بينما يتراقص السوريون على نار الهزيمة وجمرها الذي يحرق الجميع، ما زالت سورية تعاني اليوم أطول حالة إنكار في تاريخها، فبعد تسع سنوات من الثورة والحرب والتدخلات الخارجية ودمار البلد وانقسام المجتمع وتفسخ الدولة وانهيار الاقتصاد وتشرّد الناس ونزوح نصف السكان؛ ما زال رئيس الدولة، وزمرة السلطة، وإعلام السلطة، يعيشون حالة إنكار مذهلة لما يحصل، ولا يزيدهم ذلك الانهيار والدمار المستمر إلا تشبثًا وتثبيتًا طفليًا غير قابل للحل، بإنكارهم للواقع ومعاندته.

يُعدُّ الإنكار آلية دفاعية مهمة في المجال النفسي، فهو حالة من رفض الواقع الذي لا يمكن احتمال قبوله، أو الذي يؤدي قبوله والاعتراف به إلى آلام حادة، لا تستطيع احتمالها البُنى النفسية الضعيفة، فتدافع تلك البنى عن ذاتها بإنكار الواقع ذاته والتعامل معه وكأن ما حصل لم يحصل، والمثال التقليدي البسيط الذي يُضرب في حالة الإنكار، هو الأم التي تفقد طفلها فتتعامل مع أشيائه وأغراضه تمامًا وكأنه لم يمت.

بحدوده الطبيعية، يُعدّ الإنكار حالة صحية، يتعرض لها معظم الناس، فالألم والفقدان والمصائب جزء أساسي من الحياة البشرية، وقد يكون إنكار الواقع المخالف للتوقعات والمسبب للألم جزءًا حيويًا لتجاوزه مرحليًا، لكن التثبيت النفسي، في حالة النكران، يحوّل الأمر إلى مرض عضال، لا شفاء سهلًا منه، عناد طفولي متأخر وانفصال عن الواقع والعيش في واقع مواز، واقع مرغوب، لا صلة له بالواقع الموضوعي. لكن عندما يكون المريض بالإنكار صاحب سلطة، فهو سيحاول تحطيم الواقع الموضوعي المعنِّد لكي يتناسب مع رغباته، عبر قلب المعادلة رأسًا على عقب، وإسقاط عناده الشخصي على الواقع، فكلما مضى الواقع ضد رغباته، زاد إصراره على تحطيم الواقع المعنِّد، لتنشأ تلك الآلية الهدامة التي تعزف على لحن “عليَّ وعلى أعدائي” التي كانت نتيجتها الفعلية حتى الآن هي امتناع سقوط رؤساء الأنظمة العنيدة المتخمين بجنون العظمة والعناد والانكار، قبل سقوط الدول التي يحكمونها وانهيارها بالكامل. رأينا هذا في العراق مع صدام حسين، ورأيناه في ليبيا وفي اليمن، ونراه ونعيشه في سورية منذ تسعة أعوام. 

مع الأزمة الاقتصادية الراهنة؛ التي أعادها بعض المراقبين إلى أربعة أسباب، هي تشديد العقوبات الاقتصادية الأميركية والدولية، أزمة إيران والعراق، الثورة المستعصية في لبنان المُفلِس، والركود الاقتصادي الهائل الناتج عن كورونا؛ بدأ الإنكار الذي ضرب السلطة السورية يتحول إلى جنون، ويبدو أنه يتجه للتحول إلى جنون جماعي، جنون السلطة المصرّة على إنكار الواقع وعدم الاعتراف به من جهة، والجنون الشعبي من جهة أخرى، الذي يحاول الاستجابة لما تقوله السلطة، فيضطر إلى إنكار نفسه وواقعه المرير وظروف عيشه غير القابلة للاحتمال، لكي يواجه أكبر مهزلة تراجيدية في القرن الحادي والعشرين.

لا يبدو الإنكار المديد والمرافق لرموز السلطة السورية غريبًا في عالم الأنظمة الدكتاتورية، بل إن التثبيت الطفلي والتمركز حول الذات الذي تعيشه الشخصيات الدكتاتورية وبطانتها في الأنظمة القمعية، كثيرًا ما يحجب الواقع الحقيقي عن الرؤية، ليصبح القياس الأساسي لكل ما يحصل في البلاد هو شخص الدكتاتور ذاته، فعندما طُلب من الدكتاتور الإسباني فرانكو، وهو على فراش الموت، أن يلقي تحية الوداع على الناس الذي احتشدوا أمام قصره، سأل باستغراب حقيقي ومتوافق تمامًا مع تمركزه حول ذاته: وإلى أين سيذهب الناس حتى جاؤوا لوداعي؟!

في سورية، بات الجنون الضارب في رموز السلطة ومؤسساتها؛ أو ما يسميه بعضهم “مؤسسات الدولة”، هو تكرار فيروسي متناسخ عن حالة رأس النظام المنفصل عن الواقع، والذي أدى نكرانه المتواصل والأصيل خلال السنوات التسع الماضية إلى تحويل سورية كلها إلى مخيم لاجئين كبير، وحوّل شعبها إلى جوعى وقتلى ومشردين داخل البلاد وخارجها. وفي الوقت الذي يتغذى فيه كثير من “قِوّاد” العالم، دكتاتوريون وغير دكتاتوريين، على غبائه وعناده، وعلى جعله سورية ملعبًا لمفاوضاتهم البينية وساحة لاستعراض أسلحتهم وعضلاتهم، ما زال يظن أنه انتصر، وما زال يصدر المراسيم التي تجرّم من يروج لأسعار العملات الأجنبية ويتاجر فيها، أو من ينشر “المعلومات الكاذبة” عن انهيار الليرة السورية، كحال المرسومين اللذين أصدرهما منذ أشهر مضت. وأما رموز سلطته، فبعد وزير الخارجية الذي مسح أوروبا عن الخارطة منذ البداية، جاءت مستشارته السياسية لتخبرنا أن الاقتصاد السوري أفضل خمسين مرّة من حاله عام 2011، ثم جاء وزير الصحة ليعلمنا بأن سورية خالية من كورونا، لأن الجيش السوري طهّر سورية من الجراثيم، ثم وزير المالية ليخبرنا أن المواطن يمكنه العيش من راتبه إذا تدبر أمره بالشكل الصحيح. وكل ذلك ليس إلا عددًا محدودًا من التصريحات التي لا تحصى من قبل المسؤولين المتنوعين على امتداد “مؤسسات الدولة” خلال السنوات التسع الماضية، والذين يتشاركون معًا في حفلة جماعية من النكران والعناد والبارانويا والكذب وتزوير الحقائق وتغييب الواقع الموضوعي المنهار فوق رؤوس السوريين.

لقد صوّر لنا توفيق الحكيم، منذ قرن من الزمن، كيف يخرج الملك عاريًا ويجبر شعبه على التغنّي بثوبه الفاخر والأنيق، ولكن أن يخرج ملك سورية عاريًا، في مملكة عارية من الجوع، ويجبر شعبه أيضًا على التعري، ثم يطالبه ويجبره على إنكار كل ما يحصل، فهذا ما لم يستطع خيال أي حكيم أن يصل إليه.