قد لا يعرف كثيرٌ منا أن نظريات المؤامرة تنتمي إلى علم النفس، وليس لها دخل بعلم السياسة. طبعًا في السياسة كلّ الدول تستثمر في مجريات الأحداث وتوجّهها لخدمة مصالحها، غير أن النظر إلى السياسة من ألفها إلى يائها، وتفسير كل الأحداث، من أصغرها إلى أكبرها، بالمؤامرات، هو قضية نفسية لا قضية سياسية. بمعنى أنها تحل مشكلة المتكلم في السياسة، لا مشكلة الوضع السياسي، من حيث إنها تهدف، في النهاية، إلى التخفيف من توتر المتكلم، وتبرير عجزه، وأحيانًا تبرير إجرامه، عبر إطلاق العنان لتضخيم المؤامرات عليه، والغرق في شطحات المظلومية النفسية.

تنتشر ظاهرة التفكير في السياسة عبر المؤامرات في بقاع مختلفة من العالم، فعلى سبيل المثال، نصف البريطانيين يؤمنون بوجود منظمة خفية تتحكم في العالم، وأكثر من نصف الفرنسيين يؤمن بإحدى نظريات المؤامرة المعروفة، وأكثر من ثُلث الأميركيين يؤمنون بأن السلطات الأميركية قد تكون ضالعة بتفجير برجَي التجارة في نيويورك. ومع ذلك، يُعدّ العالم العربي من المناطق التي تشهد أكبر رواج لنظريات المؤامرة. وذلك يعود إلى أسباب مختلفة، يأتي في مقدّمتها العجز المستدام الذي تعانيه المنطقة العربية منذ مدة طويلة، وعدم تمكّن شعوبها من إجبار أنظمتها التسلطية على السير في طريق الديمقراطية والإصلاح.

بحسب علم الاجتماع السياسي، فإن اللجوء إلى نظرية المؤامرة يرتفع في زمن الأحداث الكبرى والتحولات الجسام، بحيث تقدم نظريات المؤامرة، لجميع الأطراف المتصارعة، نوعًا من التفسير يقوم بإدانة الآخر وتحميله كل الصفات غير الأخلاقية في عالم السياسة. وهكذا، أخذت نظريات المؤامرة قسمًا كبيرًا من الجدل الذي يدور حول ثورات الربيع العربي، الأزمات الاقتصادية العالمية، حروب الخليج الأولى والثانية، نشأة (داعش) في المنطقة، الأصول العائلية الغامضة للحكام العرب، وأخيرًا جائحة كورونا ولقاحاتها. وبحسب أستاذ علم النفس السياسي ستيفان ليونداوسكي، فإن خطورة نظريات المؤامرة تجعل أصحابها يؤمنون بها أكثر حتى من الحقائق العلمية، لدرجة أن الرجل الذي يقدّم لهم أدلة علمية تدحض تلك النظريات، قد يورّط نفسه بتهمة الاشتراك في المؤامرة.

وقد وصل الوضع المعقد الذي بتنا فيه في سورية إلى أنّ كلًّا من النظام الأسدي ومؤيديه من المتدينين من جهة، والمعارضة بشقيها السياسي والديني من جهة ثانية، يلجؤون إلى نظرية المؤامرة، لاتهام الطرف الآخر بأنه مدعوم من قوى خارجية، وأنه مجرد أداة بيد الأعداء. حتى بات المرء يشعر بأنه غريب وسطحي، إذا لم ينطلق في نقاشاته للوضع السوري من نظريات المؤامرة والمؤامرة المعكوسة.

بعد وصول حزب البعث للسلطة، ثم انقلاب حافظ الأسد واستفراده بالحكم؛ أصبحت نظرية المؤامرة هي المكون الأساسي للتفكير بالسياسة في الأيديولوجية الرسمية السورية، ولم يعد من حديث لوسائل الإعلام ومؤسسات الحزب سوى الحديث عن مؤامرات: مؤامرات عربية، مؤامرات دولية، مؤامرات من قبل الإخوان المسلمين. كان النظام يستخدم هذه النظرية لتحقق ثلاثة أهداف أساسية: الأول هو إثارة مشاعر الخوف لدى السوريين على هويتهم ومستقبلهم ووطنهم، لدفعهم إلى التمسك بالنظام بوصفه طوق النجاة الوحيد. أما الهدف الثاني فهو تأجيل كل مطالب الإصلاح والعدالة والحقوق، حتى الانتهاء من مواجهة تلك المؤامرات. الهدف الثالث، وهو الأكثر استخدامًا، كان إيجاد “تهمة جاهزة” يمكن أن يلصقها بكل من تظهر لديه علامات عدم الرضى والتورط في معارضة النظام علانية، بحيث يتم تحويل المعارض إلى خائن أو عميل، وما إلى ذلك من صفات لا أخلاقية في عالم السياسة.

القضية اللافتة للانتباه في الوضع السوري، والعربي عمومًا، أن نظرية المؤامرة لا تنتشر في أوساط الثقافة الشعبية وحسب، ولكن بين أوساط النُخب الفكرية والسياسية والدينية أيضًا، وهذا مرده، في تقديري، إلى عدم قناعة السوريين بتلك النُخب، الأمر الذي يجعلها تحابي الثقافة الشعبية، وتتبنى رؤاها، لتحافظ على مكانتها ضمن الأوساط الشعبية، ولنصل إلى وضع معكوس ومعقد قلّما نجده في بلدان أخرى، ويتمثل هذا الوضع في أن الثقافة الشعبية هي التي توجه تلك النخب، على الرغم من أنها ثقافة عانت، طوال نصف قرن من الزمن، “البروباغندا” الأسدية، والاستقواء عليها من قبل وسائل الإعلام والأحزاب والمدارس والمنظمات والجامعات والجوامع، والأجهزة الأمنية التي توجه كل هؤلاء. أي إنها ثقافة أجبرت على أن تكون سطحية وساذجة ومزاودة، ومسكونة بهواجس الخوف من الآخرين وتضخم الهوية.

يعكس تبني النُخب المؤيدة للنظام والمعارضة لنظريات المؤامرة، بنفس الوقت، الوضع الزائف الذي وجدت نفسها فيه. نُخب قد يهمّها مكانتها الاجتماعية والمزايا التي تتمتع بها وحبّ الذات والنجومية، أكثر بكثير مما يهمها حصول السوريين على حقوقهم وحرياتهم، وبناء مجتمع عادل يحفظ كرامتهم. لا يمكن فهم موقف الشاعر المعروف نزيه أبو عفش، أو مفتي سورية السابق أحمد حسون، أو باقي نخب النخب المؤيدة للنظام، إلا في سياق التمتع بالمزايا وحبّ المكانة والنجومية، فهم ليسوا سذّجًا لدرجة أنهم لا يعرفون حقيقة النظام الأسدي. ولكن تروق لهم سذاجتهم، ليس لشيء، سوى إخفاء لاأخلاقيتهم، فلا يجدون مخرجًا لهذا الوضع الصعب سوى نظرية المؤامرة.

وبالمقابل، تحرص نسبة لا بأس بها من نُخب المعارضة، ولا سيما ذوي التوجه الديني واليساري، على الالتصاق بنظريات المؤامرة، إما لإخفاء فشل المعارضة في القيام بمساعدة السوريين بشكل حقيقي وفعال، وإما لتبرير امتلاك قسم منهم لأموال كثيرة، ولا سيما المعارضة ذات التوجهات الدينية، التي تركت السوريين لمصيرهم، ووصلت إلى ماليزيا بحثًا عن الشهرة والنجومية.

ما يريد أن يقوله هذا المقال أن الوقت قد حان لكي يسحب السوريون ثقتهم من النُخب، ولا سيما أن تجربة الثورة المصرية تقول إن النُخب السياسية والدينية هي من خرّبت الثورة، وسلّمت مصر للسيسي، بسبب خلافاتها وشهوتها للمكانة والنجومية والسلطة. فالنُخب فئة مثلها مثل المعلّمين أو العمال أو التجار أو الأطباء، قد يهمّها في النهاية مصالحها ومكانتها أكثر مما يهمها الأهداف الأخلاقية الكبرى. ولذلك على السوري اليوم أن يتعامل مع تلك النُخب بوصفها مسؤولة أمامه وليس العكس، ومتَّهمَة عليها أن تثبت براءتها، وفاسدة عليها أن تثبت نظافة يدها.