لم تكن مفاجِئةً تلك الهرولة من حكومات بعض الدول العربية، نحو إعلان تطبيع العلاقات مع “إسرائيل”؛ فالأمر كاشفٌ لعمق العلاقة لا مُنشئ لها، كما يقول القانونيون عادةً في توصيفهم لبعض الأحكام. والأمر أيضًا أعمق من مجرد الترويج للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومراكمة إضافية لبعض النجاحات في ملف سياسته الخارجية، مقابل منافسه الديمقراطي، بالرغم من أنّ الحديث في هذا الأمر بات خلفنا، بعد نجاح بايدن نجاحًا نهائيًا وحاسمًا. إنّه تعبيرٌ عن مجموعة متشابكة من العلاقات، بين أنظمة الحكم الوظيفية هذه، وبين مصادر شرعيتها الخارجيّة المتضخمة على حساب مصادر الشرعية الداخلية.

تكتسب أنظمة الحكم في العصر الراهن شرعيتها من خلال آليات داخلية بالدرجة الأولى، ومن خلال اعتراف المجتمع الدولي بها بالدرجة الثانية؛ ففي المقام الأول، يجب أن تراعي الحكومات مبادئ عديدة، لتنال شرعية حقيقية من شعوبها، وليست الانتخابات الديمقراطية إلّا واحدةً منها. ولعلّ من المفيد هنا القول إنّ مبادئ الحكم الرشيد السبعة، وفق تصنيف لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والمحيط الهادئ: (المشاركة، سيادة القانون، الفعالية والكفاءة، الاستجابة والمساءلة، الإنصاف والشمولية، توافق الآراء، والشفافية) هي المقياس الأكثر تطورًا لمعرفة مستوى الشرعية الداخلية، لأي حكومة أو نظام حُكم. بعد ذلك، يأتي المعيار الخارجي المتمثل بقبول هذه الدولة، أو نظام الحكم هذا، في إطار المجتمع الدولي، من حيث توافقه مع متطلباته، وما يحكم العلاقة بين أطرافه من قوانين ومعاهدات ومبادئ وأعراف دولية، والتزامه بها.

لكنّ الدول المحكومة بأنظمة تفتقد إلى الشرعية الداخلية، بسبب وصول حكامها إلى سدّة السلطة بانقلابات عسكرية مثلًا، أو بموجب تفاهمات وضمانات من دول الاستعمار التي كانت تخضع لها تلك الدول، ستكون مجبرة على استمداد الشرعية واستجدائها من عنصرها الوحيد الممكن، أي من الخارج، أو من علاقتها بالدول الأخرى الضامنة لبقائها بضمان استمرار المصالح المشتركة بينها، أو بالأحرى من بعض الدول التي تشكل ثقلًا في هذا المجتمع الدولي، مثل الولايات المتحدة الأميركية.

قد يكون من المفيد تخصيص المغرب العربي بدراسة خاصة، لمعرفة أسباب التطبيع المُعلن أخيرًا، فالشرعية التي يحوزها نظام الحكم الملكي تمتدّ إلى عشرات بل مئات السنين، وهو أمرٌ يتكامل نوعًا ما مع محاولة الإصلاح التي بدأها العاهل المغربي، مع بداية موجات الربيع العربي. لكنّ أخذ خصوصية المغرب، وقوّة تأثير اللوبي اليهودي هناك، يجب ألا يُخرج الأمور عن سياقاتها العامة التي لا تبرر أي تطبيع مع “إسرائيل”، خاصة في هذه الظروف المزرية التي وصلت إليها الدول العربية بالمجمل.

بعض التبريرات التي نسمعها، لتطبيع العلاقة بين “إسرائيل” وحكومات بعض هذه الدول، ضعيفة وواهية حتى إنها لا تكاد تنطلي على أصحابها. وباستثناء المغرب العربي مرّة ثانية، لنا أن نتساءل: منذ متى كان للصراع العربي الإسرائيلي تأثيرٌ على تلك الدول العربية البعيدة عن فلسطين؟ وكم من الشهداء قدّمت هذه الدول على ثراها؟! وهل كانت في أي يوم من الأيام على موعد مع غارات سلاح الطيران الإسرائيلي؟ وهل تعرضت حدودها للخرق والتغيير، بسبب قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي؟ هل فتحت هذه الممالك والإمارات أبوابها مشرعة، في أي يومٍ من أيام الأعوام الاثنين وسبعين الماضية من عمر هذا الصراع، لاستقبال أبناء فلسطين، أم كانت على الدوام تعاملهم كأغراب، حتى عندما قدموا إلى صحرائها ليُسهموا في إعمارها؟

إنّ النظر بعمق إلى العلاقة، بين حكّام هذه الدول والكيان الإسرائيلي، يكشف أنها قد تجاوزت حالة التطبيع، لأنه لم يكن هناك أساسًا أي صراع أو خلاف أو استثناء يُخرج الأمور عن طبيعتها، فالأمور كانت على الدوام تشي بوجود تحالف وتعاون مستتر خفي، وهذا ما ظهرَ أخيرًا إلى العلن، حيث بُنيت على الأحكام مقتضياتها. المشكلة التي لا يدركها هؤلاء أنّهم يقدّمون خدمات مجانيّة من دون الحصول على مقابل، وأنهم يُلحقون الضرر بقضيّة شعبٍ ما زال يناضل من أجل إثبات حقوقه المغتصبة، على مدار سبعة عقود طوال. ويظنّ هؤلاء أنهم سيفلتون من لعنة الحاضر لأنهم يتفيّؤون بظلال الأقوياء، لكنهم ينسون أو يتناسون عِبَرَ التاريخ ودروسه، وأنّ المستقبل لا يقطع مع الماضي بالمطلق، فهو حفيده، كما هو ابن الحاضر، ومن يؤسس مشروعه على رمال متحركة، لن ينعم يومًا بالاستقرار والأمان.

بالمقابل، نرى كيف تحاول حكومات “إسرائيل” المتعاقبة جاهدة بناءَ شرعية داخلية لمواطنيها اليهود -دون السكان الأصليين أصحاب الأرض من الفلسطينيين الذين بقوا في بلادهم بعد الاحتلال- عبر التأسيس لحالة ديمقراطية، فيها أغلب مقومات الحكم الرشيد، وتحاول بأقصى ما في وسعها تعزيز شرعيتها الخارجية، من خلال المشاركة الفعّالة في مؤسسات المجتمع الدولي المختلفة. لا تترك حكومات “إسرائيل” مجالًا إلا استغلّته لإثبات أنّها موجودة وقويّة وقادرة على البقاء، لذلك نجد هذا الكيانَ الرابحَ الوحيد من سباق التطبيع، فهي بحاجة دائمة إلى إثبات أنها كيانٌ طبيعي وفاعل ومرغوب فيه من دول الجوار.

ليس بعيدًا عن الأذهان شكل إنشاء هذا الكيان بقرار غربي، للتخلّص من عقدة الذنب تجاه اليهود الأوروبيين، ولحلّ مشكلة وجودهم في تلك البلاد، على حساب أمن واستقرار بلادنا، وعلى حساب شعب كامل تمّ تهجيره وتدمير تاريخه وتراثه، لكننا نرى بأمّ العين كيف يستكمل حكّام مدن الملح هذه الآنَ حلقات مسلسل التهجير والإحلال الاستيطاني الصهيوني. إنّه التصرّف الطبيعي لمن يبحث في التطبيع مع العدّو عن بديل لشرعيته المفقودة، بدلًا من أن يعمل على بنائها بجدارة واستحقاق وطنيين.