تشيطن بعض الثقافات السياسية الحديثة مفهوم “اللوبي” المرتبط بجماعات الضغط المصالحية؛ حيث ارتبط هذا المفهوم، في شرقنا العربي، بالصهاينة لدى العلمانيين، وباليهود لدى سواهم. وفي الغرب، وفي توصيف أقرب للواقع، توجِّه المجموعات اليسارية إصبع الاتهام -في كثير من مآسي العالم في الاقتصاد وفي السياسة- إلى لوبيات السلاح والنفط والدواء، على سبيل المثال، بينما تتحاشى الثقافة السياسية الفرنكوفونية اللجوء إلى هذا المصطلح، وتعدّه رجسًا من الأعمال التي يمكن أن تؤطر جماعة دينية أو عرقية. واستنادًا إلى مفاهيم الحرية والعدال والمساواة الغالية على الثورة الفرنسية، تبدو كلمة “لوبي” غير محمودة الاستخدام، في الخطاب السياسي الفرنسي السائد. مع الإشارة إلى بعض الخلخلة في هذه القاعدة، في السنوات الأخيرة، ولكنها لا تشكّل -حتى يومنا هذا- تأثيرًا واضحًا كافيًا لرفع الحرج في استخدامها في اللغة العامة، للسياسيين ولممثلي المجتمع المدني وللصحافة. أما عربيًا، فقد استسهل كتّابنا وصانعو الرأي في صحافتنا اللجوءَ إلى تلك العبارة، عند الإشارة إلى كل ما هو سلبي ومؤثر في سياسات الغرب، تجاه قضايانا المُحقّة. وكذلك مال الخطاب السياسي إلى اللجوء إلى هذ المفهوم، لوصم كل أمر سلبي، وصارت كلمة اللوبي تُستخدم ضمن سياق لا علاقة له بمفهومها الأساسي وتعريفها الفعلي.

إن “اللوبي” هو مجموعة ضغط تشكّل، فعليًا، مؤسسة تجتمع فيها مصالح مشتركة لجماعات اقتصادية أو منظمات ذات طابع سياسي. والترجمة اللغوية المباشرة لكلمة “لوبي” تعني “الغرفة المجاورة”. وقد استُخدم المفهوم بالإنكليزية، أول مرة، سنة 1830 بالإشارة إلى “ممرات مجلس العموم” والقاعة المجاورة للقاعة الرئيسية المسماة قاعة “الخطوات الضائعة”. وصار شائعًا القول إن هذه المجموعة أو تلك، الممثلة للوبي صناعي أو زراعي أو مالي، تزور المجلس للقيام “بالسير في الممرات”. والمقصود بذلك النقاشُ والحوار مع أعضاء البرلمان، ومحاولة التأثير في توجهاتهم التشريعية التي تمسّ مصالح من ينتمون إلى هذه اللوبيات.

في الأشهر القليلة الماضية، برز تأثير المجموعات السورية النسبي في العمل على تسريع إصدار قانون قيصر الأميركي، للعقوبات المفروضة على المؤسسة الحاكمة في سورية وعلى من يساعدها. وقد أثار إصدار هذا القرار، من بعد طول انتظار، كثيرًا من اللغط الذي احتد خصوصًا بعد إقرار التشريع المتعلق بتطبيق القانون. وتكوّن هذا الجدل البيزنطي، من مدافعين مستميتين عن القانون، عدّوه الحلَّ المخلّص والمنتظر من جهة، وبين مشككين في دوافعه وفي تطبيقه وفي نتائجه، عدّوه الشيطان الرجيم من جهة أخرى. إضافة إلى فئة ثالثة تعتمد العقلانية أكثر من العواطف في تحليل الأمور، وتستند بذلك إلى قراءة سريعة لتاريخ قريب، وتستنتج من خلاله الدروس المستفادة من مراجعة أثر ونجاعة العقوبات المفروضة سابقًا على أنظمة خارجة عن القانون، بحسب معايير حددتها دول بعينها وطبقتها على دول دون أخرى. وفي هذا الإطار، يبدو أن ما يمكن الاصطلاح على تسميته بالـ “اللوبي السوري” في أميركا، استطاع أن يلعب دورًا متميزًا في الترويج لهذا القانون، بالرغم من المبالغات في تقديم وتقييم هذا الدور، التي لا يمكن لخطابنا السياسي على الأقل أن يخلو منها.

بعد مئة يوم تقريبًا، يكون الشعب الأميركي على موعدٍ مع الانتخابات التي سيُسأل فيها الناخبون: هل يرغبون في استمرار الرئيس دونالد ترامب الجمهوري في حكمهم أربع سنوات قادمة، مع كل التراجيديا الكوميدية التي تميّز أساليبه والسياسة العنصرية التي تغازل بشعبويتها البدائية أحاسيس المتطرفين البيض على أنواعهم، أم أنهم سيميلون إلى الجهة المقابلة، حيث يمكث جو بايدن الديمقراطي مراهنًا على غرق ترامب المستمر في رمال هفواته المتحركة؟! الأميركيون هم المعنيون أولًا بنتائج هذه الانتخابات، من حيث استمرار الهزل السياسي القائم على رأس الدولة والتخبّط الاقتصادي والصحي والبيئي، إضافة إلى الميل المتعاظم للشعبوية القائمة على الأحاسيس شبه البدائية للكائن البشري، وهو القليل مما يحفل به سجل دونالد ترامب. كما أن شعوب العالم المتأثرة بالسياسات الأميركية معنية، وإن بشكل غير مباشر، بنتائج هذه الانتخابات أيضًا. ومن هذه الشعوب، السوريون. حيث يعتقد بعضهم أن وصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض سيُعيد إنتاج زمن أوباما الذي يعدّونه سلبيًا تجاه قضيتهم. وبعيدًا عن الملف السوري، يبدو للمراقب المحايد للشؤون الداخلية الأميركية أن أوباما كان قد أبلى بلاءً حسنًا، من حيث المصالح الوطنية، من الصحية إلى الدراسية، وكذلك من حيث اتفاقه مع إيران، الذي يرى بعض السوريين المتحمسين، من دون أن يطّلعوا عليه، أنه يميل إلى مصلحة إيران فحسب، فقد كان اتفاقًا منصفًا ومؤديًا، في حال تنفيذه، إلى وقف إيران عن تطوير طموحاتها العسكرية في المجال النووي. وما إلغاء هذا الاتفاق، من قبل الإدارة “الحمقاء” للعلاقات الدولية (التي يبدو أنها تحلو للبعض) إلا لمصلحة أصحاب الرؤوس الحامية في واشنطن، وهو يصبّ أيضًا في مصلحة المتشددين المحافظين في طهران.

إذا رعت إدارة ترامب “قانون قيصر”، فهذا لا يعني أن يكون السوريون، وخصوصًا من هم في أميركا، دعاةَ تصويت لأسوأ رئيس مرّ بتاريخ الولايات المتحدة. إن البافلوفية السياسية من أسوأ التطبيقات الصفرية، وقد ساعد ضعف المعرفة في تطوير هذا الأسلوب الميكانيكي في اتخاذ المواقف، الذي يعتمد على مقولة “لأن ترامب قد مرّر سيزار، سأرمي بكل المصالح الإنسانية متوسطة وطويلة الأمد في سلة القمامة”، كمقدمةٍ لتبرير وقوف اللوبي السوري إلى جانبه، في محاولته التي يتمنى العقل والمنطق فشلها في العودة إلى البيت الأبيض، في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.