اتخذ سعد الحريري القرار الذي كان عليه أن يتخذه في عام 2017 على الأقل، فقد أدرك أنه لا يمكن تقديم أيّ شيء في ظل سيطرة “حزب الله” الكاملة على لبنان، وغياب أي رغبة دولية في ممارسة ضغط ما لتخليص البلد من النفوذ الإيراني، ولا سيما في ظل محادثات فيينا التي تهدف إلى إحياء الاتفاق النووي الذي يبدو أنه سيعيد إطلاق يد إيران في المنطقة، كما كان الأمر عليه بعد توقيع الاتفاق الأول عام 2015.

لكي تستمر اللعبة السياسية في لبنان، بوصفه بلد طوائف، ينبغي أن تشارك فيها المنظومة الأوليغارشية الحاكمة، وخصوصًا التيارات السياسية التي تمثل الطيف الواسع من طوائفها. لهذا السبب، من المرجح أن يكون الثنائي الشيعي، وخصوصًا “حزب الله”، أكبر الخاسرين من خروج سعد الحريري الذي كان يؤمّن الغطاء السنّي لهيمنة “حزب الله” على لبنان. فاللعبة تحتاج إلى فريقين، ومن دون أحدهما تتحول إلى هيمنة فاقعة لا سند قانونيًا لها، أو كما يسميه اللبنانيون “الميثاقية”، ولهذا لاحظنا أن “حزب الله” كان أكثر اللاعبين حرصًا على بقاء الحريري في المعادلة السياسية اللبنانية، إذ قدّم له -كما يقال- “لبن العصفور” للبقاء، فوجوده يعني غطاء سنيًّا لمشروع الهيمنة الإيرانية.

على نحو ما، تتماثل قواعد اللعبة في سورية، في ما يتصل بعملية التفاوض الجارية بين النظام السوري والائتلاف الوطني. وهو ما يقودنا إلى استذكار مقولة “شعب واحد في بلدين” التي أطلقت في التسعينيات من القرن المنصرم. فمن الواضح أن النظام ومن ورائه الدول المتدخلة في الشأن السوري، وخصوصًا الدول الإقليمية غير العربية، لا ترغب في أن ينسحب الائتلاف من اللجنة الدستورية، على الرغم من كل الدعوات التي أطلقها الناشطون السوريون، وعدد من الشخصيات المعارضة، والتي طالبوا فيها الائتلاف بالانسحاب من هذه اللجنة.

تشترك الحريرية السياسية والائتلاف الوطني في زاوية مهمة، وهي أنهما لم يكونا نتاج المجتمعين اللذين أنيطت بهما مهمة تمثيلهما، فالحريرية السياسية هي نتاج الدور السعودي في لبنان، والائتلاف هو محصلة توافق الدول المتدخلة في الشأن السوري، فلم يشارك أي من السوريين في انتخابه، ولا نزال لا نعرف كثيرًا من أعضائه الدائمين وطريقة الانتخابات فيه، والتي تبدو مثل مجمع الكرادلة في الكنيسة الكاثوليكية.

على مدى سبعة عشر عامًا، كان الحريري الابن يعيش مسارًا تراجعيًا على كل الأصعدة: الانحناء أمام اجتياح “حزب الله” بيروت في 7 أيار/ مايو 2008، القبول بحكومة لـ “حزب الله” وأنصاره فيها ثلث معطل، زيارة بشار الأسد والتغاضي عن دم والده، الصفقة التي أوصلت ميشيل عون إلى رئاسة الجمهورية في عام 2016، الخضوع لإملاءات “حزب الله” وتغطية سلاحه وتمكينه من التحكم في لبنان. هذا المسار التراجعي يبدو مماثلًا لمسار الائتلاف الوطني. ماذا فعل الائتلاف في السنوات الماضية؟ لقد ترك الائتلاف مقررات جنيف، وقفز فوق القرارات الدولية التي تطالب بانتقال للسلطة في سورية، وذهب إلى مؤتمرات أستانا التي شرعت من جهة الدول المحتلة بوصفها دولًا ضامنة، والتي كانت من جهة ثانية تخدم أهداف الدول المحتلة والمتدخلة في سورية. ففي ظل أستانا ومؤتمراتها، خسرنا عشرات الآلاف من الأرواح البريئة، والآلاف من الجرحى والمعوقين، وثلاثة أرباع المناطق المحررة، وكل ذلك لم يكن خدمة للثورة السورية، وإنما خدمة لدول أصبحت نياتها وأطماعها بالأرض السورية أوضح من أن تخفى، أو أن تغطيها التصريحات المخادعة. وبعد ذلك جاءت خديعة أخرى، هي “اللجنة الدستورية” التي يعلم الائتلاف قبل غيره أنها سراب ليس وراءه ماء أبدًا، لأن ما لم يتنازل عنه نظام الأسد في مرحلة الضعف، في أثناء انعقاد جولات جنيف عام 2014، لن يتنازل عنه بعد أن أعاد سيطرته على جزء كبير من الأراضي المحررة.

ما الذي يمكن أن يفعله الائتلاف، في ظل عدم رغبة المجتمع الدولي في الضغط على نظام الأسد ومعرفتنا جميعًا أن هذا النظام لن يقدّم أي تنازل؟

لا يبقى أمام الائتلاف السوري إلا أن يعلن حلّ نفسه والخروج من العملية السياسية. لقد أعطى وجود الائتلاف ومشاركته في أستانا واللجنة الدستورية غطاءً شرعيًّا لتلك التنازلات، وأوحى للعالم بوجود عملية سياسية هي في حقيقتها سلسلة من الانكسارات التي ستفضي به إلى التخلي عن مطالب الثورة السورية وثوابتها. فقد أخرج الائتلاف السوري الثورة السورية من الأجندة الدولية، حين حولها إلى عملية تفاوض على دستور، كلنا يعلم أنه لن يساوي الحبر الذي يكتب به في عرف الأجهزة الأمنية الأسدية. اليوم، تتحدث أميركا علنًا أنها بهدف تغيير سلوك النظام، وأن تغيير النظام لا يعنيها، فضلًا عن أن القضية السورية تحولت في جزء كبير منها إلى قضية إنسانية تتعلق بتأمين خيمة وسلّة غذائية للنازحين. ونحن الآن أمام فصل جديد من فصول التنازل، هو سياسة خطوة مقابل خطوة، ستكون من دون أفق زمني، ولها هدف واحد هو تعويم نظام الأسد، فالعالم كله لا يستطيع تعويمه من دون طرف سوري، أعني “وليّ الدم”، وهو في حالتنا الائتلاف الوطني.

ومثل الحريرية السياسية التي خضعت كليًّا لإملاءات “حزب الله”، وسهّلت عملية سيطرته على البلد، خضع الائتلاف الوطني لإملاءات الدول الإقليمية، ولا سيّما الدول المتدخلة عسكريًا في سورية، وتحول إلى غطاء سياسي يُعطي شرعية لما تتفق عليه مع الدول التي تعتدي عليه وتُسهم في تهجيره وتدمير مدنه وقراه. والحقيقة أن الائتلاف في نظر تلك الدول ليس إلا أداة تضفي شرعية ما على وجودها وتدخلها في الشأن السوري.

من المفيد جدًا للثورة ولأعضاء الائتلاف الذين لا نشكّ في حبّهم لبلدهم وشعبهم، أن يقولوا لنا ما هي خطتهم لمواجهة هذه المتغيرات الدولية، وإن لم يكن بوسعهم فعل ذلك، فإن عليهم أن يخرجوا ببيان حلّ الائتلاف، فهذا هو أفضل عمل وطني يمكن أن يقدّموه لأهلهم وبلدهم، في هذه المرحلة.

يخطئ أولئك الذين يعتقدون أن التاريخ ينسى الأشخاص الذين يتخذون المواقف التي يُمليها عليهم ضميرهم الوطني.