ما إن انطلقت الانتفاضة السورية، حتى بدأ الحديث عن هوية الدولة المأمولة. وظهر الانقسام بين التيارين المحافظ والعلماني، ليضاف إلى انقسامات المجتمع السوري. وتتالت البيانات والبيانات المضادة، حتى كاد الطرفان ينشغلان عن القضية الأساسية: دمقرطة البلاد.

اشتدّ هذا الجدال مع مجيء اللجنة الدستورية والحديث عن دستور البلاد، وبدلًا من الحديث عن نظام الحكم، وصلاحيات السلطات الثلاث، ودور المحكمة الدستورية، والحكم المحلي واللامركزية؛ اشتد الحديث عن المادة الثالثة في الدستور: وهي المادة التي تنصّ على أنّ “دين رئيس الجمهورية الإسلام. الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع. تحترم الدولة جميع الأديان، وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها، على أن لا يخل ذلك بالنظام العام. الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية”. المادة التي ظلت في الدساتير السورية المتعاقبة منذ دستور 1950[1].

ففي حين كان التيار المحافظ مصرًّا على بقاء هذه المادة، كان التيار العلماني يصرّ على إلغائها، على قاعدة حيادية الدولة تجاه جميع الأديان، وعلى المساواة التامة بين النساء والرجال، وإلغاء أيّ تمييز بحسب الجنس أو الدين أو العرق، في القانون وفي المناصب، وعلى رأسها منصب رئيس\ة الجمهورية.

وفي مثل هذا الجدال، تبقى الأسئلة الأكثر أهمية: ما أهميّة مثل هذا النقاش؟ هل يستطيع أي طرف فرض رؤيته على الآخر؟ وأخيرًا، هل هنالك إمكانية لإيجاد مساحة توافق بينهما في مسألة دستورية حساسة مثل هذه المسألة؟

نسعى في هذه المقالة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، معتمدين على أمثلة من التاريخ الدستوري السوري والعربي، مع المقارنة مع حالات من الدساتير العالمية.

في فائدة مثل هذا النقاش

ننطلق في تفنيد فائدة مثل هذا الجدال من فرضية مفادها أن النص الدستوري المرتبط بالهوية لن يكون ذا تأثير كبير على النصوص القانونية اللاحقة، وذلك بالاستناد إلى الدساتير السورية والقوانين الموضوعة في ظل هذه الدساتير من جهة، ومن جهة أخرى، في تجارب عدد من الدول العربية التي تظهر تجاربها الدستورية ضعف تأثر القوانين عمومًا، وقوانين الأحوال الشخصية خصوصًا بدساتيرها. فالتجارب السورية والعربية والعالمية، كما سنرى لاحقًا، تؤكد أن القضايا القانونية المرتبطة بمسألة الهوية تتصل بالقوى المهيمنة على السلطة، سواء بوسائل ديمقراطية عبر السلطة التشريعية، أو بوسائل استبدادية عبر هيمنة السلطة التنفيذية على السلطات الثلاث.

فدساتير سورية قبل العام 1950 لم تحدّد دين الدولة، ولا مصدر التشريع فيها، لتكتفي بدين رأس السلطة التنفيذية، الملك في حالة دستور 1920، والرئيس في حالة دستور 1930. ومع ذلك، ظلت قوانين الأحوال الشخصية، على سبيل المثال، مستندة إلى الشريعة الإسلامية.

ودستور تونس يذكر في مادته الأولى: ” تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، ولغتها العربية، والجمهورية نظامها”. ومع ذلك، فإن القوانين التونسية المتعلقة بالأحوال الشخصية، مثلًا، لا تستند جميعها إلى الشريعة الإسلامية[2] . فهي -على سبيل الذكر لا الحصر- تحظر تعدّد الزوجات، وكادت إبان حكم القائد السبسي أن تفرض المساواة في الميراث.

أما أندونيسيا، وهي كبرى الدول المسلمة، فدستورها لا يأتي على ذكر كلمة إسلام واحدة، إذ يكتفي نصّها الدستوري بالنص على الإيمان بالله الواحد الأحد[3]. ومع ذلك، فإن قوانينها المصرفية والمالية، ومحاكمها، وقوانين الأحوال الشخصية، تستند بوضوح إلى الشريعة الإسلامية. وبالرغم من النصّ على المساواة في عدد من مواد الدستور، فليس هنالك مساواة في الميراث بين النساء والرجال، في قضايا الميراث، فضلًا عن أن القانون الأندونيسي لا يزال يسمح بتعدد الزوجات، مثلًا.

وكذلك ينص دستور النرويج على دين ملكها، وعلى خصوصية الكنيسية اللوثرية فيها، ولكنها في الوقت ذاته تسمح بزواج المِثليين منذ العام 2009.

إذًا؛ الأثر الدستوري لنصّ دين رأس السلطة التنفيذية أو تحديد دين الدولة، أو ذكر مصدر التشريع فيها، ليس كبيرًا في التشريعات المستندة إلى الدستور[4].

في إمكانية حيادية الدولة تجاه الدين في سورية

نرى أن النصّ على علمانية الدولة، أو على حيادية الدولة تجاه الأديان، أو عدم ذكر الإسلام في الديباجة وفي نصوص الدستور، هو أمرٌ غير ممكن، عمليًا، لأسباب اجتماعية وسياسية.

فغالبية المجتمع في سورية من التيار المحافظ، سواء كنا نتحدث عن التيار المحافظ المسلم أم التيار المحافظ المسيحي[5]. بالتأكيد، هنالك تفاوت بين المناطق والمجتمعات المحلية في مستوى المحافظة، لكنها مع ذلك تبقى -برأينا- هي غالبية السكان. لا يستند حكمنا هذا إلى إحصاء عددي. فمثل هذا الإحصاء غير متوفر عمليًا. لكن، لننظر إلى تاريخ إدخال المادة الثالثة في الدستور والحوارات والاحتجاجات التي رافقت محاولات إزالتها منه. ففي عام 1950، مثلًا، حدثت تحركات من النخب ومن المجتمعات المحافظة عند محاولة التيار العلماني إزالة الإشارة إلى دين الدولة. وحدثت مثل هذه الاحتجاجات، عند الإعداد لدستور 1973 في حماة وحلب وحمص ودمشق[6]. وقد أفضت مثل هذه الاحتجاجات إلى تراجع التيارات العلمانية، والقبول بالهوية الإسلامية للبلاد، كجزء أساسي من هويتها.

وإننا نرى أنْ لا أرضية سياسية متوفرة للتيار العلماني، كي يفرض رؤيته؛ فالسلطة السورية تميل إلى محاباة التيار المحافظ، وهي تصبح ملكية أكثر من الملك، عند الحديث عن هوية الدولة[7]، وقد نُقل عن الأسد قوله إن اليد التي ستمتد إلى المادة الثالثة ستُقطع. ويضاف هذا إلى أن تيارات المعارضة المختلفة غير متفقة في ما بينها على هوية الدولة، وهي في أفضل الأحوال منقسمة بين التيارين، مع ميلنا إلى غلبة التيار المحافظ فيها على التيار العلماني. وإذا تمت كتابة الدستور من قبل اللجنة الدستورية القائمة حاليًا، فإن فُرص فرض علمانية الدولة ستكون شحيحة للغاية!

ومن جانب آخر، نجد أن الدول التي تحظى بتأثير كبير في الملف السوري، أي روسيا وتركيا وإيران، ليست متحمّسة لعلمانية الدولة؛ فروسيا، مثلًا، وهي التي ينصّ دستورها في المادة الرابعة عشرة على علمانية الدولة، عادت لتعدّل بعض نصوصه وتُدخل إشارة إلى الربّ وترفض زواج المثليين، ولتعزز النزعة المحافظة التي وسمت حكم بوتين. وكذلك تركيا، مع أنّ دستورها واحد من أكثر الدساتير علمانية، إذ إن السلطة الحاكمة فيها لن تؤيد علمانية الدولة في سورية، وهي ما زالت تحاول الانقلاب على الأفكار العلمانية الأتاتوركية، فلماذا ستعمل على فرضها في دولة مجاورة، مع أخذنا بعين الاعتبار أن كرد سورية يميلون إلى العلمانية، مما يزيد من عداء تركيا للأخيرة! أمّا إيران، فدستورها واحد من أكثر الدساتير دينية في العالم.

إذًا؛ لا يمكن -برأينا- علمنة الدولة، لا اجتماعيًا ولا سياسيًا.

في بناء توافق بين التيارين المحافظ والعلماني

مع كل ما ذكرنا، نرى أن هنالك فرصة مهمة لبناء توافق بين التيارين في صفوف المعارضة؛ فالتيار العلماني يمتلك أدوات مخاطبة العالم عبر مدخل الحقوق، والتيار المحافظ يمتلك أدوات مخاطبة المجتمع، وبالتالي هنالك حاجة تاريخية إلى بناء توافق واقعي بينهما، والانصراف إلى لعبة الدمقرطة.

فُرص التوافق هذا قد تأتي من واقع أن هنالك من بين التيارات المحافظة مَن لا يرى مانعًا من عدم تحديد دين رئيس الدولة أو جنسه، مستندين إلى التفسير القائل بأن رئاسة الدولة وظيفة حكومية، وليست منصبًا شرعيًا أو إمامة. وفي هذا تحقيق لأحد مطالب العلمانيين، بعدم التمييز بين المواطنين، على أساس الجنس أو على أساس الدين.

برأينا، إن تركيز القوى العلمانية على الحدّ الأقصى لن يُفضي إلا إلى ضياع فرصة التوافق، ومن ثمّ إلى تحقيق بعض التقدّم الواقعي من جهة، ومن جهة أخرى، إلى ضياع فرصة التوافق على برنامج مشترك لتحقيق التغيير الجذري والعميق في شكل الدولة، والالتفات إلى الضامن الحقيقي للهوية السورية أي الدمقرطة!


[1] دستور سوريا لعام 1950

[2] دستور تونس 2014 الفصل الأول، المادة الأولى.

[3] دستور إندونيسيا عام 1945، الديباجة.

[4] زيدون الزعبي، الدين والدولة بين التيارات الليبرالية والمحافظة السورية: قراءة في ثلاثة دساتير سورية، ص 38، 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 ، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

[5] دستور سوريا عام 1950، المقدمة.

[6] “سعيد حوى، هذه شهادتي وهذه تجربتي، ص 105-106 و 109 -111، مكتبة وهبة، القاهرة، عام 1987.

[7] انظر مثلًا خطاب الأسد في جامع العثمان، في 7 كانون الأول/ ديسمبر 2020، في جمع من رجال الدين.