يستمرّ نظام الأسد وداعموه في عنادهم بتجديد ولاية رئاسة بشار الأسد، على الرغم من الأهوال التي عايشها السوريون، ليس خلال العقد الماضي فحسب، بل منذ تبوّء حافظ الأسد سدّة الرئاسة إثر انقلابه في العام 1971. فقد شغلَ هذا الأخير، ومن بعده ابنه بشار الأسد، منصب رئاسة الجمهورية لأكثر من خمسين عامًا، في ظلّ انتخابات صورية غير حرّة وغير نزيهة. لم تكن هذه الانتخابات أكثر من ظاهرية، يتم خلالها تسخير موارد الدولة للدعاية لشخص الرئيس، وتبديد أموال الساعين لتحقيق مكاسب شخصية، عبر إرضائهم لأجهزة الأمن التي لا تتردد عن ترهيب المواطنين لإجبارهم على التصويت، وتعزيز الملفات الأمنية لمن يمتنع عن الاقتراع لمصلحة النظام الحاكم.

تستدعي الانتخابات الحرّة والنزيهة إجراءَ إصلاح قانوني وسياسي شامل، يؤدي إلى تحقيق انتقال سياسي واستئصال ترسانة التشريعات المكرّسة للاستبداد ولانتهاكات حقوق المواطنين؛ حيث ترتبط الانتخابات بمجموعة من القوانين الناظمة لوجود الإعلام المستقل والصحافة الحرّة وحرية التجمع والتظاهر وتشكيل الأحزاب والجمعيات واستئصال التمييز بين المواطنين، فضلًا عن حتمية الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بما يسهم في تحقيق تداول السلطة الذي لم تشهده سورية على الإطلاق، طوال العقود الماضية. يتزامن هذا الإصلاح التشريعي مع كفّ يد حزب البعث العربي الاشتراكي عن التغلغل في مفاصل الدولة والتأثير فيها، إضافة إلى إلغاء المحاكم الاستثنائية، وحلّ الأجهزة الأمنية وإعادة هيكلتها بناءً على أسس ديمقراطية تخضع بموجبها للرقابة والمحاسبة. وتشكّل مسألة الانتقال السياسي وتهيئة الأجواء الديمقراطية شرطًا أساسيًا، يسبق إجراء أيّة انتخابات حرّة ونزيهة.

تتعارض أيضًا التشريعات السورية الناظمة للانتخابات مع أدنى المعايير الدولية، لا سيّما نصّ المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليها سورية. حيث نصّت هذه المادة على حقّ كل مواطن، دون أي وجه من وجوه التمييز، في أن “يشارك في إدارة الشؤون العامة، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية”، و”أن يَنتخب ويُنتخب، في انتخابات نزيهة تجرى دوريًا بالاقتراع العام، وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السرّي، تضمن التعبير الحرّ عن إرادة الناخبين”، و”أن تتاح له، على قدم المساواة عمومًا مع سواه، فرصة تقلّد الوظائف العامة في بلده”. غير أنّ الدستور السوري الحالي، كسابقه لعام 1971، يتضمن العديد من المواد المنتهكة لهذه المادة؛ حيث تحرم مادته 84 السوريين المتزوجين من غير سوريّات وغير المقيمين في سورية لمدة لا تقل عن عشر سنوات إقامة دائمة متصلة، من تقديم طلب الترشيح. وهذا ما يستثني فئة ليست قليلة من السوريين، لا سيما المهجّرين خلال العقد الماضي، من الترشح للانتخابات. ونجد هذا التمييز بين المواطنين أيضًا، بمقتضى المادة الثالثة من الدستور الحالي التي تنصّ على أن يكون الإسلام دين رئيس الجمهورية، وبذلك يُحرم غير المسلمين من الترشح لهذا المنصب. وقد أضافت الفقرة الثالثة من المادة 85 أنّه “لا يُقبل طلب الترشيح، إلا إذا كان طالب الترشيح حاصلًا على تأييد خطّي لترشيحه من خمسة وثلاثين على الأقل من أعضاء مجلس الشعب”. ومن الواضح في سورية أن السلطة التنفيذية، ممثلةً بشكل خاص برئيس الجمهورية، تسيطر على هذا المجلس، لا سيّما من حيث إمكانية حلّه بحسب المادة 111 من الدستور نفسه، فضلًا عن انتخابات أعضائه التي تسيطر عليها الأجهزة الأمنية وحزب البعث العربي الاشتراكي.

كحال الدستور السوري، جاءَ قانون الانتخابات العامة رقم 5 لعام 2014، ليكرّس انتهاك المعايير الدولية ذات الصلة بالانتخابات. وهو يحوي بدوره على أوجه التمييز المذكورة بالدستور والخاصة بترشّح رئيس الجمهورية. ويُعطي هذا القانون للسلطة التنفيذية، وبخاصة لوزارتي الداخلية والعدل، صلاحيات واسعة في الإشراف على العمليات الانتخابية، بما يؤدي إلى غياب أي إمكانية لإجراء انتخابات حرّة ونزيهة. فيكون لوزارة الداخلية، التي يتبع لها العديد من أجهزة الأمن السورية، تأمين مستلزمات انتخاب رئيس الجمهورية وفرز عاملين للعمل تحت إشراف اللجان الانتخابية (المادة 123) وإعداد السجل الانتخابي العام (المادة 28)، وتُعطى للمحافظين صلاحية إصدار قرارات تشكيل اللجان الانتخابية لكل مركز (المادة 15). بينما يكون كلّ هذا من صلاحيات إدارة انتخابية محايدة ومستقلة منشأة للإشراف على الانتخابات في الدول الديمقراطية. وعلى الرغم من إحداث “اللجنة القضائية العليا”، بموجب المادة 10 من القانون رقم 5، وذلك لإدارة عملية انتخاب رئيس الجمهورية تحت إشراف المحكمة الدستورية العليا، فإنّ عضوية هذه اللجنة المشكّلة حصرًا من قضاةٍ بقيَت تحت سيطرة السلطة التنفيذية؛ إذ يُعيَّن أعضاؤها السبعة بمرسوم رئاسي، بعد تسميتهم من طرف مجلس القضاء الأعلى الذي يرأسه رئيس الجمهورية نفسه (المادة 132 من الدستور). بالتالي، يحتاج الوضع السوري إلى الانصياع للمعايير الدولية بإنشاء “سلطة انتخابية مستقلة، للإشراف على عملية الانتخاب ولضمان إنصافها ونزاهتها وسيرها وفقًا للقوانين المعمول بها، بما يطابق أحكام العهد”، وهذا ما جاءَ صراحة في تعليق لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق المدنية والسياسية على المادة 25 من العهد المذكورة أعلاه.

الإصلاح الانتخابي يرتبط إذًا بعملية الانتقال السياسي، ولا سيّما في سورية التي تعاني انتهاكاتٍ واسعة ومنهجية لحقوق الإنسان، وحالةَ اقتتال داخلي وتدخلات خارجية، حيث يمكن أن تسهم العملية الانتخابية في تعزيز السلام المستدام، إذا أعقبت الوصول إلى حلّ سياسي يقضي على بنية الاستبداد في سورية، ويمهّد لتطبيق أركان العدالة الانتقالية وبناء دولة القانون. فتهدف الانتخابات بشكل أساسي إلى إفراز سلطة سياسية تعبّر عن إرادة الشعب وتحمي حقوقه وكرامته، الأمر الذي لن يتحقق في ظلّ غياب التشريعات والمؤسسات المبينة بمقتضى سيادة ودولة القانون.