أتاح عصر الحداثة وتشكل دولة المواطنة، وترسيخها كقيمة إنسانية لجميع مواطنيها تحت سلطة قانون مدني واحد، لا أحد فوقه، أتاح للغرب نهضة حقيقية مترافقة بتنمية وتطور في المجالات معظمها. أدى ذلك إلى هذه الطفرة العلمية والتكنولوجية التي ظهرت في العقود القليلة الماضية كمنتج لعصر الحداثة.

منذ ذلك الحين، وقع في مجتمعاتنا صراع فكري بين فريقين نخبويين من أبناء المجتمع.

الفريق الأول: طرح العلمانية كحل للتخلص من حالة التخلف التي نعانيها، وطالب بتطبيق التجربة الغربية، من خلال تنحي الدين عن التدخل بعمل الدولة، وحصره بالمسجد تحديدًا، معتمدًا الأنموذج الغربي الذي أثبت نجاحه في التعامل مع المعاصرة ومنتجاتها.

أما الفريق الثاني (الإسلامي): فقد وجد نفسه في حرج شديد أمام هذا التطور الهائل في الصيرورة التي آل إليها شكلُ الدولة والقفزة العلمية والتكنولوجية الهائلة التي أدت -بشكل أو بآخر- إلى فرض نمط ثقافي وسلوكي جديد، جعل التدين الشعبوي في حرج أمام إشكالية المعاصرة!  ولا بد من إيجاد حل لتلك الإشكالية.

بعد جدل كبير، بين المدارس الإسلامية بمختلف توجهاتها وخلافاتها العقدية والمذهبية والفكرية؛ حصل شبه اتفاق أو تفاهم لاحتواء المعاصرة ومنتجاتها التي لم تكن موجودة في العصور التي تأدلجت فيه العقلية الإسلامية بكل مدراسها، ونقصد بذلك القرون الثلاثة التي تلت قرن الرسالة.

ونستطيع القول إن هذا التفاهم بين المدراس الإسلامية، لحلِّ إشكالية المعاصرة، حصل مع بداية ما سُمي عصر الصحوة الإسلامية، نهاية السبعينيات من القرن المنصرم، حيث كان التعامل مع إشكالية المعاصرة من خلال أسلمة أدوات الحداثة كلها، وكُتبت كتبٌ وألقيت محاضرات في الإسلام والمعاصرة، لكن من خلال ظاهرة الأسلمة، وتوسعت ظاهرة الأسلمة لتشمل مناحي الحياة الحديثة كلها، بطريقة فيها تمحل كبير، أعادت بالتدريج فرض مفهوم الحاكمية الشرعية التي نادت بها تنظيمات وتيارات إسلاموية متشددة. 

هل نجحت الأسلمة في احتواء المعاصرة؟

هذا سؤال مهمّ يجب أن نواجهه بكل جرأة، لنقول إن احتواء إشكالية المعاصرة بالإسلمة قد فشل، وحتى نبيّن فشل ظاهرة الأسلمة، التي نعتقد براءة الدين منها، لا بد من أن نعرّج على أهمّ سماتها سريعًا.

مظاهر الأسلمة

بدأت ظاهرة الأسلمة بالاقتصاد، حيث كُتب كثيرًا عن ظاهرة الاقتصاد الإسلامي والبنك اللاربوي، وأُنشئت البنوك الإسلامية، في محاولة لأسلمة الاقتصاد، وعلى الرغم من كل (البروباغندا) التي ترافقت مع ظاهرة البنوك الإسلامية، وأسلمة الاقتصاد، وخصوصًا بعد أزمة الرهن العقاري التي اجتاحت العالم بالعام 2008، كانت النتيجة هي الفشل الذريع لأسلمة الاقتصاد.

وتبيّن للقاصي والداني أن لا اختلاف بين البنوك المعروفة والبنوك الإسلامية المستحدثة إلا من حيث المسميات، وبقي الجوهر نفسه، ولكن بعض الفقهاء المعاصرين استطاعوا إقناع شريحة واسعة من المتدينين، بأن هذه الفروقَ جوهريةٌ وتخرجهم من حرج الوقوع بالربا المنهي عنه شرعًا.

لم يدعُ الإسلام إلى نظام سياسي محدد؛ وليس فيه ذلك؛ ولكن بالتأكيد يدعو إلى تحلي النظام السياسي بقيم وأخلاق سياسية على رأسها العدالة الاجتماعية وحرية الرأي وحفظ الكرامة الإنسانية.

نستطيع القول بكل صراحة إنه لا يوجد في الإسلام نظام اقتصادي، كالذي يقود اقتصاديات السوق العالمي اليوم، حيث إن الإسلام طرح قيمًا أخلاقية تضبط حركة الاقتصاد من الانحراف في أي زمان ومكان، وما جاء في القرآن الكريم والسنّة النبوية، من منع للربا والرشوة والغش والتدليس…إلخ، هو قيم أخلاقية تضبط الحركة الاقتصادية حتى لا يُظلم الفرد والمجتمع، وليست نظامًا. وما قيل وكُتب عن النظام الاقتصادي في الإسلام ليس إلا هرطقة بذريعة أسلمة العلوم الحديثة.

ثم دخلت الأسلمة مجال التكنولوجيا، عندما ظهر الكمبيوتر واللابتوب والهاتف النقال، ولكي تُؤسلم هذه التقنيات، قام البعض بتغير التنبيهات من تنبيهات موسيقية إلى تنبيهات تحتوي أناشيد وأذكار وتلاوة دينية! ولعمري هذا أمرٌ فيه من السذاجة الثقافية ما يجعلنا فاشلين في حلِّ إشكالية المعاصرة.

مع ولادة الربيع العربي؛ كانت الطامة الكبرى بمحاولة استغلال أهم ظاهرة اجتماعية للخلاص من الاستبداد، بمحاولة السطو على الربيع العربي لأسلمته، وعودة الإسلامويين للسلطة، ولكني أعتقد جازمًا أن كل من درس ظاهرة الربيع العربي، حمَّل بشكل أساسي الحركات الإسلاموية -بمحاولتها أسلمة الحراك الاجتماعي- مسؤولية فشل ثورات الربيع العربي، وسورية أنموذج واضح في ذلك.

ولذلك نقول، لمن يريد أسلمة الدولة والسياسة: إن الإسلام لم يدعُ إلى نظام سياسي محدد، وليس فيه ذلك، ولكنه بالتأكيد يدعو إلى تحلي النظام السياسي بقيم وأخلاق سياسية، على رأسها العدالة الاجتماعية وحرية الرأي وحفظ الكرامة الإنسانية.

الظاهرة التي تفوقت فيها مسألة الأسلمة هي الإعلام، فقد ظهرت الفضائيات الدينية وغزت سوق الإعلام الفضائي بشكل رهيب، وأصبح لها متابعون بالملايين. وهذه الظاهرة ليست اختراعًا إسلاميًا، ولكنها محاولة لمحاكاة التجربة التبشيرية المسيحية التي ظهرت في أميركا مطلع سبعينيات القرن المنصرم. حيث لاحظت الكنيسة أن المتدينين لم يعودوا يذهبون إلى الكنيسة كالسابق، ومع ظهور البث الفضائي، وتطور الفضائيات؛ كانت الفكرة بأن تذهب الكنيسة لهم إلى المنزل، لمقاومة ظاهرة (اللاأدريين) التي ما زالت منتشرة وتتسع، إنْ في أميركا أو أوروبا.

مع ظهور الفضائيات العربية، بدأت تجربة أسلمة الإعلام، من خلال المحطة الفضائية الشهيرة (ART) ونجحت، ثم تطورت، لتتولد ظاهرة (دعاة الفضائيات ومشايخها) وعلى الرغم من أن كثيرًا من هؤلاء الدعاة سقطوا، لأسباب يطول شرحها، فقد استغلت الأنظمة نجاح تلك الظاهرة، لتشكيل رأي عام ديني متصالح مع الأنظمة المستبدة، وأدى ذلك إلى إفراغ هذه الظاهرة من نجاحها، لينفض عنها روادها الكثر، وتعود للانحسار، وعلى الرغم من بقاء شريحة، لا بأس بها، تتابع هذه البرامج الدينية، فإن الظاهرة بحد ذاتها فشلت لأسباب ذاتية، قبل وجود الأسباب الموضوعية، يطول شرحها في هذا المقال الضيق.

في نطاق الأسلمة أيضًا، نجحت ظاهرة أسلمة العلوم الطبيعية شعبيًا، من خلال ما أطلق عليه مع ظهور عصر الصحوة الإسلامية (الإعجاز العلمي في القرآن والسنة) وكانت هذه الظاهرة من ضمن برامج حلِّ ومواجهة إشكالية المعاصرة، وأصبح لها أعلامها ومؤسساتها ومنابرها، ولكنها أمام التطور التكنولوجي الهائل، وأمام التمحل الشديد في أسلمة العلوم، أفلست وانفضّ عنها كثير من المفتونين بها، وتبيّن أنها تحمّل الدِّين ما لا يحتمل، وتقوم على انتظار للآخر حتى ينتج اختراعًا علميًا ما، أو يكتشف اكتشافًا علميًا ما، طبيًا كان أم جيولوجيًا أو في المجالات الأخرى، ثم القول بأن هذا موجود في النص الديني قبل اكتشافه بقرون. وحين تسأل هؤلاء: “لمَ لمْ تكتشفوه أنتم، مع أن النص الذي لديكم أشار إليه؟”؛ لا تجد جوابًا من دعاة وأعلام هذه الظاهرة. وبالحديث عن ظاهرة الإعجاز العلمي نصل إلى نقطة مهمة من مقالنا هذا وهو وباء فيروس كورونا وكيف تعاملنا معه.

ظاهرة الأسلمة وإشكالية المعاصرة، فيروس كورونا نموذجًا

مع نهاية شباط/ فبراير، وبداية آذار/ مارس، اجتاح البشرية كلها فيروس كورونا، الذي ما زال يشكل خطرًا وتهديدًا حقيقيًا للجنس البشري كله! كوباء يمكن أن يحصد ملايين الضحايا من البشر.

ومع تعميم تجربة الحجر الصحي في محاولة لتسطيح الخط البياني من التصاعد لهذا الوباء، وتوقف غالبية مناحي العمل والإنتاج الأخرى؛ بقيت الطواقم الطبية هي الخط الأول في الدفاع عن البشرية، ريثما يجد العلم عقارًا له لهذا الوباء، كما فعل في مواجهة أوبئة أخرى مماثلة مرت بالبشرية تاريخيًا. هنا عادت ظاهرة الأسلمة، لتطرح نفسها مجددًا في المعركة ضد هذا الوباء المرعب! خصوصًا في الأوساط الاجتماعية المتدينة شعبويًا! من خلال الحديث عن نصوص قيل إنها تكلمت أو أشارت إلى وباء كورونا والحجر الصحي. وهذا الأمر لم يكن محصورًا بالمسلمين فقط، بل ظهر في الأديان الأخرى، ولكن في الحالة الإسلامية عادت الأسلمة لتقدّم نفسها من جديد، بعد فشلها في مناح عدة من الحياة تكلمنا عنها آنفًا.

المشكلة في ظاهرة وباء كورونا -وهو خطر حقيقي يهدد حياتنا جميعًا- هي إعادة إقحام الدين في مضمار ليس مضماره، وملعب لا علاقة له به، لكنَّه الاعتقاد بأن الأسلمة يمكن أن يُعاد إنتاجها من خلال حالة الفزع العالمية من كورونا.

الحقيقة أن معركة فيروس كورونا ليست بينه وبين الأديان، فالأديان يجب أن نطهرها من الدخول في معارك من هذا النوع، وليست أيضًا بين المتدينين وغير المتدينين، ولا بين العلم والإيمان، إنما معركة كورونا مع الطب والعلم الحديث، هذا هو ملعبها. وهي تحدٍّ حقيقي للعلم والطب اللذين وصلا إلى أوج مراحلهما في الحفاظ على الحياة البشرية، والرهان عليهما بالتأكيد رهانٌ رابحٌ، أما زجّ الدين في هذه المعركة، فهو إساءة إلى الدين وتحميله ما لا يحتمل. دون أن نقلل من دور الإيمان عند شريحة كبيرة من الناس التي تجد، في الأزمات العالمية والذاتية، في الإيمان ملجأً يبعث في أنفسهم الطمأنينة ويقوي إرادتهم أمام هذا الوباء.

ولكن أن نحاول أسلمة الظاهرة ونقوم بليّ أعناق نصوص دينية للحديث عن إشارات ذُكرت فيها ظاهرة كورونا، ونستحضر نصوصًا ظنية غير ثابتة، أو تأويلات تحمِّل النصَ الدينيَ ما لا يحتمل، إنما هذا باب جديد من أبواب محاولة الأسلمة التي ثبت فشلها، وعلى المتدينين أن يطهّروا الدين ويبعدوه جانبًا، في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ البشرية، ويفسحوا للعلماء والأطباء المجالَ للانتصار على هذا الوباء، فهم فرسان تلك المعركة، وقادتها المناسبون.

ختامًا

المعاصرة -برأينا- تتمثل بإعادة إحياء القيم الإنسانية الأخلاقية التي دعت إليها رسالات السماء كلها، وهي قيم عالمية، لا يختلف عليها غير المتدينين مع المتدينين، ولا يخالفها مجتمع أو يرفضها، مهما كانت نسبة تدينه، وهي تساعد الدول في إنجاح تطبيق القوانين التي هي لمصلحة الجميع.

وأهمّ خطوة في المعاصرة هي استيعاب الظواهر العالمية للحداثة والتعامل معها في خدمة المجتمع والفرد، وعلى رأس هذه الظواهر حقوق الإنسان وحرية التعبير والعدالة الاجتماعية والمجتمع المدني والديمقراطية وثقافة المواطنة وإحياء روح التسامح، بدلًا من التشدد والتكفير الذي أوصلنا إلى ظاهرة الإرهاب ذاتها، فجعلت العالم كله ينفضّ عنا خوفًا من أسلمة، تلغي الآخر وحقه في الحرية وإبداء الرأي والعيش الكريم.

ودون ترسيم حدود حقيقي وحاسم بين الديني والسياسي، والإصرار على ظاهرة الأسلمة التي هي شكل ناعم من أشكال إعادة انتاج الحاكمية؛ ستبقى مجتمعاتنا تمارس الاحتراب بينها بجنون إلى الأبد، ونحن جميعًا خاسرون في هذه المعركة.