اختلاف الأشياء والأحياء معطى وجودي، لا يحتاج إلى البرهنة عليه بغير شهادة الحواس وتصديق العقل؛ نفيه هو نفي للوجود العياني؛ ومحاولة السيطرة عليه اعتداء على الوجود. وهو نسبي، في جميع الأحوال، في نطاق الأنواع والأجناس، ومنها الجنس البشري؛ والتجانس المطلق هو الموت. وقد عبر المعري عن ذلك أبلغ تعبير بقوله:

رُبّ قبر قد صار قبرًا مرارًا ضاحكٍ من تزاحم الأضداد

تحاول هذه المقالة أن تبحث في معنى الاختلاف، فتفترض أن اختلاف الأذواق، واختلاف نماذج التفكير، واختلاف الأفكار والآراء والتصورات وأنماط السلوك، واختلاف المطالب والتوقعات، كلها وغيرها أدلة قاطعة على استقلال الأفراد وحريتهم، ومن ثم يكون اختلاف الأفراد، واختلاف الذكور عن الإناث، اختلافًا نسبيًا هو شكل تعيُّن الحرية النسبية وشكل ممارستها.

فالحرية ليست مجرد “مشكلة فلسفية”، وليست مجرد قيمة أخلاقية أو مقولة ميتافيزيقية، بل هي معطى وجودي (أنطولوجي) يتعلق بالطبيعة الإنسانية. الحرية هي ماهية الفرد الإنساني وجوهره؛ هي إنسانيته؛ وعامل تحسُّنه الذاتي؛ إذا تجرَّد منها ينتكس إلى ماضيه الحيواني، وإذا جُرِّد منها، بأي صورة من صور التجريد، يتحول في نظر من يجرده إلى موضوع لسلطته ومادة لإظهار صلفه وغطرسته، ووسيلة لغاياته.

بخلاف التعريف الشائع للحرية بصفتها “وعي الضرورة”؛ نعتقد أن الحرية هي التي تضع الضرورة أو تنتجها، وتتعيَّن فيها، أي إن الحرية تنتج نفسها في صيغة ضرورة، وتعمل، بلا كلل، على تفكيك هذه الضرورة، من داخلها، ومن خارجها، فتعيد إنتاجها مرة تلو مرة؛ ومن ثم، يجوز القول إن الضرورة هي الحرية مموضعة أو متعيِّنة، وكل تعيُّن هو سلب أو نفي، حسب إسبينوزا، ولذلك رأى هيغل في الدولة حرية موضوعية أو تجليًا للروح الموضوعي، وكان على حق، وإن قلب مقولة إسبينوزا لتصير: كل سلب هو تعين، وفقًا لمذهبه المثالي القائم على مصادرة مسيحية[1]، وقد عبر ماركس عن ذلك بطريقة مختلفة وصورة مختلفة، حين اعتبر أن الدولة هي “الحياة الأخلاقية للشعب”[2] أو حياته النوعية. رأى هيغل أن “الروح الموضوعي هو الروح وقد خرجت من جوانيتها، وأوجدت نفسها في العالم الخارجي، وليس المقصود بالعالم الخارجي عالم الطبيعة، لأن هذا العالم موجود بالفعل، ولكن العالم الذي يظهر فيه الروح الموضوعي، وهو عالم تخلقه (الروح) بنفسها[3]، لكي تصبح موضوعية. وهذا العالم هو بصفة عامة عالم المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية، كالقانون والأسرة والمجتمع والدولة، ويفترض أنه عالم الحرية. وهو لا يشمل هذه المؤسسات وحدها، ولكنه يشمل كذلك العرف والعادات والتقاليد والحقوق والواجبات والأخلاق.[4]

ومن ثم، إن جوهر التراجيديا الإنسانية هو الانفكاك من قيود الضرورة شيئًا فشيئًا، ومرة تلو مرة، بدءًا بالضرورة/ الضرورات الطبيعية. ولذلك لا نضفي على الحرية قيمة إيجابية مطلقة، ولا نضفي على الإنسانية قيمة إيجابية مطلقة، فاللاحرية أو التبعية و”العبودية الطوعية”، واللاإنسانية المرادفة للعنف والاغتصاب والعدوان والاحتلال والاستعمار.. حقيقتان بشريتان وتاريخيتان. ونجادل في أن ما تعد نزعة عدوانية “متأصلة في الطبيعة البشرية”، ليست سوى راسب من رواسب المرحلة الحيوانية من مراحل تطور النوع، ثاوية في اللاوعي، توقظها ظروف وأوضاع اجتماعية اقتصادية وسياسية لاإنسانية، أي إن ما تسمى “نزعة عدوانية” هي، في الواقع، غريزة طبيعية في الحيوان، لا في الإنسان وقد قطع حبله السري الذي كان يربطه بالطبيعة غير العاقلة وغير الأخلاقية. فليس التمدن سوى ابتعاد أو نأي متواتر ومطَّرد عن الغرائز الطبيعية، التي يتشارك فيها الإنسان والحيوان، وأنسنة مطَّردة لهذه الغرائز. الطبيعة الإنسانية عاقلة وأخلاقية، لا ينفصل فيها العقل (الذاتي والموضوعي) عن الأخلاق (الذاتية والموضوعية). لأن العقل هو عقل الفرد أساسًا، والأخلاق أخلاق الفرد أساسًا، ولا يظهران إلا في الحياة الاجتماعية.

الاختلاف النسبي بصفته الحرية النسبية، التي تضع نفسها في العالم، أو تتموضع فيه، في صيغة ضرورة/ ضرورات اجتماعية، تحجبه أو تخفيه أوهام التجانس المطلق، جنسية كانت هذه الأوهام أم إثنية أم عشائرية أم دينية ومذهبية أم قومية، ما يدفع إلى القول إن معظم الأفراد في مجتمعنا لم يولدوا اجتماعيًا وإنسانيًا بعد، أي لم يخرجوا من رحم العصبية/ العصبيات، التي وصفها مصطفى حجازي بأنها “رحم وثدي”[5]، ومعظم الذين ولدوا أو خرجوا من رحمها لم ينقطعوا عن ثدييها بعد. فلا تزال العصبيات الجنسية والعائلية والعشائرية والإثنية والمذهبية والقومية تحكم سلوك معظم الأفراد وعلاقاتهم المتبادلة. ولادة الفرد اجتماعيًا وإنسانيًا تعني إدراكه أن حرية الآخر المختلف والأخرى المختلفة شرط وحريته/ـا، التي تمكنه/ـا من التمتع بحقوقه/ـا.

الضمانات الدستورية والقانونية للمساواة في الحقوق المدنية والسياسية لا تعني شيئًا من دون هذا المبدأ الأخلاقي، الذي يفترض أنه مبدأ رأس المال الاجتماعي والثقافي المستند إلى واقع أن كل فرد هو أنا وآخر في الوقت نفسه. هذا هو المغزى الأعمق لما نسميه أنسنة الذات.

يبرز هنا سؤال إشكالي: هل تتطابق دومًا تفضيلات الفرد (الأخلاقي) مع تفضيلات المؤسسة أو مع تفضيلات الجماعة والمجتمع، وما حدود التفارق والتعارض بين الحياة الشخصية للفرد وحياتها أو حياته النوعية؟ لعل إهمال هذين الفرق والتعارض في الشروط المعطاة هو أساس التصور المثالي للعدالة، انطلاقًا من افتراض أن ما ينفع الفرد ينفع الجماعة وبالعكس.

 يطرح الفرد على نفسه دومًا ما هو نافع له أكثر من غيره، وهذا يختلف بالضرورة عما هو نافع للمؤسسة أو للجماعة أكثر من غيره اختلافًا كثيرًا أو قليلًا. ولذلك لا تقوم المؤسسات ولا تنبني حياة جمعية واجتماعية إلا على مبدأ التسوية التي يربح فيها الجميع، بنسب متفاوتة، وإلا لما كان للاختلاف والتفاوت بين الأفراد والجماعات أي تأثير، وما لا تأثير له لا وجود له. وللتسوية دومًا طابع تاريخي، أي إنها نتاج أوضاع معينة وشروط معينة، ويمكن القول إن لها طابعًا مرحليًا، طالت المرحلة أم قصرت. ما يعني أن السلب حاضر دومًا في سلوك الأفراد وبنية المؤسسات، وأن الفرد ممكن دومًا والمؤسسة ممكنة دومًا، وكذلك المجتمع والدولة.

إذا كان ثمة من جانب اغترابي في الحياة الاجتماعية، فإن هذا يتجلى في العلاقات المتبادلة بين محمولات لا بين ذوات حرة ومستقلة. العلاقات المتبادلة بين محمولات أيديولوجية: إثنية أو مذهبية أو جنسية أو حزبية، قومية أو إسلامية أو اشتراكية، لا تقبل الاختلاف، وتؤدي بالفاعلة أو الفاعل إلى اغتراب عمن لا يشاركونها أو لا يشاركونه تلك المحمولات، ومن ثم إلى نوع من حصر وجودي واجتماعي، وتفضي بها وبه إلى العزلة، أو الانكفاء: إما إلى وسطها أو وسطه الضيق، كجماعة الصديقات والأصدقاء أو الجيرة، وإما إلى علاقاتها وعلاقاته الأولية، وفق ما سماه إيريك فروم “الخوف من الحرية”[6]. أما العلاقات المتبادلة بين ذوات حرة ومستقلة، فتتوفر على ثقة كافية بالنفس وبالأخريات والآخرين، فتقبل الاختلاف دومًا، وتغتني به، وتجد نفسها في ذوات الأخريات والآخرين، على الرغم من جميع الاختلافات. غير أن ثمة اغترابًا بالفعل، حين تكون العلاقات المتبادلة بين الأفراد والجماعات علاقات قوة عارية، أي علاقات سلطة وتسلط، ينتج منها اغتراب في السلطة، هو من أدهى أنواع الاغتراب. ومن ثم فإن “صنمية السلعة” التي قال بها ماركس تقابلها صنمية السلطة، ولا سيّما حين تكون السلطة مقدسة أو مرفوعة إلى درجة القداسة، و”التقديس عنصر في الشعور الإنساني”.

لو أننا نفكر بعقولنا نحن، لا بعقول أسلافنا، لأدركنا أن انجراح أحدنا أو إحدانا، ولو معنويًا أو رمزيًا، من الأخرى والآخر أو العكس، هو دليل قاطع على التحديد المتبادل والاعتماد المتبادل فيما بيننا، بل دليل على التبعية الوجودية المتبادلة فيما بيننا، بين كل واحد/ة منا وبين سائر أفراد النوع أو الجنس، وهي تبعية لا تقل قوة ورسوخًا عن تبعيتنا لمصدر وجودنا الطبيعي. هذه التبعية المتبادلة هي بالضبط الأساس الذي يقوم عليه استقلال كل منا وحريته/ـا وفرادته/ـا. الطبيعة الفيزيقية مصدر وجودنا البيولوجي، والمجتمع مصدر وجودنا الأخلاقي، مصدر فردية كل منا ومحتوى هذه الفردية. الاستغناء بالذات، هو تعفن الذات، من الداخل، وتفسخها.


[1] – راجع/ي، هيغل، أصول فلسفة الحق، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996، ص 33 وما بعدها. نعني بالمصادرة المسيحية أولية الفكرة الشاملة أو الروح المطلق واستبطان وحدة الأب والابن والروح القدس. والروح القدس هو أو هي الرابطة بين الفكرة الشاملة وأشكال تعينها في العالم، وتفضي إلى أنسنة الله وتأليه الإنسان، والمسيح مثال هذه الوحدة.

[2] – راجع/ي، كارل ماركس، المسألة اليهودية، ترجمة إلياس مرقص، دار الحقيقة، بيروت، 1980. (الاقتباس من الذاكرة والمصدر غير متاح)

[3] – هذا مهم جدًا لإدراك معنى العالم، عالم الإنسان، أي المجتمع والدولة، العالم الذي هو من إنتاج الإنسان نفسه، وتمييزه من الكون والطبيعة الأولية. فكرة العالم فكرة مفتاحية لفهم ما سميناه تذويت الموضوع وأنسنة الذات.

[4] – هيغل، المصدر السابق، ص 31.

[5] – راجع/ي، مصطفى حجازي، الإنسان المهدور، دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، وبيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2005، ص 12.

[6] – راجع/ي، إريك فروم، الخوف من الحرية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1972، ص 32 وما بعدها.