على الرغم من بطش العباسيين وحشيتهم ضد كل معارضة ناهضتهم، استطاع الإمام أحمد بن حنبل (المحسوب بين أئمة الفقه على تيار المتطهرين سياسيًا) أن يسجل انتصارًا شعبيًا تاريخيًا، ضد إرادة السلطة العباسية في واقعة مهمة، سُميت فتنة (خلق القرآن) تم ترويجها على أنها معركة اعتقادية، لكنها ذات جذور سياسية، ولا مجال هنا لشرح ذلك، إذ بيّن المفكر محمد عابد الجابري، في كتابه (المثقفون في الحضارة العربية)، الجذر السياسي لها.

الانتصار الحنبلي التاريخي على فرسان العقل الإسلامي -كما أطلق عليهم الإمام محمد أبو زهرة- هو انتصارٌ مهم، تاريخيًا، على الذين يريدون فرض آرائهم وعقائدهم بالإكراه على الآخرين، ومنح هذا الانتصار ابن حنبل لقب إمام وناصر السُنّة.

وعلى الرغم من تحفظنا على استغلال المعتزلة لقربهم من الخليفة العباسي، إذ اضطهدوا من لم يقل بخلق القرآن، فإن هذا الانتصار -إذا نظرنا إليه إستراتيجيًا- يؤرخ بدقة لانتكاسة العقلانية الإسلامية، إذ سيطرت مدرسة الأثر (الحديث) ومنهجها على المعرفة الإسلامية، وسبّب ذلك استراتيجيًا تخلّفًا عقليًا، ندفع ثمنه حتى يوما هذا! ولا يزال أنصار الانتصار الحنبلي من أهل الأثر أصحابَ قوة إعلامية ومشيخية ضد كل محاولة لإعمال العقل، عادت في العقود الأخيرة لتبسط سلطانها على الإعلام الديني وعلى المجتمع، بشكل أو بآخر، لتكون (المفرِّخ) لكل أشكال التنظيمات المتطرفة التي تنتمي فقهيًا وثقافيًا لها!

استثمرت مدرسة الأثر الانتصارَ الحنبلي لتهيمن على المعرفة الدينية، وأضحى العقل أسيرًا لنصوصها؛ فأنتجت آنذاك تيار أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، وبات يُعدّ وحيًا جديدًا، لإيضاح الوحي القرآني! واستمرت هذه المدرسة باسطة هيمنتها على العقل الإسلامي، ويكفي أن تكون أيّ مرويةٍ صحيحةَ السند، وإن كانت مخالفة للعقل والقرآن، للأخذ بها واعتمادها.

حذر النبي الكريم من الانشغال بما هو دون القرآن الكريم، ونهى عن كتابة الحديث… لتتربى الشخصية الإسلامية على ثقافة وقيم القرآن، ولم يفسر القرآن، لأنه لو فسره لتحنط القرآن على عصر معين.

وبالرغم من اعتراف أحد أهم أئمة هذه المدرسة (البخاري) بأنَّ ما هو منسوب إلى النبي من أحاديث معظمُه مكذوب أو ضعيف، حيث يقول في مقدمة كتابه الشهير (صحيح البخاري) الذي تعدّه أغلب المدارس الإسلامية أصحَّ كتاب بعد كتاب الله: “لقد جمعتُ هذه الأحاديث من ستمئة ألف حديث مروية عن النبي، فاخترتُ الصحيح منها على شرطي (7295) حديثًا. المكرر فيها (4000) فيبقى غير المكرر 3295”. هذا يعني أن نسبة المكذوب على رسول الله -بشرط البخاري- كانت 99,45 %، وبقيت مدرسة الحديث مسيطرة على العقل الجمعي الإسلامي.

هذا كله أسس لانتكاسة تاريخية وتخلف عقلاني، ندفع ثمنه اليوم بمرارة، والويل كل الويل لمن يخرج عن هذا الصندوق! أو يحاول إعمال عقله في نص صح سنده، أو يجتهد في تفسير آية قرآنية، بعكس ما قالت به مدرسة الأثر، وأضحى أنصارُ الصحاح والمسانيد حائلًا ضد أي عملية تدبّر معاصرة للنص القرآني، وحاربوا كل محاولة للخروج من الصندوق، أو إلقاء حجر في مائه الآسن؟! وما فرج فودة، ونصر حامد أبو زيد، والصادق النيهوم، وجمال البنا، ومحمد شحرور، إلا شهداء تلك المدرسة المتكلسة عقليًا، التي جعلت القرآن للبركة والتلاوة فقط، ومن أراد فهمه، فليعد إلى أئمة هذه المدرسة وتراثهم الأصفر، حتى بات العقل حبيس مدرسة أهل الأثر، فكان الانتصار الحنبلي وامتداده سلفيًا، حتى عصرنا، علامة تخلف وانتكاسة للعقلانية، ظاهره السُنة وباطنه التخلف. ومن أخطر ما نتج في عصرنا عن الانتصار الحنبلي سيطرة هذه المدرسة على الساحة الإعلامية والإسلامية وإنتاج القاعدة وأخواتها.

انقلاب الاعتقاد القادري

حاول الإمام ابن الجوزي وابن رجب الحنبلي، في القرن الخامس الهجري، الاجتهاد في المجال العقدي، وتصحيح مسار الأخذ بالأحاديث، نتيجة إدراكهما للتشوّهات العقلية التي ولَّدها الانتصار الحنبلي، بعد أن استفحل التأويل الأثري في آيات الصفات الإلهية! حتى بات مُشَبِهًا! لكن تلك المحاولة سرعان ما قضى عليها المرسوم القادري. حيث سيطر المماليك الذين مثلوا العقلية العسكرية الأعجمية على قرار الخليفة (القادر بالله) حتى أمسى لعبةً بين أيديهم، وتحكمت العقلية العسكرية المملوكية في المصير السياسي والثقافي للأمة كلها! فأصدروا باسم الخليفة أمرًا سلطانيًا سُمي تاريخيًا بـ “الاعتقاد القادري”، حرَّم المقولات العقلانية، وجرَّم من يعمل بعلم الكلام الذي أراده الإمام أبو الحسن الأشعري بداية محاولة لخرق هيمنة الانتصار الحنبلي، وحالة توفيقية مع الفكر الاعتزالي، إلا أن مرسوم الاعتقاد القادري اضطهد دعاة العدل والتوحيد من المعتزلة والأشاعرة، لتعود مدرسة الأثر باسطةً سلطانها على المعرفة الإسلامية، ومساهمة في نكسة جديدة وكبيرة للعقلانية الإسلامية.

وعندما تدرس المرسوم القادري، تجد خلفه بعدًا سياسيًا، يمنع أي محاولة لإعمال العقل حتى يبقى مستكينًا للاستبداد المملوكي، فيأتي أئمة مدرسة الأثر ليستنهضوا نصوصًا توظف خارج سياقها التاريخي خدمةً للاستبداد المملوكي المسيطر على السلطة والمجتمع. وما فتاوى الأزهر والتيار المدخلي السلفي اليوم، المتربصة بكل محاولة عقلانية لترميها بتهمة التجديف الديني فتكفرها، حتى تحافظ على تجهيل المجتمع التي تساهم به السلطة السياسية بالتعاون (الكاثوليكي) مع المؤسسة الدينية، إلا امتداد وتفعيل -بشكل أو بآخر- للاعتقاد القادري، واستثمار للانتصار الحنبلي المذكور آنفًا.

الصحوة الإسلامية وعودة الحنبلية المعاصرة وجنايتها علينا!

بعد انحسار وانكماش مدرسة الأثر الحنبلية قرونًا طويلة، من خلال هزيمة تلك المدرسة التي كان يقودها ابن تيمية أمام التيار الأشعري؛ عاد الانتصار الحنبلي ليبسط سلطانه، مستغلًا ما سُمي بـ “الصحوة الإسلامية” التي بدأت نهاية السبعينيات من القرن السابق، من خلال السلفية المعاصرة التي سيطرت على الإعلام الديني، وباتت ذات تأثير على العقل المسلم، بشكل أو آخر، توجهه في كل مناحي الحياة، بدءًا من اللباس وانتهاءً بالموقف السياسي.

وعلى الرغم من انقسامات المدرسة السلفية المعاصرة إلى تيارات، مثَّلَها في أقصى اليمين تيار السلفية الجهادية، من خلال تنظيم (القاعدة) وما توَلَّدَ عنه من تشوهات كـ (داعش) و(النصرة)، ومثَّلها في أقصى اليسار التيار المدخلي الذي وُلِد إبان حرب الخليج الثانية، ليعود إلى ترسيخ ما أَطلق عليه (شرعية المتغلب) التي ظهرت بعد معركة (صِفين)، ويُجَرِم كل من يخالفها. حتى باتت (المدخلية) ذات جمهور عريض في المغرب العربي، وعلى الرغم من تكفيره للسلفية الجهادية، مارس سلوكها الجهادي ذاته في الحرب الليبية. وغدت السلفية المعاصرة تتربص بكل محاولة عقلانية، داخل الدائرة الإسلامية وخارجها، لتمارس عليها، من خلال إعلامها ومنابرها، مكارثيةً دينية متهمة إياها بالتجديف! واضعة حواجز وجدران بين كل محاولة تنوير ديني وبين المجتمع، فساهمت بانتكاسة العقلانية من جديد.

تحذير نبوي!

أراد النبي الكريم أن تتأسس ثقافة المؤمنين به على أساس قرآني، لا تراثي أثري بشري، لأن كلمة قرآن من معانيها (قَرَنَ) أي ربط وقرن الأحداث الكونية بالأحداث الإنسانية، لمعرفة مراحل التطور البشري، حتى نفهم تطور التشريع الإلهي عبر العصور. وقد حذر النبي الكريم من الانشغال بما هو دون القرآن الكريم، ونهى عن كتابة الحديث، وهذا النهي النبوي لم يكن السبب كما يفسره بعضهم (حتى لا يختلط الحديث بالقرآن) فهذا تفسير طفولي! إنما لتتربى الشخصية الإسلامية على ثقافة وقيم القرآن، ولم يفسر القرآن، لأنه لو فسره لتحنط القرآن على عصر معين، والقرآن أبدي لا يمكن حصر فهمه بعصر معين ولا جيل محدد، ولو كان ذلك صحيحًا لما بقي معنًى لقوله تعالى الذي خاطبنا به {أفلا يتدبرون القرآن}، ولتعميم الثقافة القرآنية قال: “بلغوا عني ولو آية”. ولم يقل: “بلغوا عني ولو حديثًا”!

ولذلك، فإن الذين يروّجون للثقافة الحنبلية اليوم، إنما يريدون -بشكل أو آخر- حصر الفهم والمعرفة بعصر معين وتقييدنا بها، ومنع العقلانية والمعاصرة من ممارسة دورها. ولما انتصرت مدرسة التراث النقلية الحنبلية على المدرسة العقلية المتدبرة تاريخيًا، وصلنا إلى دركات التخلف والانحطاط، وأصبح الآخر يرى الإسلام لم يعد صالحًا بل معوقًا. ويتحمل تلك الانتكاسات العقلية، بشكل أو آخر، الانتصارُ الحنبلي.

لذلك نقول: حرروا القرآن من الأسرِ، أسْرِ حدّثنا، وأسرِ رجال الدين، وأسر “ما ترك الأول للآخر من شيء”.