اعتاد النظام الأسدي الاستبدادي الحديثَ عن القضايا الوطنية، أو ما يطلق عليها “القومية”، في أولوياته السياسية على الصعيد السوري الداخلي، وفي أنساقه الاجتماعية كافة، حيث ظهرت عبارات: “لا صوت يعلو على صوت المعركة”، “لا حياة في هذا القطر إلا للتقدّم والاشتراكية”، “الصمود والتصدي”، “الوحدة الوطنية”، “الوحدة العربية”، “المقاومة والممانعة”، “التجانس”.. إلخ، لم يحصد منها السوريون إلا التخلف والجوع والموت في المعتقلات، وتدمير المدن والأحياء، والمزيد من الاحتلالات للوطن السوري.

أطلقت هذه الشعارات الكبيرة الزائفة، على حساب أبسط حقوق المواطن السوري، وأوّلها الحريات الفردية التي تتمثل في الحق في الحياة وحرمة الجسد والأمان، وحرية الفكر والمعتقد والضمير، وحرية الرأي والتعبير، والحق في الحياة الخاصة وحماية المعطيات الشخصية، والحق في حرمة المسكن وحرية التنقل والإقامة وحرية الفنون والحريات الأكاديمية، وهي الحقوق التي أقرّتها الشرعة العالمية لحقوق الإنسان والدول الديمقراطية في العالم كافة.

هكذا نحّى النظام السوري الحريات وحقوق الإنسان كافة، وغيّبها عن السوريين بالمطلق، واعتبرها قضايا ثانوية كمالية أمام قضايا “المقاومة والممانعة” وملحقاتها، غافلًا عن أن هذه القضايا الوطنية الكبرى لن ينجزها إلا المواطن السوري الذي يمتلك ذاتًا واعية ومستقلة عن الآخر، تستحق العيش بحرية وكرامة، وأساس ذلك ممارسة الحريات الفردية في الأنساق الاجتماعية كافة.

وما زال المواطن السوري في مرحلة حكم الأسد الأب والابن هو المغيب الرئيس في هذا الوطن، كذات واعية للحقوق، الأمر الذي جعله قابلًا للنكوص إلى اللاوعي الجمعي، في أي موقف سياسي أو اجتماعي، الناتج عن بقايا ثقافة البنى التقليدية، أي ما قبل الحداثة، التي عادة ما تستثمرها الأيديولوجيات الاستبدادية، بهدف إقصاء الفرد كمواطن، وزجّه في هويات جمعية ما قبل الدولة الوطنية في مشاركاته الوطنية والاجتماعية.

هناك علاقة طردية بين توفر الحريات الفردية وممارستها في أبعادها الثقافية والفكرية والدينية والسياسية.. إلخ، ووجود المواطن المالك للذات الواعية في المجتمع السوري، ويظهر الواقع أن الفرد ما زال مغيبًا بالمطلق بفعل الرؤى الثقافية الاستبدادية الصادرة من النظام الاستبدادي السوري، ومن قبل بعض المعارضة السورية أيضًا، تحت مقولات كبرى (الأمة، الشعب، الطبقة، الطائفة، الدين، القبيلة العشيرة، العائلة، وحدة قوى الثورة والمعارضة، الأولوية إسقاط النظام.. إلخ) التي منعته من التعبير عن ذاته السياسية والاجتماعية، خارج هذه الهويات الجمعية الزائفة التي هدفها الرئيس تزيين وتجميل الاستبداد والفساد في الوطن السوري بدعوى أن الحريات الفردية تضعف الدولة، الأمة، المقاومة، الممانعة، الوحدة الوطنية، وحدة قوى الثورة والمعارضة، وحدة نهج الجهاد والمجاهدين… إلخ.

 الدعوة إلى إنجاز الحريات الفردية وممارستها في الأنساق الاجتماعية كافة، بالنسبة إلى هؤلاء، هي دعوة مشبوهة وعميلة للخارج تدعو إلى شقّ الصفوف، وتُغفل أن قوة الدولة، الأمة، المعارضة، الأحزاب، المؤسسات تأتي من قوة الأفراد الأحرار وفاعليتهم، وقد تبيّن من تجارب الدول الليبرالية أن هناك علاقـة طرديـة إيجابيـة، بـين إطـلاق الحريـات الفرديـة وممارستها والتنميـة البـشرية، ومن تجارب الأنظمة الاستبدادية، تبيّن أن قمع الحريـات والتـضييق علـى المواطنين والتعسّف والاسـتئثار بالـسلطة يـدفع نحـو هجـرة العقـول والمفكـرين إلى الخـارج مـن جهـة، ويدفـع المـواطنين نحو الإرهاب والعنـف وشـيوع حالـة مـن اللامبـالاة والفوضـى، مـن جهـة أخـرى.

المواطن الحر، الذي يمتلك الذات الواعية للذات وللآخر في الوقت نفسه، هو الحامل الاجتماعي والسياسي الرئيس في عملية الانتقال، من دولة الاستبداد والبنى التقليدية ما قبل الحداثة إلى دولة الحداثة والمواطنة؛ إذ تُعدّ الحريات الفردية المعيار الرئيس في الانتساب إلى قيم الحداثة والديمقراطية.

 المواطن الحر هو الحامل الرئيس للعقد الاجتماعي، وهو من يقوم ببناء الدولة الديمقراطية ومؤسساتها، لأنه حامل الصوت الانتخابي الحرّ، كعنصر حاسم في العملية الانتخابية الديمقراطية، ولأنه الموضوع الرئيس لحقوق الإنسان، ذلك أن الحقوق الاجتماعية والسياسية متعلقة بالكرامة الشخصية للمواطن، كذات واعية لذاته وللآخر. فمن خلال وعي المواطن لذاته يشعر بالحرية وضرورة امتلاكها وممارستها، وفي وعيه للآخر يشعر بحرية الآخر وحقه بالاختلاف عنه.

الاستبداد ليس مجرد سياسة نظام استبدادي فقط، بل ثقافة مجتمعية متكاملة من خلال توفر بنيات اجتماعية سياسية مستبدة، لولا وجودها التاريخي لما استطاع هذا النظام الأسدي أن يستمر في استبداده أكثر من عقود خمسة، عمد فيها إلى تهميش وتحطيم الروابط المكونة لهوية المواطن السوري الفردية الحرة، أي تحطيم المواطن السوري ككائن بشري.

لذلك، جاءت ردة فعل النظام السوري الوحشية تجاه الثورة 2011 التي تمحورت حول مطلب رئيس بالحرية والكرامة، المطلب الذي لو أنجز وتحقق، لكان من أهم المنجزات السياسية للسوريين منذ الاستقلال حتى اليوم، الحرية التي كان توجهها الرئيس التحرر من الأيديولوجيات الشمولية الاستبدادية كافة، سواء أكانت قومية أم يسارية أم إسلامية… الخ، التي تتضمن مقولات مطلقة لكل زمان ومكان وهي زائفة في الواقع المعاش.

إنجاز الحريات الفردية يعني أيضًا التحرر من ثقافة الاستبداد والإكراه، لدى بعض المعارضة السورية التي تشبه ثقافة النظام الاستبدادي في الممارسة على أرض الواقع، في المناطق الخارجة عن سلطة النظام، والتي تمارس الاستبداد في الأنساق المجتمعية كافة، وتتخفى وراء مقولات حقّ يُراد بها باطل “أولوية إسقاط النظام”، ومحاربة الإرهاب و(داعش) وغيرها من مقولات ديماغوجية لا تنطلي على المواطنين الأحرار. التي ما تزال في صراعاتها مع بعضها البعض تدوس على حرية وكرامة المواطنين السوريين بأقدامها.

 أخيرًا، لن تُبنى سورية، كدولة ديمقراطية حداثوية، إلا إذا أنجزت الحريات الفردية من قبل مواطنين أحرار قادرين على إزالة كل المعوقات التي تعترض السوريين في المضيّ في مشروع بناء الوطن الديمقراطي الحداثي، إذ لا حرية لوطن دون أفراد يعون ذاتهم وذات الآخرين، يكونون مواطنين أحرارًا بكل ما تعني الكلمة. وكان المفهوم الشائع، عبر التاريخ، أن وجـود الفـرد سـابق علـى وجـود الدولـة والـسلطة السياسية، وبناء على ذلك؛ تكون مهمة السلطة السياسية صون الحريـات الفرديـة وحمايتها، وسورية بأمس الحاجة إلى قوى وتيارات سياسية اجتماعية تحمل برامج إجرائية، جوهرها الحريات وحقوق الإنسان كافة، وأولها الحريات الفردية، التي تنتج بدورها المواطن السوري الحرّ الذي يمتلك الذات الواعية لنفسه وللآخر، ويرفض الخنوع والطاعة المطلقة للنظام الأسدي الاستبدادي ولقوى الأمر الواقع في المناطق الخارجة عن سيطرته الأمنية والعسكرية، ويمتلك الوعي والشجاعة والسمو الأخلاقي في أدواره المهنية والشخصية، في عملية بناء سورية، دولة القانون والمواطنة، وفي عملية صون القضايا الوطنية السورية كافة.