ابتُليت النخبة الثقافية السورية بالفكر الماركسي، كرؤية للعالم ومنهج للتفكير والتحليل، مثلما ابتليت النخبة السياسية السورية بالأيديولوجية الماركسية/ الشيوعية، بوصفها إطارًا للعمل السياسي. وماركس الذي لا يُفهم بلا هيغل، والذي صبّ معظم جهده في تحليل النظام الرأسمالي واقتصاده السياسي، توهّم أنه قلب فلسفة هيغل رأسًا على عقب، مع أنه لم يخرج فعليًا من عباءة هيغل، بقدر ما أعطى جسدًا ماديًا للمثالية الهيغلية، وركّب للروح المطلق عند هيغل قدمين تمشيان على أرض الاقتصاد، واستبدل صراع الأضداد الهيغلي بالصراع الطبقي، وألبس مفاهيم الأطروحة والطباق والتركيب، أو الإثبات والنفي ونفي النفي الهيغلية، ثوبًا اجتماعيًا اقتصاديًا تنتج عنه حركة التاريخ. أما المنهج الجدلي “الديالكتيك” فكان ذاته، والغائية التاريخية بقيت ذاتها مع استبدال الدولة التي تتحقق فيها الروح المطلق عند هيغل باللادولة “الشيوعية” التي تتحقق فيها غاية التاريخ “نهايته” الماركسية.

الانقلاب الشيوعي الذي بشّر به ماركس، في لندن وباريس (عواصم الرأسمالية وقتها)، استنادًا إلى تحليله لحركة التاريخ وقياسًا على المنهج الجدلي المجرّد والخلاصي الهيغلي، أزهر في الدول الزراعية المتخلفة، وأنتج سلسلة دكتاتوريات كبرى وصغرى، ابتدأت بروسيا ومرّت بأوروبا الشرقية والصين وكوبا وكمبوديا وكوريا الشمالية.. إلخ. وما زال العالم يعاني انحطاطها وعداءها الجوهري للتعدد والاختلاف والديمقراطية وحرية الأفراد والمجتمعات، أما التطبيق العملي للشيوعية الماركسية في تلك البلدان، فلم يكن فيه فرق بين “لحية ماركس وذقن ستالين المزيفة”، فقد حوّل الدولة إلى المالك الرأسمالي ومحتكر فائض القيمة، وقادة الحزب المدنيين والأمنيين والعسكريين إلى السادة الإقطاعيين، وحوّل البروليتاريا إلى عبيد، لا يمتلكون لا شروط عملهم ولا ناتج عملهم، وأنتج دولًا توتاليتارية عسكرية دحلت الطبقات بمدحلة المساواة الاقتصادية القسرية، ضاربة عرض الحائط بتناظر المساواة مع الحرية، لتبقى الهرمية السياسية والقيمية تحت سطح المساواة هي السائدة، والتي تنتهي بالقائد الأعلى والأخ الأكبر والزعيم الأوحد، وبكلام آخر: الإله المادي وغير الديني والحاكم للأبد.

 حالنا كحال غيرنا من الدول الزراعية المتخلفة، وصلت الرأسمالية إلينا بثوب إقطاعي، يقوم على التفاوت والاستلاب والاغتراب والاستغلال الرأسمالي ذاته، بعد تحويل الفلاح إلى رفيق حزبي، والإقطاعي إلى أمين فرع أو رئيس شعبة مخابرات أو ضابط علوي أو تاجر متعاون أو صناعي يدفع الإتاوات.. الخ. أما وصول الماركسية/ الهيغلية إلينا، فقد فتح بابين متشابكين ومتشابهين ومتجاورين، وتجسّد منذ الاستقلال بالأيديولوجيتين القومية والماركسية “الشيوعية”، وعلى أرض الواقع، كثيرًا ما تداخلت الأيديولوجيتان، إن كان عند مفكرين من أمثال إلياس مرقص وياسين الحافظ وغيرهم، أو في الحياة السياسية، فانقلاب البعث “القومي العربي”، مثلًا، سمّي بثورة العمال والفلاحين “بروليتاريا ماركس”، وأنجب النقابات والطلائع الثورية والإصلاح الزراعي والحزب القائد للدولة والمجتمع (والتسمية الأخيرة هي لمفكر قومي ماركسي، ياسين الحافظ، تراجع عنها فيما بعد) وانتهى بدكتاتورية “البروليتاريا العسكرية” ضد البرجوازية المدينية. أما الأحزاب الماركسية فكانت -من دون استثناء- مدافعة شرسة عن القومية والدولة الأمّة “الروح الهيغلي المطلق”، وإن بقيت القومية هي مرحلة على طريق الجنّة الأممية المُضِحكة والغائبة أكثر من القومية العربية ذاتها. أما قيميًا فقد تناغمت الرؤية التاريخية الخلاصية، عند النخب السياسية والثقافية، فإذا كانت غاية التاريخ هي الخلاص الشيوعي عند الماركسيين، وحركة التاريخ ستمضي نحو الخلاص القومي عند القوميين، فإن الحركة ذاتها ستصل إلى تحقيق الدولة “الأمة” الإسلامية عند الإسلاميين، أما الطريق إلى تحقيق تلك الغايات الكبرى، فكان هو مصدر الخلافات الكبرى بين تلك الحركات والنخب، مع أن محصلته تمخّضت عن فئران بدل الجبال المأمولة من تلك الأيديولوجيات الثلاث، المتشابهة عمقًا، والقائمة على التركيبة الهيراركية، الخلاصية والقيمية ذاتها، والعدو الواحد لذلك الثلاثي السعيد كان دائمًا هو الإمبريالية الأميركية (بوصفها أعلى مراحل الرأسمالية) والكولونيالية الغربية مع ديمقراطيتها وليبراليتها.

من الأهمية بمكان رؤية الجانب الخلاصي في الماركسية، وضمنًا الهيغلية، فالماركسيون والقوميون كلاهما كان محكومًا بالغياب، بما هو غائب، إن كان قومية عربية أو شيوعية كونية، والاحتكام إلى الغائب يُعمي عن الحاضر، والمنهج التاريخي الخطّي، أو اللولبي الذي يعزز الخطي، هو منهج في خدمة الغائية، وإذا كان الغياب الذي يحكم الحاضر عند الإسلاميين هو الماضي، فإن الغياب الذي حكم الحاضر عند الماركسيين والقوميين هو المستقبل الذي لم ولن يتحقق. لا قيمة للأفراد في تلك الأيديولوجيا إلا في خدمة المجموع، ولا قيمة للجزئي إلا في خدمة الكلي، ولا للواقع إلا في خدمة المثال. هذا مصدر أساسي للتراتبية المتسلطّة والخضوع للمتعالي، ولذلك كانت القيم الناتجة عن تلك الأيديولوجيا مناسبةً جدًا لقيمنا الفلاحية المغرقة في أبويتها البطريركية ومُعزِّزة لها، وعندما أقول قيم فلاحيّة، فليس الأمر متعلقًا بريف أو مدينة، بل بالبنية الاجتماعية السياسية الشاملة للجميع، فنظام المجتمع عائلي لا فردي، والعقد الاجتماعي رعوي، وليس تعاقد أفراد مستقلين، والحاكم راعي الرعية وضامن العقد، وليس مفوَّض المواطنين. الأسرة النووية هي المركز والرجل هو سيدها، والمرأة ليست فردًا أو كيانًا مستقلًا، لا حقوقيًا ولا وجوديًا، وجرائم الشرف مستساغة ومقوننة، عرفيًا وسياسيًا، ولا معنى للأفراد دون جماعات وعشائر وطوائف وأنساب. تلك المنظومة القيمية كاملة هي منظومة فلاحّية إقطاعية، وهي سائدة في الريف والمدينة والساحل والداخل والجبل والسهل، وهي المنظومة التي سادت في الثقافة والسياسة، عند النخب وعند العاديين، عند الطبقات المتوسطة والغنية والفقيرة، وذلك دون استثناءات تذكر إلا بما يؤكد القاعدة، ودون تأسيس حقيقي لثقافة اختلاف مضادة للثقافة المهيّمنة.

قد يكون السبب الأوجه لنفور الشباب السوري من الأحزاب والحركات، بكل أصنافها وأنواعها، ليس الشعور بانعدام الجدوى السياسية فحسب، بل نفورًا من الطبيعة الهيراركية المغلقة لتلك الأحزاب، التي تبدو كعائلة فلاحية يجب أن يطيع الصغير فيها الكبيرَ، والجديد القديمَ، والمرأة الرجلَ، وهو ما يخلق تنافسًا هدامًا ويشكل نفورًا لدى الأجيال الجديدة، مهما كانت شعارات تلك الأحزاب والحركات متحررة وتقدمية، وفي العمق لا بد من رؤية العنف الكامن في تلك الهيراركية المغلقة، حيث لا تنتج المبارزة لإثبات الوجود في تلك الأجواء إلا الشعورَ الدائم بالتهديد، وتقليل الشأن المتبادل، والأحكام الأخلاقية المتعالية تبادليًا بين الجميع.

لم يعد مقبولًا الاكتفاء بنقد الماركسية والحياد عن ماركس، على طريقة الإسلاميين الذي يفترضون دائمًا أن كل إسلام غير إسلامهم هو الخاطئ، وأن المشكلة ليست بالجوهر بل بالأعراض. المشكلة -برأينا- تبدأ من فلسفة ماركس ذاته، وآلية الفهم الماركسي للعالم، وهي آلية قد تعطي منظورًا محددًا وزاوية رؤية صغيرة للحياة وللاجتماع والاقتصاد السياسي، ولكنها بعيدة كل البعد أن تكون كل القصة. وفي حالتنا السورية، بوجه خاص، لا بد من مواجهة الماركسية كثقافة مهيمنة على النخبة وتأسيسية في وعيها السياسي (وهي تأسيسية في وعي كاتب هذه السطور) دون الخوف من السقوط في الثنائيات السائدة والأحكام الأخلاقية الجاهزة، حيث يظن كثيرٌ من الإسلاميين أنك، عندما تنتقد الماركسية، تعمل لمصالحهم، وكذلك يظن أحيانًا الماركسيون أنفسهم.