تستحوذ الأخبار الإيرانية على حصّة كبيرة من الاهتمام الإعلامي العربي والعالمي، هذه الأيام، بحكم التطورات الدولية والإيرانية، ونتيجة الارتياب من احتمال المواجهة العسكرية المباشرة أو غير المباشرة، بين إيران والدولة الصهيونية، وبدرجة أقلّ بين إيران والولايات المتحدة الأميركية أو إحدى الدول الخليجية. حيث تبدو الاحتمالات مفتوحة على جميع الخيارات، نظرًا لتواتر المستجدات وتصاعدها غالبًا، وبحكم ضبابية المشهد المستقبلي، ولا سيّما المشهد الإيراني المقبل بعد أشهر قليلة على جولة انتخابية جديدة، قد تسفر عن إزاحة التيار الإصلاحي تشريعيًا ورئاسيًا، لصالح سيطرة التيار المحافظ ذي الميول الصدامية. ومن هنا، تطرح العديد من الأسئلة مثل ماذا بعد هجوم نطنز والقرار الإيراني برفع درجة نقاء تخصيب اليورانيوم إلى 60 %؟ وما تأثير توقيع معاهدة التعاون الاقتصادي والاستراتيجي مع الصين؟ وما نتائج مباحثات أو مفاوضات النووي؟ وما مصير النفوذ الإيراني في المنطقة؟ وما تأثيرات كل ذلك على منطقتنا العربية؟

عشرات الأسئلة وربّما مئات الاحتمالات المتشائمة والمتفائلة، التي توحي بسخونة الأسابيع والأشهر وربما السنوات القادمة، إيرانيًا وإقليميًا وربّما دوليًا، نظرًا لمدى تداخل الملفات والمصالح بين جميع الفاعلين الإقليمين والدوليين، إيران وتركيا وفرنسا وألمانيا وروسيا وأميركا والدولة الصهيونية ودول الخليج العربي، فلكل منهم مصالحه المتقاطعة مع الآخر أحيانًا، والمتناقضة أو المتعارضة معه أحيانًا أخرى. لذا أصبح هامش التكهن بمستقبل المنطقة في المدى المنظور غايةً في الصعوبة، فمثلًا قد يتحول التوافق الإماراتي-المصري إلى خلاف وصراع كبير، على خلفية الموقف الإماراتي من سدّ النهضة، كما قد يتحول (بدأ بالتحول) الخلاف التركي-المصري، والتركي-السعودي، إلى تعاون أو إلى تحالف في المرحلة المقبلة، نتيجة الضغوط الأميركية والمسائل الإقليمية العالقة، كما قد يتحول التعاون التركي-الإيراني القائم اليوم إلى صدام وصراع سياسي أو عسكري في سورية والمنطقة العربية، بحكم مجمل التبدلات الحاصلة.

ومن كل ذلك، تبدو الصورة الإقليمية والدولية غايةً في التعقيد والضبابية، بالرغم من وضوح الأهداف الدولية والإقليمية، وبالرغم من وضوح الأدوات نسبيًا، حيث نلحظ، من خلال التدقيق في المصالح والنفوذ الإيراني في المنطقة العربية، قدرة إيران في الحفاظ على مواقع سيطرتها المتقدمة، في كل من سورية والعراق ولبنان واليمن والبحرين، بالرغم من الاضطرابات السياسية والعسكرية الحاصلة، وفي الوقت ذاته، هناك تراجع في قوة إيران الناعمة، داخل هذه الدول وخارجها، وبالعموم في مجمل المنطقة العربية، وهو تراجعٌ أسهم في وضع النفوذ الإيراني داخل المنطقة العربية موضع الشك والتشكيك والإدانة والرفض، بعدما كان مسلّمة مقدّسة لا يسمح المساس بها. والفضل في ذلك يعود إلى ثورتي الشعبين العراقي واللبناني، بالدرجة الأولى، اللذين كشفا طبيعة السيطرة الإيرانية الطائفية والاستعمارية والنهبية والقمعية، على الرغم من عدم نجاح الحراكين الثوريين حتى اللحظة في تحقيق أهدافهما، ولو بحدها الأدنى.

إذ باتت غالبية مواضع نفوذ إيران في المنطقة العربية عرضةً لاحتمالات الزوال أو التراجع بالحد الأدنى، بحكم الضغط الشعبي والدولي والإقليمي، وهو ما نلمسه من بعض التسريبات والمناوشات العسكرية الحاصلة داخل سورية، بين قوى محسوبة على كلّ من الأسد وإيران، أو روسيا وإيران، أو أميركا وإيران، وبشكل مباشر بين الدولة الصهيونية وإيران. وبصورة أقلّ عنفًا، نلحظ المسار ذاته في الشأن العراقي، بين إيران وأميركا من ناحية، ومناطق السيطرة الكردية من ناحية ثانية، وبدرجة أقل مع توجهات الدولة العراقية ممثلة بسياسات الكاظمي من ناحية ثالثة، والأهمّ مع الشارع العراقي ذاته رابعًا. وأيضًا نجد توترًا في لبنان مع الحراك الاحتجاجي والثوري الشعبي، ومع بعض حلفاء الحزب التقليديين مثل تيار المردة، وبعض المشاحنات مع الآخرين. أما اليمن فما زالت تشهد صراعًا محتدمًا وقاسيًا، يهدد سيطرة حلفاء إيران الحوثيين بالخطر، أو على الأقل يهدد بعض مناطق سيطرتهم ونفوذهم.

تبدو صورة السيطرة الإيرانية اليوم في المنطقة أقلّ استقرارًا من حالتها عند توقيع الاتفاق النووي في العام 2015، بل يبدو أن المجتمع الدولي، ولا سيّما دول الاتحاد الأوروبي، وبدرجة أقل روسيا، أقلّ تمسكًا بنص الاتفاق الأصلي عما كانوا عليه قبل، حينما أعلنت الولايات المتحدة انسحابها من الاتفاق في 2018. الأمر الذي يجعل الموقف الدبلوماسي الإيراني مأزومًا وشديد التعقيد والحساسية، وهو ما يُجبر إيران على استخدام ورقة الضغط شبه الوحيدة لديها حاليًا، المتمثلة في اتخاذ خطوات تصعيدية نووية بصورة متسارعة، وكأنها محاولة إيرانية تهدف إلى تسريع خطى العودة للاتفاق النووي الأصلي، وترحيل باقي القضايا والملفات إلى مفاوضات منفصلة. لكن ما يغيب عن الذهنية الإيرانية أنها -بذلك- تكشف كامل أوراق قوتها أمام مفاوضيها، وهذا يسهّل عليهم التوقع والتنبؤ بإمكاناتها، ويسهل على الدولة الصهيونية تحديد الأهداف القادمة والمؤثرة في مسار المشروع النووي الإيراني، الذي يستغل أجواء الترهل والفشل الاستخباراتي والأمني الإيراني.

أما بخصوص المخاوف من احتمال التصعيد العسكري، فمن الواضح غياب الرغبة الأميركية في ذلك من ناحية، وافتقاد النظام الإيراني عنصر المفاجأة العسكرية والفاعلية الاستخباراتية من ناحية ثانية، وبناء على ذلك؛ فإن كلا الطرفين غير راغب في تصعيد المواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة. لذلك لم نشهد حتى اللحظة تصاعدًا واضحًا في أيقاع وكثافة ونوعية هجمات الميليشيات الإيرانية على القواعد العسكرية الأميركية داخل العراق. غير أن مصدر القلق الحقيقي، في ما يخص المواجهات العسكرية، يتأتى من الاستراتيجية الصهيونية المتبعة في السنوات الماضية، حيث تصعد الدولة الصهيونية من نشاطها العسكري الخارجي، عبر القصف الجوي والبحري والعمل الاستخباراتي كالاغتيالات والتفجيرات والأعمال التخريبية، مراهنة على تخوّف إيران من احتمالات المواجهة العسكرية، وتحوّلها من مواجهة إيرانية- صهيونية إلى مواجهة شاملة، قد تخسر فيها إيران أهم حلفائها الدوليين، كالأتراك والروس وربما الصينيين أيضًا.

وبناء على ذلك، تبدو إيران اليوم أقلّ قدرة على مجاراة العقوبات والضغوطات الدولية، وفاقدة للعديد من عوامل قوتها التقليدية، إذا ما استثنينا استخدامها ورقة المخاوف النووية، التي يرجح وصولها إلى حدها الأعلى أخيرًا، أي قد لا تملك إيران مستقبلًا الإمكانات التقنية واللوجستية الكافية لاتخاذ قرارات نووية تصعيدية جديدة، بخلاف التهديد بسحب ورقة التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة. وبالتالي لا تبدو المنطقة ماضية نحو مخاطر عسكرية جديدة، على خلفية الموقف الإيراني، بل على العكس قد نشهد مزيدًا من الهدوء العسكري، ولا سيما بعد توقيع المعاهدة الإيرانية-الصينية، التي تعكس اهتمام الصين بالمنطقة أولًا، ورغبتها في التمدد الإقليمي ثانيًا، وحاجتها إلى حالة من الاستقرار والهدوء الأمني والعسكري ثالثًا، وهو ما سينعكس كذلك على الاستراتيجية الإيرانية الباحثة عن حليف دولي قوي.