جميل جدًا تعريف الحرية الوارد في إعلان حقوق الإنسان الصادر عام 1789: “حقّ الفرد في أن يفعل ما لا يَضُرّ الآخرين”، وهو تعريف يتفّق مع ما اعتمده الملتقى الفقهي الإسلامي: “الحرية هي ما وهبه الله للإنسان من مكنة التصرُّف، لاستيفاء حقّه وأداء واجبه دون تعسف أو اعتداء”.

لقد تطوّر مفهوم الحرية بتطور البشرية إنسانيًا، وولادة دولة المواطنة ومنظمات حقوق الإنسان، إذ كان عصر الإمبراطوريات يُعَرِّف الحرية بأنها “عدم الاسترقاق”؛ فحاولت الأديان إلغاء العبودية معتمدةً سُنّة التدرّج، إذ ضيقت مُدخلها ووسعت مُخرجها، لكن الأعراف وحاجة الإمبراطوريات إلى الرقّ، لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية، كانت هي الغالبة، ليبقى الرق والعبودية عُرفًا عالميًا حتى كانت نهايته مع صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948، حيث جاء في (المادة:3) منه: “لكلِّ فرد الحقُّ في الحياة والحرِّية وفي الأمان على شخصه”. وأكدته (المادة:4) القائلة: “لا يجوز استرقاقُ أحد أو استعبادُه، ويُحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما”.

الحرية في القرآن الكريم، مفاهيم تنويرية

احترم القرآن الكريم حقّ الإنسان في الاختيار ومنحَه الحرية في ذلك، حتى لو رفض الإيمان، حيث أعطى الإنسانَ ما لم يعطِ لغيره من المخلوقات: حرية الاختيار، وأطلق عليها القرآن اسم (المشيئة)، ومن تعظيم الله للإنسان أن جعل له مشيئة، كما لله مشيئة، ولكن مشيئة الإنسان “كَسْبِية”، ومشيئة الله ذاتية.

والمشيئة هي حرية اتخاذ القرار، فبقدر كسبك للعلم والمعرفة تكون واعيًا، وتختار بحرية دون إكراه على الاختيار، مع منحك خيارات متعددة، وكلما زاد علم الإنسان، زادت حريّته، وأصبح أقرب للصواب في اتخاذ القرار الصحيح. ومن صلاحيات المشيئة حقّ الاختيار، ولذلك أكّدها الخالق سبحانه وتعالى، وأطلق عليها اسم “الهداية”، إذ قال: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} البلد:10

والهداية بيان للخيارات دون إكراه على إحداها، وهذا يعني أن كلّ سلوك يقوم على الإكراه هو ضدّ الحرية، فضرب لنا مثالًا بالقمّة، لنعلم أن ما دونه ضد الحرية، فاختار مثال الإيمان، إذ قال: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} البقرة:256. إن هذه الآية العُمدة في هذا الباب تقرّر أن الحرية قبل الإيمان، فجاءت جملة (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) قبل جملة (وَيُؤْمِن بِاللّهِ) فهي تقول إن شرطَ اكتمال الإيمان الكفرُ بالإكراه، ليتولد الإيمان عن قناعة كاملة دون ضغوط.

وفي أسباب النزول، عند الطبري وابن كثير، أن هذه الآية نزلت في أهل يثرب، إذ كانوا يسترضعون أولادهم لدى اليهود، فينشؤون على اليهودية، ولم يكن أهلوهم يجدون في ذلك بأسًا، حتى بعد هجرة النبي إليهم ودخولهم في الدين الجديد، لكن عند الخلاف مع اليهود بعد “غزوة خيبر” وترحيلهم، شقَّ على أهليهم مفارقتهم وجلاؤهم مع اليهود، فعمدوا إلى قسرهم على مفارقة اليهودية واعتناق الإسلام، وأمام رفض الأبناء وتمسكهم بيهوديتهم؛ كان الحل الإلهي انتصارًا رائعًا لحرية الاعتقاد، إذ أنزل الله حكمه القاطع: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}.

الحرية وحكم الردة!

ما سبق يقودنا إلى مسألة أخرى، لا تقلّ أهمية عما ذكرناه آنفًا في حرية المعتقد، وهي بطلان “حد الردة” الذي نُفِّذَ سياسيًا عبر التاريخ، وأصبح اليوم موجودًا في غالبية دولنا، ضمن قانون العقوبات! وإن التشبث بحكم الردة هو تشبث بالدين الموازي الذي اخترع هذا الحد، في أثناء تحالف الفقهاء مع الأمراء، للتخلص من المعارضة السياسية، ولو بحثنا تاريخيًا في كل من نُفّذ فيه هذا الحكم، فسنتأكد من ذلك، وسَنرى هذه الحالة السياسية بغطاء شرعي وبِدعة مخالفة للقرآن وسلوك النبوة، وكأنما فقه الإكراه على الإيمان بات هو الأصل عند هؤلاء السدنة، وفقه الحرية لا قيمة له! بالرغم من أنّ الطرح القرآني يذهب عكس ذلك؛ فالاعتقاد يفقد قيمته الأخلاقية، عندما يكون قائمًا على الإكراه، والحرية هي مدرسة الإبداع والتحضّر والتنمية، وكلما قُيّدت حرية المجتمع؛ قلَّ إبداعه وتخلّف.

وعندما نردُّ حدّ الردة، نردُّه عن علمٍ، لا عن هوى، فمن حيث سندُه، نجد أن راوي حديث (من بدّل دينه فاقتلوه) هو عكرمة (مولى ابن عباس) وهو مجروحٌ في عدالته ومتّهم بالكذب! وكان عبد الله بن عمر يقول لمولاه نافع: “لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس”، وكذلك قال سعيد بن المسيب لمولاه برد: “لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس”. وكان علي بن عبد الله بن عباس يوثق عكرمة بالحديد، ويقول للناس: “هذا الغلام يكذب على أبي”. والإمام مسلم صاحب الصحيح قال: “عكرمة كذّاب”، ورفض أن يروي له حديثًا. أما الإمام مالك، فقد نهى عن الصلاة على عكرمة عند وفاته، وحين توفي لم يصلِّ عليه أحد من أهل العلم.

وأما من حيث متن الحديث، فيكفينا لرفض “حد الردة” أنه غير مذكور في القرآن، بل إن القرآن لم يرتب حدًا على المرتد، بدليل الآية التالية: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} النساء:137. وهذه الآية جامعة مانعة لحدِّ الردة، قاطعة في نفيها له، حيث تبين أن هناك من آمن ثم كفر ثم عاد للإيمان ثم كفر ثم آمن ثم ازداد كفرًا! و(ثم) تفيد الترتيب والتراخي، لغةً، فبأي حديث بعد آيات الله تؤمنون؟!

وعندما تكون هناك قوانين تسنُّها السلطات الحاكمة، وتتدخل في خيارات مواطنيها الدينية والسياسية؛ يصبح المواطن يبحث عن البقاء وينصرف عن الإبداع، بسبب القهر والإكراه المحيط به؛ فتتوسع حينئذ دائرة النفاق الجمعي للنظام والسلطة، أما إنْ سنَّت السلطات الحاكمة قوانين تضمن لمواطنيها الحرية، فسيبدع الإنسان، ويبدأ بحثه عن السعادة، لا البقاء فقط، وقد علّمنا التاريخ أن كل منظومات الإكراه والاستبداد زائلة، مهما طال زمنها. وعلينا أن نعترف بحقيقة، وهي أن كل من يخاف الحرية إنما يخاف على معرفته الناقصة، ويخاف أن ينكشف جهله، وتُفضح عورته الثقافية والمعرفية، وتهزم أمام الحقيقة والعقل، أما الإسلام فلا يخاف الحقيقة ولا الحرية، لأنه أول مَنْ صَدَّرَها ودعا إليها، وليست لديه عورات يخاف أن تنكشف. وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك القضية، حينما طرح المخالفون أفكارهم، إذ قال: {وَإِنَّا أو إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أو فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ قُل لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. سبأ:24ـ25، فالحرية مقدّمة على الإيمان، والحرية في مقاصد الرسالات السماوية والحقيقة الإنسانية أولًا.

تحديث المقاصد الإسلامية

بناءً على ما سبق، ندعو إلى تحديث المقاصد التي وضعها الإمام الشاطبي، في القرن الثامن الهجري، بكتابه (الموافقات) وهو كتاب عظيم، ولكنه اليوم يحتاج إلى تحديث الضروريات أو (الكلّيات) الخمس التي اعتمدها الفقهاء كلهم، وهي: (الدين والنفس والعقل والنسل والمال)، وذلك لاختلاف شكل الدولة من الإمبراطوري إلى المواطنة، وتطور حقوق الإنسان. فمواطنو الدول اليوم ليسوا على دين واحد، إنما على مذاهب ومِلل ونِحل شتى، لذا فإن وضع الدين بالمرتبة الأولى في الكليات أو الضروريات يحتاج إلى تبديل في الترتيب، بأن نجعل النفس بدلًا منه بالمرتبة الأولى، ثم نجعل العقل بالمرتبة الثانية (بدلًا من الثالثة)، فالعقل مناط التكليف، ولا تكليف لمن لا عقل له، كما يُقدَّم النسل كذلك، فالمحافظة على النسل محافظة على الجنس البشري المُكرّم إلهيًا، وهذا يتطلب أن نجعل الحرية على رأس مقاصد الدين؛ فالحرية أولًا، حتى قبل التديّن، لأن الله يريد عبادًا لا عبيدًا. وكم ضحّت شعوب بأرواح أبنائها من أجل الحرية، ليكون ترتيب الضروريات في عصرنا كما يلي: الحرية والنفس والعقل والنسل والدين والمال. وقد قدّم القرآن النفس على الدين، في قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} البقرة:173.

ونجد هذا عمليًا في حادثة عمار بن ياسر، عندما عذّبه مشركو قريش، حتى يكفر؛ فكفر وشتم النبي. وقد روى الحاكم في مستدركه: “أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النبي وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، ثُمَّ تَرَكُوهُ. فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ؟! قَالَ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ قَالَ: مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. قَالَ: إِنْ عَادُوا فَعُدْ”. وهذا يعني أن الله -سبحانه تعالى- يؤكد تقديم النفس على الدين، في حالة الاضطرار والحالات الإنسانية: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} المائدة:3. وفي موقع قرآني آخر، يطالبك الخالق سبحانه بأن تخترق حدود المحرمات الإلهية، إذا كانت هناك مظنة الخطر على النفس، حيث يقول: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} الأنعام:119

فكيف يكون الدّين مقدّمًا على النفس؟! ولذلك فإن المقولة التي لقّنها كهنة الدين الموازي لأتباعهم القائلة: “الإنسان في خدمة الدين”، هي مقولة خاطئة ومخالفة لمقاصد الرسالة السماوية. إنما المقولة الصحيحة هي الدين في خدمة الإنسان. وبهذا نزلت الرسالات السماوية. والله أعلم.