لم يكن في جميع ما شهده العالم من حروب هذا القدر من الإرهاب الذي تمارسه الأطراف المنخرطة في الصراع السوري، على الرغم من أن تهمة الإرهاب لم تشمل غير أطراف متناقضة الهوية والممارسات والأهداف، وتجاهلت سواها من جهات إرهابية جمعتها خيارات ومواقف متماثلة أو موحدة، وامتلكت تنظيمات صنّفها العالم رسميًا كيانات إرهابية، بيد أن الدول المتصارعة على سورية تغاضت عن تصنيفها، لتسهل انخراطها في قتل السوريين، في سلوك يصعب أن تكون له صفة أخرى غير الإرهاب.

مع ذلك، نسبت الأسدية الإرهاب إلى ثورة الحرية، التي اتسمت بقدر عظيم من العفوية حوّله قادة الفصائل إلى عشوائية وارتجال، أي إلى سلوك هو الأبعد بين الأنشطة السياسية عن الإرهاب الذي يحتاج إلى درجة قصوى من التنظيم والانضباط والامتثال لقادة يعدّهم اتباعهم معصومين، وبالأحرى مقدسين، لم يسمح افتقار ثورة الحرية إلى قيادة وأدوات موحدة ببروز أحد منهم، حتى ذلك النموذج الهزلي والأراغوزي من القواد، الذي يثير سخرية السوريين ويحظى باحتقارهم، على العكس مما يترتب على السرية التي تحيط عادة بقادة الإرهاب، وتفضي غالبًا إلى تقديسهم والتخويف منهم.

عزت إيران الإرهاب إلى من تسمّيهم “عملاء الإمبريالية والصهاينة”، وتقصد بهم الملايين من السوريين، الذين تمردوا على النظام الأسدي، المتعايش منذ قرابة ستة عقود مع الاحتلال الإسرائيلي للجولان الذي تطل مدافعه على القصر الرئاسي في دمشق، لكن الملالي يعدّونه مقاومًا وممانعًا، ويتّهمون السوريين بالعمالة والإرهاب، لمجرد أنه منخرط في خططها ضد العرب، وأسهم في ما بلغته من أبعاد خطيرة، بعد قرار الخميني تصدير ثورته الإسلامية إلى البلدان العربية، في إطار مذهبي فجّر تناقضات العالمين الإسلامي والعربي وحوّلها إلى حروب أو مشاريع حروب، فلا عجب أن فاقت خدمات إيران والأسد للصهاينة كلّ ما كانوا عاجزين عن تحقيقه بأنفسهم، ضد سورية دولةً ومجتمعًا. ومع أن هذا الإرهاب وقع في إطار قدس الملالي، وأضفى العصمة على أشخاصهم وقراراتهم، أسوة بما تنسبه تنظيمات الإرهاب إلى قادتها من صفات، وأدى إلى تشكيل كيانات سرية تمارس عنفًا مفتوحًا في جميع الاتجاهات، فإن من اتُّهم بالإرهاب كان الشعب السوري الذي بُحّ صوته وهو يهتف في تظاهراته، والرصاص ينهال عليه كالمطر: “سلمية.. سلمية”، ولم يهجر إلى يومنا أهدافًا يستحيل أن يتبناها إرهابي، كالحرية والعدالة والمسارة والكرامة الإنسانية، وهي القيم والأهداف التي يعدّها المتأسلمون، وخاصة الإرهابيين منهم، كفرًا بواحًا، علمًا بأن السوريين سعوا إلى بلوغ أهدافهم بوسائل سلمية ومدنية، يرفضها الإرهاب أشد الرفض.  

وزعمت روسيا أنها تتدخل في سورية لتحُول دون انتقال الإرهاب إليها. والحقيقة أنها رأت في حرب الأسد وإيران على الشعب السوري فرصَتها لبلوغ ما عجز الاتحاد السوفياتي عنه: احتلال موطئ قدم شرق المتوسط يفك حصار حلف الأطلسي عنها، ويمكنها من اختراقه، عبر مرابطة قوات مقاتلة من جيشها مرابطة دائمة في سورية، فضلًا عن تعزيز قدرتها على استعادة مواقع السوفيات في البلدان العربية، وما كان لهم من نفوذ وحضور فيها، بأدوات تنتمي إلى القوة لا الدبلوماسية، التي ستفشل حتمًا في استعادتها. هذه الأهداف تبنت إرهاب دولة مفتوحًا ضد السوريين، وعززت الإرهاب الأسدي، وأعارته قدرًا من القوة لم تعرف الحرب مثيلًا لفتكها بالأبرياء والمسالمين من شعب ثار سلميًا ضد نظامه، فعومل وكأنه ثار على النظام الروسي وقائده المقدس بوتين الذي تعامل بانفتاح وأريحية مع “حزب الله”، المصنف إرهابيًا منذ عام 1995، وما جلبته ايران من حثالات إرهاب عراقية وأفغانية وباكستانية وأذربيجانية وبانغلاديشية.. وأمر جيشه بإسقاط كل ما يتصل بالحرب من محاذير إنسانية، كالفصل بين العزّل والمحاربين، والمنخرطين في الحرب والمبتلين بها، وممارسة جميع أنواع العنف الإرهابي، لقصم ظهر الشعب وتشتيته، بصفته حامل ثورة ستخمد بتدميره.

ووقفت واشنطن مكتوفة الأيدي، وراقبت باستمتاع المجزرة الكونية التي يتعرض لها شعبٌ أعزل على أيدي إرهابيين غرسوا سكاكينهم في أعناق نسائه وأطفاله وشيوخه، ومزقوه تمزيقًا لا يعرف الرحمة، تكمن جريمته في مطالبته بحريته بعد نصف قرن من الإذلال والمهانة. وحين قررت محاربة الإرهاب الذي اعترفت وزيرة خارجيتها السابقة هيلاري كلينتون بأنها لعبت دورًا رئيسًا في تشكيل تنظيمه الأشد إجرامًا: “داعش”، فإنها لم تحارب من مارسوا الإرهاب على السوريين، بل حاربت -بحرص يُضمر كثيرًا من الحنان- التنظيم الداعشي، من دون أن تقضي عليه، مع أن ترامب، رئيسها الأحمق، أعلن تسع عشرة مرة خلال شهرين القضاء عليه، وها هو يسرح ويمرح في سورية والعراق، بانتظار مهام جديدة يكلف بها، لينفذها في أطر لا يتخطاها، في الجغرافيا أو في السياسة.

  لا حاجة إلى أدلة على أن “داعش” كانت شركة إرهابية دولية، وعلى ما أظهرته روسيا والأسد وإيران وواشنطن من حرص في حربهم عليها، وعلى قبولهم سيطرة الجولاني وتنظيمه الإرهابي على منطقة ترعاه فيها دولة إقليمية تتصدى لجماعة PKK، بينما يتصدى هو لإرهاب السوريين، كمهمة قرر المنخرطون في الصراع على سورية تكليفه بها، التزامًا بهدف مشترك هو القضاء على ثورة الحرية ومن شاركوا فيها، بالفعل أو بالقول، وبعثرتهم في أقطار الأرض، وسلبهم الحق في وطنهم، كي لا يعودوا إليه، ومنعهم بالقوة من دخوله، وإن أمضى المئات منهم أسابيع على حدوده مع لبنان، دون أن يُسمح لهم أيضًا بالرجوع إلى مخيمات لبنان، أو ينبس العالم والائتلاف والأمم المتحدة ببنة شفة!

مورس الإرهاب بصيغ كونية وشاملة على الشعب السوري؛ الطرف الوحيد الذي ظلّ بعيدًا كل البعد عن الإرهاب والعنف، وكان ضحية أفظع أنواعهما المحلية والإقليمية والدولية.

 أيها الإرهاب، هل بقي في عالمنا المرعب من لا يمارس الحرب على أعدائك الأبرياء، باسمك؟!