتحاد! فقمعت الشعوب الذين باتوا تحت حكمها، من مسلمين ومسيحيين ويهود، وفرضت الإلحاد بالحديد والنار، وصنعت منه عقيدة جديدة بقرار سلطوي؛ فحرّمت الإيمان بالله، ودمّرت بعض الكنائس والمعابد والمساجد، ونفّذت أحكام الإعدام بالقيادات الدينية! وأغرقت المدارس والجامعات ووسائل الإعلام بتعاليم الإلحاد، حتى إن بعض المصادر قالت إن عدد ضحايا القمع الديني للمسيحيين فقط يُقدّر بما يراوح بين 12-20 مليون، وهكذا صنعت السلطة تدينًا جديدًا للروس.

فلاديمير الأول صنع تديّنًا أرثوذكسيًا بالقوة، ثم انقلب عليه البلاشفة باعتماد الإلحاد، بعد عشرة قرون، وبقي السوفييت ملحدين بقرار سلطوي حوالي سبعين عامًا، حتى تفكك الاتحاد السوفيتي. وهكذا صنعت السلطة، بحسب مصالحها وأيديولوجيتها، الدّينَ الموافق لها، حتى يؤمن به الشعب، وتستقر السلطة دون مشكلات.

وفي شرقنا البائس المثال الآخر

من الخليفة المتوكل إلى القادر بالله، كيف صنعت السلطة دينًا موازيًا؟

قرّر الخليفة العباسي المأمون أن يكون فهم الناس للإسلام متوافقًا مع نظرية المعتزلة، وكلّ من يخالفها يُنَكْل به، فاضطهد العلماءَ المخالفين لرأي المعتزلة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل! وبقي ابن حنبل معتقلًا أيام خلافة المأمون فالمعتصم بالله ثم الواثق بالله، حيث إنّ الخلفاء العباسيين الثلاثة كانوا قد تبنّوا الإيمان الاعتزالي! حتى جاء المتوكل، وكان على خلاف مع أبيه المعتصم وأخيه الواثق، فأطلق الحنابلة من المعتقل، وأمر باعتماد الرأي الحنبلي في الإيمان!

وبقي الأمر كذلك، وكانت الساحة الإسلامية فيها شيء من التنوع في الاعتقاد الديني، ما بين المعتزلة والحنابلة والأشاعرة، حتى جاء عهد الخليفة العباسي القادر بالله (381 – 422هـ) الذي شهد انقلابًا فكريًا وعقديًا على المذاهب الاعتقادية والفقهية، لصالح الفهم السلفي الحنبلي، عندما جمع الخليفةُ القادر القضاةَ والعلماءَ والفقهاءَ، وأجبرهم على الإقرار بمرسومه الذي يشرح عقيدة أهل السنّة سلفيًا، كما يراها، فكفّر الأشاعرة والمعتزلة والشيعة! وكان البعد السياسي للخصومة مع الشيعة والمعتزلة واضحًا ما بين سطور المرسوم، الذي قال بأن الفهم السلفي الحنبلي هو الفهم الصحيح، وما سواه من أفكار فسق وكفر، يستحق صاحبها العقاب والتنكيل!

فحرّم الاعتقاد القادري المقولات العقلانية، وجرّم من يعمل بعلم الكلام، الذي أراده الإمام أبو الحسن الأشعري محاولة لخرق الهيمنة الحنبلية على العقل الإسلامي، وحالة توفيقية مع الفكر الاعتزالي بعد تهذيبه. وهناك شبه إجماع عند المؤرخين على أن كاتب المرسوم القادري هو الحنبلي “محمد الكرجي”، نسبة إلى مدينة فارسية تُدعى “الكَرَج”، بين همذان وأصفهان، وكان معروفًا بقسوته أثناء معارك الفتوحات حتى أُطلِق عليه “القصّاب”، إضافة إلى تعصّبه للحنبلية، ومعارضته الشديدة لتأويلات المعتزلة، وكان الخليفة القادر محتاجًا إلى الكرجي في تحريض الناس وجمعهم أثناء الذهاب للفتوحات، فأصبح الاعتقاد القادري هو الفهم المفروض من السلطة، وأصبح معظم الناس حنبلية/ سلفية في فهم الدين.

الاعتقاد القادري اعتمد أن العقيدة الصحيحة هي عقيدة السلف التي أطّرها ابن حنبل في قضية خلق القرآن، واعتبر الصحابة كلهم عدول! وحسم الجدل حول الصفات الإلهية لصالح رأي الحنابلة، ورفض مقولات المعتزلة والأشعرية والشيعة، لذا يمكننا القول: إن الاعتقاد القادري هو اللحظة التاريخية لتعميد السلفية كمنهج لفهم الإسلام، رسميًا وسلطويًا. وهكذا أصبح الإيمان السلفي هو إيمان الناس، وهيمن أهل النقل على المعرفة الدينية، وغدت العملية العقلانية، في التعامل مع النص الديني وفلسفة المعرفة الدينية، يُنظر إليها وكأنها هرطقة وسفسطة، يُراد منها هدم الدين، ولا يزال طالبُ العلم التقليدي، حتى يومنا هذا، ينظر إلى الفلاسفة وآرائهم بشك وريبة ويعدّهم زنادقة!

ونتساءل: ماذا لو كان الخليفة القادر معتزليًا وليس سلفيًا؟ بالتأكيد؛ سيختلف مفهوم الإيمان عندنا اليوم كثيرًا، ولكن السلطة كان لها دور كبير في صناعة الاعتقاد الإسلامي السلفي، الذي بات اليوم مشكلة كبيرة في تعامل المسلمين بين بعضهم بعضًا ومع الآخرين.

وعندما آلت مقاليد السلطة إلى العثمانيين، انقلبوا على السلفية، وجعلوا الأشعرية اعتقاد الإمبراطورية، ونشروا التصوّف في متصرفياتهم، فكان مذهب الإمبراطورية حنفيًا، واعتقادها أشعريًا، وسلوكها صوفيًا، وتم نشر هذا النوع من التديّن بين كلّ الشعوب الخاضعة لسلطتها. وكذلك الحال مع السعودية في اعتمادها للوهابية، وإيران في تشيّعها الصفوي، بعد أن كانت شافعية المذهب.

أين المشكلة؟

المشكلة عندما تتدخل الدولة في إيمان المجتمع، لتفرض رأيًا واحدًا تتبناه، فهي بذلك تصنع إيمانًا للمجتمع، وستتحول من حَكَمٍ بين المواطنين إلى حاكم عليهم، وباسم دينها الذي صنعته، ستحاكم معارضيها وتكفّرهم وتخوّنهم وتسفك دماءهم!

النتيجة التي نريد الوصول إليها

السلطة، أو الأصح الدولة، عندما تفقد حيادها بين المذاهب والطوائف أو مكونات، ستفرض بقوتها نمط تدينٍ يُسهم في بقائها على رقاب العباد مستبدةً بهم، وستؤدلج الدين، فلا تعود لحقيقته أهمية إلا بالمقدار الذي يخدم هدف السلطة.

ولذلك، حتى نكون أحرارًا على الأقل في إيماننا، يجب أن يحتوي الدستور على مادة فوق دستورية، تؤكد التزام الدولة بالحياد تجاه كل الأديان والمذاهب والطوائف، لكونها كائنًا اعتباريًا لا دين له، فهي مؤسسة إدارية مفوضة من خلال الدستور والقانون بتسيير أمور المجتمع، وخدمة أبنائه، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والطائفية والمذهبية، ولأنها عندما تفرض تجاهًا دينيًا محددًا تدفع غير المقتنعين برؤيتها، إما إلى الثورة عليها، وإما إلى النفاق لها، وفي كلتا الحالتين يغيب السلم الأهلي فيها، ولذلك يجب أن تحترم الدولة اختيار المواطن الإيماني وتحميه، وهذا هو روح العلمانية.

وكل سلطة تقهر مواطنيها على اعتقاد محدد، أو تميز بينهم دينيًا، هي دولة مستبدة دكتاتورية، غير صالحة لقيادة المجتمع، وسيثور المقهورون عليها يومًا ما، والوقائع التاريخية تؤكد أن الدين إذا كان في أسْر السلطة فإنها ستتلاعب به، وتشكله كما يتناسب مع استبدادها، ولن تكون هناك حرية وكرامة وعدالة اجتماعية فيها، ولا دين حقيقي.

أخيرًا: في الدولة الحديثة، تكون مرجعية الدولة دستورها، والدستور قابل للتغير والتجديد، بحسب حاجة المجتمع، وشرعتها القانون المنبثق عنه، ونتذكر هنا كلمة برتراند راسل: “قد تقضي عمرك وأنت تعتقد بأنك تدافع عن أفكارك، ثم تكتشف أنك في الحقيقة تدافع عن أفكارهم التي زرعوها في عقلك”.