ينصّ قانون تنظيم الجامعات السورية رقم 6 الصادر عام 2006 على أنّ الجامعات هيئات عامة علمية ذات طابع إداري، لكلّ منها شخصية اعتبارية واستقلال إداري ومالي، كما هو وارد في اللائحة التنفيذية، ورسالتها توفير التعليم الجامعي للطلاب السوريين، وفقًا لمعايير الجودة العلمية، وجاء في المادة 95، من القانون ذاته، يتمتع أعضاء الهيئة التدريسية، لدى ممارسة مهامهم العلمية والتدريسية، بحرّية وفق التقاليد الجامعية، على أن يلتزموا بمبادئ الموضوعية العلمية وأهداف الجامعات المنصوص عليها في هذا القانون.

يحيل قانون تنظيم الجامعات السورية إلى مفهوم الحرية الأكاديمية المتعارف عليه في جامعات العالم كافة، الذي يتضمن حرية الأستاذ الجامعي والطالب والجامعة والبحث العلمي، في إنتاج المعارف والعلوم والثقافة، من دون تصنيفات وحواجز أمنية مسبقة، كذلك حرية التعبير، التفكير ،المناقشة، والمشاركة في الشأن العام، والحوار الاجتماعي والسياسي في إطار العلاقة العضوية بين الجامعة والمجتمع، بهدف تشكيل مرجعيات أكاديمية ومهنية واجتماعية وأخلاقية، بحيث يسمح لهذه المؤسسات أن ترسم سياسات طويلة الأمد، وفق تخطيط استراتيجي مدروس بعيدًا عن التدخلات السياسية والأمنية، تتصل بمفاهيم الحق في التعليم والوصول إلى المعلومات التي يتطلبها البحث، ولها علاقة بحرية التعبير والمعارضة، ونشر الأبحاث والدراسات، من دون راقبة ووصاية أمنية، التي تعدّ الشرط الرئيس لتطوير الجامعات والإبداع، كي تأخذ مكانتها العلمية والاجتماعية على المستوى السوري والعالمي.

الحرية الأكاديمية، التي أقرّتها المادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، تؤكد حقّ المواطن في استقاء الأفكار وتلقيها ونشرها في أي وسيلة إعلامية، من دون التقيد بالحدود الجغرافية. أما في الجامعات السورية، فالحرية الأكاديمية -تبعًا للتعريفات السابقة- مغيّبة بالمطلق، حيث الهيمنة الأمنية المباشرة على الجامعات السورية بشكل صريح ومنهجي، بدءًا من تعيين رئيس الجامعة بمرسوم رئاسي، بعد ترشيحه من فرع حزب البعث في الجامعة وحصوله على الموافقات الأمنية من الفروع الأمنية كافة، وكذلك تعيين عمداء الكليات والأقسام بترشيح من فرع حزب البعث وحصولهم على الموافقات الأمنية، بعيدًا عن الانتخاب أو مؤهلات ومعايير علمية أخرى. والموافقة الأمنية شرط رئيس وحاسم من شروط التعيين أو الترقي العلمي، أو شروط سفر أعضاء هيئة التدريس في مهمة علمية إلى الخارج، كذلك كل القرارات المتعلقة بالتعليم العالي غالبًا لا تحصل إلا بالموافقات الأمنية المسبقة، التي لا ترتبط بالمطلق بالمتطلبات العلمية والتدريسية.

تصاعدت الهيمنة الأمنية على الجامعات السورية في إثر ثورة 2011، حيث تحولت مكاتب حزب البعث والاتحاد الوطني لطلبة سورية في الجامعات، إلى مكاتب أمنية لتلقّي التقارير الأمنية اليومية، في حقّ الأساتذة والطلبة المعارضين للنظام والمتعاطفين مع الثورة، بالتنسيق مع مندوبي الفروع الأمنية في كل كلية، حيث اعتُقل عدد من الأساتذة والطلبة، وحُوّلوا إلى ما يسمّى “محاكم الإرهاب” للتحقيق معهم، ومن ثم فصلهم من الجامعات بشكل تعسفي، وتم تحويل معظم المستودعات (الأقبية) الخاصة بالكليات إلى معتقلات تديرها الأجهزة الأمنية، بهدف السيطرة الأمنية المباشرة على المؤسسات الأكاديمية، مثلها مثل المؤسسات العسكرية والأمنية، إضافة إلى تعيين كوادر إدارية في مفاصل الجامعات كافة، همّها الأساسي إطاعة أوامر الأجهزة الأمنية، والالتزام بسياسة النظام السياسي الاستبدادي، مع الاهتمام بقشور العملية التدريسية في الجامعات، من خلال مراقبة دوام الأساتذة والطلاب، وحصول الامتحانات والاختبارات الشكلية فقط، مع غياب مطلق لمبدأ العدالة والتعزيز لدى أعضاء الهيئة التدريسية والطلاب، حيث الأولوية للاستتباب الأمني في الجامعات، لا للمعايير العلمية في العملية التدريسية والبحثية، كما هو حاصل في الجامعات العالمية كافة.

وهناك أيضًا التضييق الأمني على البحث العلمي والأكاديميين والباحثين، حيث يُشترط لكتابة بحث أو ورقة علمية، لأيّ مؤتمر علمي في الخارج، الحصول على موافقة المجالس العلمية في الجامعة كافة، والحصول على الموافقة الأمنية المسبقة، إضافة إلى صدور التعليمات الإدارية للأساتذة والطلاب، بعدم اعتماد كتب وأبحاث لأساتذة سوريين معارضين أو فُصلوا من الجامعات على إثر ثورة 2011، كمراجع علمية في بحوثهم العلمية، ومنع تدريسها في الجامعات السورية.

هكذا فرض النظام السوري قيوده الأمنية على العملية التعليمية والبحث العلمي في الجامعات السورية، وعاقب كل من حاول الخروج عنها، بهدف إحكام قبضته الأمنية على السلطة والمجتمع، من خلال الوجود المرعب لقوات الأمن في الحرم الجامعي، حيث المفارز الأمنية للفروع الأمنية كافة، في كلّ كلية، إضافة إلى مكاتب حزب البعث والاتحاد الوطني للطلبة ومندوبي الفروع الأمنية في كلّ قسم تعليمي من الأساتذة والطلاب والموظفين.

كذلك تم توجيه الجامعات السورية، على الصعيد الخارجي، في سياق التعاون والتعاقد مع الجامعات العالمية، ومن ضمن ذلك إرسال البعثات الطلابية للحصول على الدكتوراه، بناءً على المواقف السياسية لهذه الدول من النظام السوري، حيث يأتي التوجّه إلى الجامعات الروسية والإيرانية بالمرتبة الأولى، كونهما وقفتا مع النظام السوري، عسكريًا وسياسيًا، في سنوات الثورة والحرب.

 منذ الثمانينيات، كان هاجس الأكاديميين السوريين السفر إلى الخارج، للتدريس في الجامعات العربية والأوروبية، لتحسين مستواهم المعيشي، بسبب تدنّي الرواتب في الجامعات السورية، وخاصة بعد 2011، حيث شكلت هجرة الكفاءات السورية إحدى خصائص الهجرة الخارجية السورية، حيث أشارت دراسة رسمية، صدرت عن مركز الأبحاث والدراسات في دمشق، إلى أن نسبة السوريين المهاجرين الحاصلين على شهادة التعليم الجامعيّ العالي تتجاوز 35 بالمئة، من إجمالي المهاجرين الذين تحتاج إليهم “سوريا” في مرحلة ما بعد الحرب. وهؤلاء ثروة اقتصادية سورية، يصعب على النظام التعليمي السوري تعويض وتأهيل كوادر مماثلة على المدى المتوسط.

أيضًا، لا بدّ من التنبيه إلى الإنجازات العلمية والبحثية المميزة عالميًا، التي حققها الأكاديميون السوريون في مراكز البحوث والدراسات والجامعات في الخارج، وخاصة في تركيا وأوروبا، وهي تدلّ على أنّ المشكلة الحقيقية، في خروج الجامعات السورية من التصنيف العالمي، سببها السياسة الإدارية والتعليمية الموجهة من رؤساء الفروع الأمنية، الذين فشلوا في الحصول على الشهادات الأكاديمية، فانتسبوا إلى الكليات العسكرية والأمنية، كما هو معروف للسوريين كافة، ليعودوا إلى قيادة الجامعات السورية عبر مجالس علمية شكلية فقط.

أخيرًا، إن إعادة بناء المؤسسات الجامعية السورية، بعد حصول الحل السياسي والاستقرار المجتمعي، تشكّل أولوية تنموية سورية، حيث إن التعليم العالي يؤدي دورًا أساسًا في تأهيل الكوادر البشرية بالقدرات والمعارف والمهارات المهنية وبالقيم الأخلاقية، التي لها دور رئيس في النهوض التنموي في الأنساق المجتمعية كافة.

وهذا يفرض على الجامعات السورية، بعد الحلّ السياسي المقبول سوريًا، أن تكون قادرة على تأهيل وتطوير خريجي الجامعات، بحيث يكونون ناقدين ومبدعين وقادرين على التفكير، خارج التعليمات والتوجيهات الأمنية والسياسية المسبقة، وخارج الرقابة الذاتية الأكاديمية التي اعتادوها في ظل الهيمنة الأمنية عليهم من قبل الإدارة الجامعية الحالية، للمساهمة في مرحلة إعادة البناء، من خلال تصميم برامج مناسبة للاحتياجات التنموية السورية المستقبلية، وهذا لن يحصل إلا بعد توفّر الحرية الأكاديمية في الجامعات السورية، التي بواسطتها يمكن هزيمة تعريف الدكتاتور الإسباني الجنرال “فرانسيسكو فرانكو”، لماهية الدكتاتورية: “أن تجعل المثقفين والمفكرين يصمتون”. وهو المنهج الذي اعتمده كلّ من الأسد الأب والابن في سورية.