منذ بداية الحركات الاحتجاجية والثورات العربية، على تنوّعها، بدا واضحًا أن هناك اتجاهًا لدى بعض النخب اليسارية العربية يتوخّى الحذر من التغيير المقبل أو المتوقع، بحجة أساسية تتعلق بالرهاب من سيطرة الإسلام السياسي على الحراك، بناءً على خبرة تنظيمية أو قدرة تعبوية. وقد دفع هذا الرهاب بكثيرين، ممن سبق لهم أن تبجّحوا بمبادئهم الديمقراطية وبرسوخ تعلّقهم بنظام ليبرالي، إلى تبني الحذر تجاه الحراك في بعض الحالات، أو إلى معاداة الحراك والتنديد به في أغلب الحالات. وعبثًا حاول الديمقراطيون غير الشرطيين مناقشتهم سعيًا لإقناعهم، من خلال بوابة الاشتراك في بعض المبادئ، بتبني الحراك أو، في أقلّ الحالات سوءًا، بالوقوف على الحياد أو الصمت. إلا أن هؤلاء أصرّوا ليس فقط على رفض الحراك بل تبنّوا اتهامات الأنظمة المستبدة والفاسدة والمنهارة، وفي بعض الأحيان، زادوا عليها في التنديد.

فمن هؤلاء مَن احتجّ على خروج التظاهرات من الجوامع، ومنهم مَن خاف على كأس الجعة التي يحتسيها كل مساء ساعة الغياب، ومنهم من تعمّق قليلًا في الحجج، وبحث لنفسه عن تبريرات ميتافيزيقية، إلخ. وسرعان ما عملت الأنظمة على تعزيز التحالف غير المعلن مع هذه المجموعات البافلوفية، وصارت تتاجر بهم في أسواق عكاظ الدعائية، وصاروا أبواق صدئة، أو جوفاء، لخطاب رسمي يُدافع عن الجلاد ويدين الضحية.

المصريّون منهم، سرعان ما احتفلوا بانقلاب العسكر على الرئيس المنتخب، مثبتين في ذلك لا ديمقراطيتهم البنيوية، التي تنفي عنهم نفيًا قاطعًا أي تهمة بالليبرالية السياسية إلا الانتقائية منها. ولكنهم سرعان ما دفعوا الثمن الباهظ في رهانهم على العسكر، على الرغم من دروس السنين والأمثلة التي ما فتئت تملأ كتب السياسة والتاريخ. وبدوا وكأنهم “الزوج المخدوع” متفاجئين بعدول العسكر عن الديمقراطية، وكأنها عقيدة حربية. فتم زج بعضهم في السجون، وتم تهجير البعض الآخر. وعلى الرغم من ذلك، فقد كان نادرًا أن يعترف أحدهم برهانه الخاسر، بل أصرّ البعض على تحميل الضحية كلَّ المسؤولية.

أما في سورية، فمنذ اليوم الأول للثورة، تمايز البعض من هذه النخب إعلاميًا، وصاروا مسوّقين لبروباغندا فجّة، لم يتمكنوا حتى من التدرّب على حسن أداء أدوارهم فيها. وانتشر الأمر الى البلد الجار لبنان، حيث كان للهيمنة السورية والإيرانية الدور الأكبر في تدجين بعضهم أو ترويض البعض الآخر. ودار الحديث عن المؤامرات وعن أنابيب الغاز وعن القواعد العسكرية وعن الأطماع الاستعمارية، إلى آخر ذلك من فارغ الكلام أو من كلام حقٍّ يراد به أسوأ الباطل.  

وفي تونس، ظهر أشقياء النظام البائد، من الاقتصاديين والأمنيين، ليركبوا على أمواج أحزاب لا قواعد لها إلا الانتهازية، وتقدمت شخصيات، كان لها ذات يوم صفة حقوقية بفضل عطاءات خارجية، لتشكيل أجسام سياسية تجميعية، وهجم على السياسة بعضُ رجال المال الذي جرى تكديسه إبان العهود السابقة، وانضم إليهم بعض اليسار المصاب بالإسلاموفوبيا، وساعدهم في ذلك -بكل تأكيد- أداء الإسلاميين في حزب (النهضة) الضعيف والمتناقض والقائم على حنكة سياسية غير مبالية بالمبادئ التي حصدت على أساس التمسك بها أصوات الناخبين، من تحالفات مع فاسدين، إلى تغيير صورة الإدارات العمومية. بالمقابل، فاليسار التونسي الذي كان له دور أساس في الثورة التونسية، وكانت له معاناة كبرى في زمن الاستبداد، لم يجد إلا أن يصطفّ، من خلال تجربته المحلية، مع النظام السوري، بذريعة أنه يواجه الإسلاميين والإرهاب. فكان الحديث أمام ممثلي هذا اليسار البافلوفي بإيجابية عن قيم الثورة السورية، قبل تحوّلها إلى مقتلة، يُعدّ تمرينًا مرهقًا لمن يمارسه، ويحتاج إلى أن يكون تحت تأثير مخدر فعّال، حتى لا يتأثر بالهجوم اللفظي والتخوين الذي يتعرض له مَن يتمسّك بموقفه المستند إلى إيمان حقيقي بالديمقراطية، وإن كانت نتائجها لا تناسب قناعاته أو أيدولوجيته.

هذا السوري اليساري، والمؤمن بثورة الكرامة، ينتقد إذًا، وعن حقّ، بعض اليسار التونسي الداعم للنظام السوري، والذي يستند في دعمه هذا إلى الخوف من البديل عنه، والذي يعتقد أنه إسلامي. بالمقابل، يقوم هؤلاء المنتقدون السوريون أنفسهم بالترحيب بغوغاء نائبةٍ تونسية، تواجه رئيس البرلمان المنتمي إلى حركة النهضة الإسلامية بأسوأ الألفاظ وأخبث العبارات، وهي تفتخر بكونها ممثلة لنظام طاغية وفاسد قامت ضدّه ثورةٌ عُدّت نبراسًا لكل الحركات الاحتجاجية العربية. إعجابُ هؤلاء بـ “شجاعة وجرأة” السيدة النائبة إما أنه يستند إلى الجهل بخلفياتها السياسية والأمنية، وهذا احتمال ضئيل في ظل توفر المصادر العديدة للحصول على المعلومات الكافية والوافية عنها، أو أنه قائم على هيمنة الشعور بالخوف من الإسلاميين. وهم في هذا الموقف يتجاوزون أشد التونسيين عداءً للإسلاميين، والذين، بالرغم من ذلك، يأنفون من أن يعجبوا بهذه السيدة، لمعرفتهم بتاريخها وارتباطاتها وأدوارها الأمنية، في ظل حُكم بن علي.

بماذا يختلف هذا اليساري السوري المنخرط فعلًا أو قولًا في حراك شعبه، بقناعةٍ راسخةٍ بمبادئ الحرية والعدالة والكرامة، عندما يُؤمن بالنائبة التونسية لمجرد كرهها للإسلاميين، عن اليسار التونسي المؤيد للنظام السوري لمجرد كرهه للإسلاميين؟! وبأي حق، وبأي حجة، ينتقد أهلُ اليسار الأول أهلَ اليسار الثاني، ويدينونهم لدعمهم نظام دمشق؟! فليكونوا متسقين مع ذواتهم، وليمارسوا الحق بالصمت والامتناع عن أي تعليق سلبي تجاه الوفود الذاهبة إلى دمشق دعمًا للنظام. من يختار أن يُعجب بأذيال الأنظمة المستبدة وبممثلي مصالح أطراف الثورات العربية المضادة، وينعتها بـ “الديمقراطية والشجاعة”، ويدافع في الوقت نفسه عن شرعية ثورته في بلده، عليه أن يُراجع نفسه باحثًا عن انفصام مبدئي، فبافلوف مرّ من هنا ومن هناك.