ترتفع الأصوات أعلى فأعلى من سوريين كانوا صامتين، وتزداد انتشارًا موجاتُ الشكاوى والاحتجاجات على تدهور الأوضاع المعيشية. وعناوين تلك الشكاوى والاحتجاجات متعددة أهمّها: الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية، والحاجات الأساسية الضرورية لاستمرار الحياة، ولو بالحد الأدنى: المازوت، الكهرباء والبنزين وشرائح النت… وكذلك على عدم كفاية المواد والموارد المهمة للحياة، كالماء والكهرباء والخبز… فضلًا عن طوابير الانتظار أمام منافذ وكوى استلام المخصصات التي باتت تتقلص شيئًا فشيئًا.

واللافت، اليوم، عدم اكتفاء العديد من المحتجّين بتوجيه الملامة على هذا المسؤول أو ذاك، سواء كان مديرًا عامًا أو وزيرًا أو حتى رئيس وزارة، فقد باتوا يوجّهون سهام نقدهم إلى رأس النظام، ويدعونه إلى ترك منصبه نتيجة فشله في إدارة الأزمة المعيشية الخانقة.

ويلجأ السوريون من أجل التكيف مع موجات الغلاء، والتضخم المرتفع مقابل انخفاض قيمة الليرة السورية وضعف الأجور والرواتب (متوسط الأجر الشهري 50 ألف ل.س، شهريًا، أي نحو 17 دولارًا)، إلى اتباع أساليب متعددة، منها على سبيل المثال: تقليل عدد وجبات الطعام في اليوم من ثلاثة إلى وجبتين، وأحيانًا إلى وجبة واحدة، والإقلاع عن شراء المواد مرتفعة الثمن، كاللحوم والحلويات وبعض أنواع الخضار والفاكهة، والاكتفاء بالمواد منخفضة السعر التي غالبًا ما تكون تالفة، وعدم شراء الجديد من الملابس والأحذية والاكتفاء بالمستعمل منها، وعند الضرورة القصوى.

ولا يقتصر سوء الأوضاع المعيشية على المناطق الخاضعة لسلطة النظام، بل تعدّاها إلى المناطق الخاضعة لسلطة قوى الأمر الواقع في الشمال السوري، سواء كان الشمال الغربي أو الشمال الشرقي، مع توجيه سهام نقد الجوعى من السوريين إلى السلطات التي تتحكم في العمليات الاقتصادية والموارد المتاحة، وخاصة رسوم المعابر والضرائب، واتباع أساليب الاحتيال والسلبطة من سرقة وإتاوات ومصادرة، بحق المنتجين الحقيقيين في تلك المناطق.

لماذا تدهورت أحوال السوريين إلى هذه الدرجة؟

لقد بدأت الأوضاع المعيشية في سورية تتدهور، منذ عقود سابقة، وأخذت بالتصاعد منذ العام 2003 مع سياسات حكومة الدردري النيوليبرالية المسمّاة “اقتصاد السوق الاجتماعي”، حيث بدأت رحلة ازدياد التفاوت الطبقي وزيادة ثروة الأثرياء، مترافقة مع زيادة عدد الفقراء والاتجاه للخصخصة ونهب القطاع العام وإهمال القطاعات الإنتاجية، وقد ضاعفت تلك السياسات من مفاعيل القمع والاستبداد والفساد الذي استمر طوال العقود الخمسة الماضية. وكانت من أسباب الانتفاضة والحراك الشعبي السلمي الذي بدأ في آذار/ مارس 2011، ومواجهته بالخيار العسكري الأمني، عبر استخدام القمع والاعتقال وكل أشكال العنف والتضليل، والعمل على تشجيع تشكل مجموعات إسلامية متطرفة مسلحة، وطلب التدخلات العسكرية الخارجية المباشرة، واشتداد الصراع المسلح على كامل المساحة السورية. لقد حوّل النظام الاقتصاد السوري إلى اقتصاد حرب، ورهن معظم موارد سورية ومرافقها للدائنين المساندين له في حربه.

فكان من نتائج سياسات وممارسات السلطة الحاكمة والحرب والتطييف والتدخلات الخارجية:

 * اتساع وتسارع الهوّة بين الإفقار والاغتناء، والخطورة تكمن في خصوصية الظروف والشروط التي نتج عنها هذا التسارع والتوسع، حيث إن النافذين في السلطة، وخاصة في الأجهزة الأمنية وكبار الفاسدين والمهربين وأمراء الحرب، وجدوا أن الظروف سانحة لمراكمة الغنائم والمنهوبات، ولتحقيق هذا الهدف تشكلت حولهم شبكات مافيوية من السماسرة والمجرمين والمجموعات المسلحة، ولم يتركوا وسيلة لإهانة الناس إلا استخدموها، من الخطف والسرقة والقتل والاحتيال إلى الاتجار بالمخدرات والسلاح والعملات والآثار.. وهكذا تكاملت كثير من السياسات والممارسات لتقذف أكثر من 85% من السوريين إلى ما دون خط الفقر والتشريد والتجويع.

* هبوط متسارع في قيمة العملة الوطنية، وغلاء جنوني شمل كل أنواع المواد الضرورية لاستمرار العيش، ونقص متزايد في الخدمات، وتقاعس النظام عن توفير أهمّها كالمحروقات والكهرباء والغاز…

وآخر موجات رفع أسعار كثير من المواد والخدمات الاساسية كانت منذ أسابيع قليلة، إذ أعلنت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك رفع سعر الغاز المنزلي (30600 ل.س) والمازوت المنزلي (500 ل.س) للتر الواحد، أما الصناعي والتجاري فقد بلغ (1700 ل.س) وربطة الخبر (7 أرغفة ب 200 ل.س)، مع تهديد برفعها أكثر بسبب ارتفاع تكلفتها الفعلية أكثر من ذلك. كما تم رفع أسعار سلع أخرى، مثل السكر والرز.

* إن الوضع السوري الحالي مع استمرار سيطرة نظام الاستبداد والفساد، ووجود كل أشكال التدخلات العسكرية الخارجية، جعل سورية أرضًا مستباحة، يشترك في نهب منشآتها وثرواتها وعرق وجهد كادحيها كبارُ اللصوص والسماسرة المحليين والإقليميين والدوليين، على حساب إفقار وتجويع السوريين ليصل انهيار الليرة اليوم إلى درجة أن الدولار بات على مشارف 4000 ليره سورية، والأسعار فلكية، ومتوسط الدخل لا يعادل أكثر من 5% من تكاليف المعيشة.

* إن تفشي الفساد والنهب والجريمة وكل أشكال وأدوات القمع والعنف والقتل، وترافقه مع غياب دولة القانون، والقضاء المستقل، أدى إلى سيطرة اللصوص والسماسرة، وبات قانون العصابات هو السائد.

* تدهور مريع في خدمات الحياة الضرورية، فالكهرباء شبه منعدمة، الوقود نادر، وخاصة المازوت، وهناك غلاء فاحش بسبب التهريب والاحتكار والفساد.. حتى الماء يتوفر بصعوبة، يجري كل ذلك في ظل الفوضى الأمنية السائدة، وخاصة في الجنوب، وفوضى السلاح والمجموعات المسلحة التي تقرر وتنفذ ما تشاء برعاية أمنية وانتشار الجرائم دون حسيب ولا رقيب، وبات الأمن يتدخل في كلّ شيء باستثناء أمن وسلامة الناس وضياع وانتهاك حقوقهم والاعتداء على ممتلكاتهم وحياتهم وكرامتهم. ولو كان لديك قطعة أرض صغيرة تريد بيعها، لدفع نفقات عملية جراحية في القلب، لا يمكنك بيعها بدون موافقة أمنية تحتاج إلى توفر شروط يصعب وجودها إلا بدفع مبالغ طائلة.

والمأساة أن بعض السوريين ما زالوا يتساءلون عن أسباب هذه الأوضاع الكارثية: هل هي المؤامرة الخارجية، أم العقوبات الاقتصادية؟ إنّ ما حصل ويحصل لسورية والسوريين من كوارث يتحمل مسؤوليتها النظام الحاكم، وهي أكبر بكثير من قدرة أي مؤامرة خارجية، سواء كانت إقليمية أو دولية، أو حتى كونية. إن أوضاع سورية وأهلها باتت لا تطاق ولا تحتمل، وما يحصل هو سلخ لجلود من تم نهبهم وإفقارهم، في مقابل تسمين وإثراء الناهبين القدامى والجدد، فعلى سبيل المثال، إن أسرة مكونة من 5 أو 6 أفراد، بينهم فردان في المدارس، وإقامتهم في ريف السويداء ومتوسط دخلهم هو سبعون ألف ليرة سورية “عشرين دولارًا”، يلزمهم أجور نقل مواصلات للأب إلى مكان عمله في المدينة يوميًا 2500 ليرة، ونفس المبلغ 2500 ليره أجور نقل للطالبين، إذا كانت مدارسهم على بعد 10 كم. إذن؛ سوف تتكلف الأسرة يوميًا 5000 ليرة أجور نقل، أي يلزمهم ضعف دخلهم الشهري تقريبًا لتغطية أجور نقل بوسائل النقل العام! عندئذٍ، وسيكون لدى ربّ الأسرة خيارات إكراهية مثل:

– العمل بعد الظهر، وفي ساعات الليل أحيانًا، وأيام العطل، والإجازات في أي عمل قد يجده، عامل بناء أو في أي عمل آخر.

– أن يترك أبناؤه أو بعضهم المدرسة.

– أن يعمل مع إحدى العصابات في الممنوعات والإجرام، أو مع مجموعات مسلحة، فيرهن نفسه لقوى إقليمية تستخدمه لمصالحها مقابل حفنة من الدولارات.

– أن يبحث عن إمكانية السفر لبلد آخر بقصد العمل كي ينقذ أسرته.

– ومن لم يتمكّن من أي من الخيارات السابقة، وبقي في بلده، سوف يعيش معاناة نفسية وجسدية قاسية قد توصله إلى الموت، بسبب سوء التغذية أو السكتة الدماغية أو القلبية، لأن معاناته مع أسرته سوف تستمر، فالأعمال الإضافية -لو توافرت- لن تسدّ حاجة الأسرة بشكل لائق.

إن أوضاع سورية وأهلها باتت لا تطاق ولا تحتمل، والحل ليس بسَلخِ جِلود من تم نهبهم وإفقارهم حتى التجويع، بل بمكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة واستثمارها في تحسين مستوى معيشة الطبقات الشعبية، وهذا غير ممكن إلا في إطار تغيير سياسي وطني ديمقراطي.