أصدر شيخ قرّاء دمشق محمد كريم راجح بيانًا، على صفحته الشخصية في (فيسبوك)، يتحدّث فيه عن حربٍ تُشنّ على الإسلام، تحت عنوان (لا كرامة لمن يتعرّض لديننا بسوء). بدأه بقوله إنها “حربٌ على الإسلام من جميع الجبهات والجهات حكومات وقضاء، إعلام عام وخاص، مباشر وغير مباشر، حتى الإعلام الذي يدّعي التديّن”.

وجاء في البيان، بدءًا من عنوانه أو فقراته حتى توقيعه، جملٌ ودعوات غاية في الخطورة، إنْ على السّلم الأهلي الذي نريده أن يعمَّ سوريتنا وشرقنا الحزين المكلوم، أو على الإسلام نفسه، حيث إن البيان يرفض الرأي الآخر، ويطالب بإلغائه، بل وصلت بعض مطالبات الشيخ راجح، بدعوات مبطنة، إلى اغتيال من يخالف فهمه وفهم مدرسته للدّين، معنويًا أو ماديًا، مطالبًا أتباعه بالهجوم على الآخرين، لا الدفاع عن الإسلام.

تعالوا لنناقش بهدوء فقرات البيان، ونعرضها على القرآن الكريم، والعقلانية، والإنسانية، التي أمرَنا بها دينُنا في التعامل مع المخالف، وكذلك على الوحدة الوطنية، والسّلم الأهلي.

في عنوان البيان

بدأ الشيخ بيانَه بجملة قتالية لا حكمة فيها، إذ قال: “مهمّتنا الهجوم وليس الدفاع. لا كرامة لمن يتعرّض لديننا بسوء“. وهذه جملة تدعو إلى حربٍ أهلية، بكل الطرق، ضدّ كلّ من يخالف فهم الشيخ ومدرسته التقليدية للإسلام! وهو يعلم أن فهم الإسلام مختلفٌ من مدرسة لأخرى، ومن مذهب لآخر، ومن طائفة لأخرى، فما نراه كسُنّة تجاه احترام الصحابة، يخالفنا فيه الشيعة بمدارسهم المختلفة، فماذا ستفعل معهم، وهم موجودون في سورية وغيرها من البلدان العربية والإسلامية؟! كذلك هناك طوائف أخرى، في سورية وفي غيرها، لا ترى الإسلام من منظورك، فهل نحاربهم؟ أم نبحث عن مشتركات إنسانية أخلاقية ذات قيمة إيمانية عليا، تؤكد نجاة الآخر كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة:62. وهذه آية تكرّرت أكثر من مرة في القرآن، تبيّن مثلث النجاة غير المذهبي والطائفي. ثم، كيف تلغي وتهدر كرامة الآخر، وأنت الشيخ الوقور، والقرآن الكريم كرّم الإنسان بوصفه إنسانًا قبل تديّنه، إذ قال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}. الإسراء:70.

ولقد كرّمنا بني آدم، ولم يقُلْ لقد كرّمنا المسلم أو المسيحي أو اليهودي، ولم يقل أهدِروا كرامةَ من لا يؤمن كإيمانكم، إنما طالبنا أن نحاوره: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} النحل:125؛ فأين الآية التي تهدرُ كرامة الآخر في القرآن، وأنت حافظ وحامل له؟ وعندما تطالب تلاميذك وأتباعك بهدر كرامة الآخرين، وسورية فيها مكونات كثيرة تختلف معك وتصل نسبتهم إلى النصف أو أكثر، فماذا أبقيتَ للقضاء والقانون والشريعة، أيّها الشيخ الفاضل؟! أليس هذا تمردًا على القضاء والقانون والعُرف؟!

حول المؤامرة على الإسلام!

اعتبر البيان أن الذين “أغلقوا الحرمين بوجه المسلمين بحجة الكورونا، وحرموا ملايين المسلمين من تأدية شعيرة الحج، كأنهم أوصياء على المسلمين“، وأن ذلك مؤامرةٌ على الإسلام! ألا تحتاج مناسك الحج إلى جهة تنظّم وفود الحجيج إليها؟ أم يُترك الأمر فوضى لملايين الحجاج؟! ثم قال البيان: “باعَدوا بين المصلّين بحجة العدوى، وكأن العدوى لا تكون إلا في المساجد، أما الأماكن الأخرى فلا عدوى“.

عجيب أمرُك شيخ كريم، يبدو أنك لا تخرج من صومعتك، ويأتيك بالأخبار عن العالم الخارجي من لا يرى إلا ما يريد. فلقد تم إغلاق الكنائس والمعابد كلّها، وأغلقت المطاعم في العالم كله، والمقاهي، وجُعل النشاط الرياضي بلا جمهور، وتوقفت كلّ التجمعات، بل مُنعت حتى حفلات الزواج، حتى لا تنتقل العدوى للآخرين حفاظًا على حياة الناس. هذا مؤكد أيّها الشيخ، وإنْ كنتَ لا تعلم به، فتلك مشكلتك، وليست القضية مؤامرة علينا كمسلمين. ولقد قالها قبلك رجال دين مسيحيون ويهود أنها مؤامرة على المسيحية واليهودية. سبحان الله، أنتم رجال الدين لا تفكّرون إلا بالمؤامرة!

يا شيخنا، المساجد أُغلقت في تركيا والسعودية وبلاد المسلمين، بأمرٍ من سُلطاتها، ولم يأمر بايدن ولا ميركل ولا نتنياهو بإغلاقها! ولم تغلقها الأمم المتحدة أو الماسونية. فلماذا يكون الحَجر الصحي مؤامرةً على الإسلام، ولا يكون كذلك مؤامرة على المسيحية واليهودية والبوذية؟! ثم، ألم يتحدث نبيّنا الكريم عن ضرورة الوقاية والحجر الصحي في أحاديث كثيرة؟ منها على سبيل المثال لا الحصر: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْض فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ». وقال -صلى الله عليه وسلم- أيضًا: «لاَ يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» ([1]) وقال عليه الصلاة والسلام: «ليس مِن رَجُلٍ يَقَعَ الطاعونُ فيَمكُثُ في بَيتِه صابِرًا مُحتَسِبًا يَعلَمُ أنَّه لا يُصيبُه إلَّا ما كَتَبَ اللهُ له إلَّا كان له مِثلُ أجْرِ الشَّهيدِ». وفي رواية: (فيَمكُثُ في بَلَدِه صابِرًا) ([2]).

هل أنت ضد هذه الأحاديث الصحيحة، بحسب منهجكم. وتتذكر قصة أبي عبيدة في طاعون عمواس، وكيف منع الجند من دخول الشام؟ فهل كان أبو عبيدة الجراح يتآمر على الإسلام والمسلمين؟!

إثارة عاطفة متابعين وغرائزهم الدينية؟ وثقافة السلة الواحدة مخالفة لمنهج القرآن الكريم؟

ادّعيتَ أن مَن يهاجمون الإسلامَ هم أذناب وأجراء الحكام. وهذا إدراج وتدليس لاستثارة عواطف المتدينين شعبويًا، وتحريض ديني عاطفي بأنهم سبب ما جرى في أزمة كورونا ونقد المؤسسات الدينية وبعض دعاة الفضائيات، وهو تعميم لا يصحّ، إذ إنك تصف كل من يخالفك بالرؤيا والفهم للدين بأنه عميل وأجير! فمن أعطاك الحقّ في الحكم على هؤلاء، وأنتَ تعلم أن غالبية المعارضين للحكّام المستبدين هم من غير المتدينين؟!

هذا الأسلوب في بيانك مخالف للقرآن الذي تُحَفِّظه للناس وتقرؤه عليهم! وعندما تضع المخالفين لك في سلة واحدة، أنت خالفت القرآن! وهجرته، وعَمِلتَ بخلافه، ألم يرفض القرآن وضع الآخرين في سلّة واحدة، سأذكركَ يا شيخ: أما عن اليهود، فقال رافضًا ثقافة السلة الواحدة: {لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} آل عمران:113، ورفض القرآن وضع المسيحيين في سلة واحدة، فقال: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} المائدة:83، ورفض وضع الناس كلها في سلة واحدة، لما قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} فاطر:33

ما هي ثوابت الدين؟

ذكرتَ في بيانك أن هناك من ينقد “ثوابتنا الدينية”، أين هي الثوابت الدينية؟ هل من ينقد السلفية المتشددة، والسلفية الجهادية التي أساءت إلى الإسلام، وشوهت سمعته، ينتقد ثوابتك؟! هل من ينقد نفاق المدرسة الدمشقية في تأليه الحاكم ينتقد الثوابت؟ هل من ينتقد الأزهر أو هيئة كبار العلماء أو المجلس الإسلامي الثوري ينتقد الإسلام؟ لماذا تضعون أنفسكم مكان الإسلام؟ ومن منحكم هذا الحق؟ هل من يدعو إلى تنظيف التراث من أقوال بشرية أساءت إلى الإسلام ورسوله، ويرفض أحاديث مكذوبة على رسول الله تدعو للتقتيل والتفجير والتدمير، يكون خالف الثوابت؟ هل من يرفض أحاديث السيف والذبح والاغتيال هو ضد الإسلام أم مدافع عنه؟!

ولماذا تمثلون دور حراس الدين والعقيدة؟ والطرق إلى الله متعددة بعدد أنفاس الخلائق، أفأنتَ تُكره الناس على فهم واحد؟ وقد اختلف الصحابة، وتقاتلوا، وسالت دماؤهم، واختلف التابعون، واختلفت المذاهب والطوائف والفرق. أنتم أيها المشايخ مختلفون أين الله! فالأشعرية يقولون هو في كل مكان، والأثرية يقولون هو في السماء، هذا في دائرة أهل السنّة، فأنتم لم تتفقوا حتى يومنا هذا على أين الله.

حول وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي

ألم يتصدر المشايخ ودعاة الفضائيات الإعلام كلّه، خلال عقود الصحوة الإسلامية، وفُتِحت لهم المنابر الإعلامية حتى كوّنوا ثروات طائلة، هل وجدت وسيلة فضائية اسمها فضائية العلمانيين؟ أليس المشايخ وأتـباعهم يستغلون مواقع التواصل، ويتنمرون على كل من يخالفهم، ويتهمونهم بالزندقة، والردة، والكفر، والضلال؟ لماذا ترى من جهتك فقط! ولا ترى الجهة الأخرى؟

هل بيانكم دعوة لاغتيال المخالفين؟

أشرتَ في بيانك بطريقة واضحة إلى اغتيال المخالفين، بحسب الطرق المتاحة، عندما قلتَ “من أمن العقوبة أساء الأدب، ولأنهم على يقين بأن هناك حكامًا يستندون إليهم ويحمونهم”، فهل هذه إعادة لعصر اغتيالات المخالفين، كما حصل في السبعينيات والثمانينيات، مع فرج فودة وهشام بركات والشيخ حسن الذهبي وغيرهم؟ فهل هذه فتوى لاغتيال كلّ من يخالف المؤسسة التقليدية؟ أليس هذا تحريض واضح بيّن يعاقب عليه الشرع والقانون. هل نسيتَ قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} الكهف:29، {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} الغاشية:21ـ 22.

ألم يطلب الرسول من مشركي قريش، بعد أن رفضوا دعوته، الحرية فقط؟ إذ قال: “خلّوا بيني بين والناس”. أي اتركوني أدعو إلى الله، وللناس حرية القبول والرفض؟ ([3]) كيف تتجاهل هذه النصوص القرآنية والنبوية الرافضة لإكراه الناس على الإيمان؟ وهل الإكراه على فهم واحد أنت تراه هو الصواب المطلق؟

ألم يرفض الإمام مالك دعوة أبي جعفر المنصور، لما أراد فرض كتابه الموطأ على الناس بالقوة، فأجابه الإمام بأن الصحابة تفرقوا بالأمصار وحملوا فهومًا مختلفة للدين. كما رفض الخليفة عمر بن عبد العزيز ذلك لما آلت إليه الخلافة، ووبخ عامله على مصر عندما أصرّ على أخذ الجزية من القبط قائلًا: “إنّ الله بعث محمدًا هاديًا لا جابيًا”! ([4]).

تطالب بالهجوم على الآخر؟

طالبتَ بالهجوم على من يخالف فهمك! مهما كانت مكانته! وقلت كلمة خطيرة “كلٌ بالصورة التي يراها مناسبة”، هذه دعوة إلى حرب أهلية وفوضى، لم يعد مجتمعنا قادرًا على تحمّلها، بعد كل هذه الدماء والدمار، كان الأولى أن تدعو إلى السلم الأهلي والمحبة، وتحاجج المخالف بالحكمة لا بالهجوم. ثم استدركت قائلًا: “وتجنّبوا الكلام البذيء”. ثم هل هاجم القرآن الناس أم كان يخاطبهم خطابًا وديًا بقوله “يا بني آدم”، وخاطب المسيحيين واليهود بخطاب أخلاقي إيماني بقوله “يا أهل الكتاب”، في حين أنت تدعو للانتقال من الدفاع إلى الجوم، في حين الأمر متسع للحوار والمناظرة والجدل، ولا يدعو لحرب، فالناس أنهكتهم الحروب، وكفروا بخلافات المختلفين من رجال دين وسياسة وسواهم.

ومن أعطاك هذا الحق لتحكم على الناس يا شيخنا؟! فإذا كان هذا الحقّ لم يمنحه الله لرسوله الكريم، فالله طلب منه أن يكون حكمًا بين الناس لا حكمًا على الناس، والفرق بين (بين وعلى) كبير، وأنت تعرفه أكثر من غيرك يا شيخنا. وقد وجّه الله نبيه لما رفض دعوته أهلُ الكتاب إلى الوحدة لا إلى الحرب، وإلى المشتركات لا إلى المختلفات، حينما قال: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} آل عمران:63

قال “تعالوا إلى كلمة سواء”. ولم يقل تعالوا إلى كلمتنا! ولم يطالبنا القرآن بأن ندّعي الصواب المطلق بدليل قوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} سبأ:24 ـ 25. والله وحده يحكم في المختلفين من غير ملتنا، لا محمّد ولا أنت، والفصل يكون يوم القيامة لا بالهجوم الدنيوي. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} الحج:17.

هل المطلوب تهدئة الناس حتى نخرج من هذه المأساة التي أدخلنا فيها الاستبداد، وشوّه ثورتنا الطغاة والبغاة والغلاة، حتى أصبحنا كسوريين متناثرين مهاجرين، ومهجّرين، ونازحين، ومحزونين؟ ألا تحتاج المرحلة إلى خطاب تآخ وتراحم وسلام؟ أتعبَتْنا الحرب يا شيخنا! أتعبت المهاجرين والثوار والنازحين، فاتّقِ اللهَ فينا.

إعلانك الانحياز إلى الإسلام السياسي؟

أعلنتَ انحيازك إلى الإسلام السياسي، حيث قلتَ “نعم وألف نعم، نريد الوصول للحكم، نريد أن يحكمنا مسلم، يقيم شرع الله فينا، ولو وقف الكون كله ضدنا”.. على مهلك يا شيخنا، من حقّك أن تصل إلى الحكم بالوسائل الديمقراطية والمدنية، لا بالقوة والإكراه، لأنك ستكون كـ (داعش والنصرة)، وستُكرِهنا على إسلام الدين الموازي الذي يبيح قتلَ وسلبَ واسترقاق المخالف.

الإسلام السياسي يا شيخنا هو من سطا على ثورات الربيع العربي، فأفسدها، وهو من سرق ثورتنا حتى أفشلها، وهو من خرّب العراق واليمن، ألم تعلم أن جلّ الشعب السوري قد كفر بالإسلام السياسي، لما فعله بثورته، ولما سببه من دمار مع نظام الاستبداد!

تريد الوصول إلى الحكم، “ولو وقف الكون كله ضدنا“!! عجيبٌ أن تخرج هذه العبارة من شيخ قرآني، نعرفه بحكمته وانحيازه للحق، ولصوت المظلومين، هل نسيتَ يا شيخنا، أن في سورية أكثر من خمسة عشر مكونًا آخر، يختلفون معك بالاعتقاد والدين والطائفة وفهم الإسلام. لو وصلت إلى السلطة، فماذا ستفعل بهم؟ أود أن تجيب عن أسئلة لم يجب عنها فقهاء ومشايخ قبلك، حتى نعرف مصيرنا في سوريتك! ماذا ستفعل بالمُلحدين والشيوعين والعلمانيين، الذين وقفوا مع الثورة، ودفعوا ثمنًا باهظًا في المعتقلات والسجون والغربة؟ هل تدعو إلى دولة دينية يحكمها الكهنوت التي يرفضه الإسلام؟ وما موقفك من دولة المواطنة التي تقوم على المساواة بين المواطنين كلّهم بغض النظر عن دينهم، ومذهبهم، وطائفتهم، وقومتيهم؟ هل ستُكره غير المسلمين، وهم كثر، على تطبيق الشريعة؟ “على الرغم من خلافي معك في مفهوم الشريعة”؟ وهل ستجعل من المسيحيين واليهود في سورية أهل ذمة؟ وتطالبهم بالجزية؟! ما حكم الإيزيدين السوريين عندكم يا شيخنا؟ وما حكم من يدعو إلى العلمانية؟ وهل تسمح بالتعددية السياسية وإنشاء الأحزاب غير الدينية؟ أم ستزجّهم في معتقلات دينية؟ وما موقفك من الطوائف الأخرى، كيف ستعاملهما من علويين، ودروز، وإسماعيليين، وشيعة؟ أيّ مذهبٍ ستجبرنا عليه؟ الحنفي أم الشافعي!! وأي اعتقاد ستقهرنا عليه، الأشعري أم السلفي أم المعتزلي، أم الماتريدي، أم الجعفري؟!

أخيرًا:

أيها الشيخ،كنتُ أتمنى أن تكون كريمًا كاسمك، وراجح العقل كما لقبك، لكن بيانكم هذا دعوة لحرب دينية! فاتقِ الله في دماء السوريين، اتقِ الله في مآسينا، فلم يبقَ بيتٌ سوريّ لم تدخله مصيبة بشكل أو آخر، فلا تُثخن جراح السوريين أكثر. نريد دولة المواطنة التي تحقق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لكل السوريين، فالسوريون لم يعودوا يثقون ببعضهم في الطرفين: طرف النظام والمعارضة، نريد أن تكون الدولة حيادية، تنظر إلى كل مواطنيها بعين المساواة والعدل، دولة مدنية لا يحكمها العسكر ولا رجالُ الدين ولا الطائفيون.. نريد دستورًا وقانونًا يخضع له كل السوريين، ولا أحد فوقه، يحترم السوريَّ بوصفه مواطنًا إنسانًا، لا بصفته الدينية، أو الطائفية أو العرقية أو المذهبية.

نريد أن يعيش أبناؤنا في سورية المستقبل من دون أن يقال عن هذا بأنه سنّي، أو شيعي، أو علوي، أو درزي، أو مسيحي، نريد أن نقول: نحن إخوة سوريون؛ فالسوري على السوري حرامٌ دمه وماله وعرضه وأرضه، فاتقِ الله فينا يا شيخَنا.

ختامًا: الإسلام قضية رابحة، ابتُليَت بمحامين فاشلين.


[1] ـ صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، ح5397. صحيح مسلم، كتاب السلام، بَابُ الطَّاعُونِ وَالطِّيَرَةِ وَالْكَهَانَةِ وَنَحْوِهَا، ح2219. وصحيح البخاري، كتاب الطب، باب لا هامة، ح5437. صحيح مسلم، كتاب السلام، ح2221.

[2] ـ صحيح البخاري، كتاب الطب، باب أجر الصابر في الطاعون، ح5402.

[3] ـ رواه البخاري.

[4] ـ الخطط للمقريزي (1/78) عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم ص:233.