الطائفة والطائفية “الطائفية السياسية”، بالمعنى المستخدم اليوم، هي مصطلح حديث، وبحسب ما تشير بعض المراجع، كانت مفردة “الطائفة” في القِدم تعني مجموعة من الناس أو جماعة، ولم يُقصد بها جماعة منتمية إلى دين أو مذهب، وقد وردت في القرآن الكريم بهذا المعنى، ومنذ العهد السلجوقي، بدأت تُستخدم مفردة الطائفة بمعنى المجموعة التي تعمل في حرفة واحدة، بما يشبه الاتحادات الحرفية أو النقابية اليوم. أما الطائفية السياسية فهي تعني اليوم النظر إلى جميع من ينتمون إلى دين محدد أو إلى مذهب على أنهم طائفة واحدة، لأفرادها مصالح واحدة موحدة جمعية، وعلى أفرادها أن يحموا مصالحها بالالتفاف حول بعضهم والانتظام في مواجهة الطوائف الأخرى، وعلى الطائفة أن تميّز نفسها بطقوس ومعتقدات ومؤسسات، وبميليشيات مسلحة خاصة بها، وعلى جميع أفرادها أن يتحركوا كما يتحرك الجنود في وحدتهم العسكرية التي انتظموا بها، وأن يصطفوا خلف قيادتها “الحكيمة” ويخضعوا لأوامرها وينفذوها دون تردد أو اعتراض. ويصف عزمي بشارة الطائفية السياسية الحديثة بأنها “حركة الاستثمار في صناعة الطائفية. لقد غدا التطييف إحدى الإستراتيجيات التي ترسمها الجماعات الاجتماعية من أجل احتلال مكانات محددة في حقل السلطة عمومًا، والدولة بشكل خاص”.

لسنا بحاجة إلى تأكيد عدم صحة الزعم القائل بأنّ مَن ينتمون إلى دين أو مذهب في بقعة جغرافية محددة -سواء أكانت ضيقة أم واسعة- يمتلكون المصالح نفسها في العصر الحديث، وأن الطائفة هي الإطار التنظيمي الضروري لهم، وأنهم بحاجة إلى الاصطفاف خلف نخبة القيادة التي تستخدمهم في النهاية كطاقة لخدمة مصالحها؛ فمصالح المنتمين إلى أي مذهب أو دين إنما هي مصالح مختلفة بل متعارضة ومتناقضة، فكل طائفة منقسمة إلى طبقات اجتماعية وفئات، لها مصالح متباينة، ثم لا يمكن أن يكون الدين أو المذهب الذي يختص بعلاقة الفرد بالسماء هما المحدد لهوية البشر ومصالحهم وعلاقاتهم على الأرض. وبالتجربة تَعلّمنا، بثمن باهظ، أن الطائفية عندما تدخل تجلب معها الخراب. ومتى بدأ التأجيج للانتماء الطائفي وتنظيمه، فإنه سينتهي بصدامات طائفية قاتلة. لأن مهمة الطائفية الأولى -بحسب بشارة- هي “استدعاء الانتماء الطائفي لدى الفرد، ومنح الانتماء هذه المعاني، وفي مقدمتها الـ (نحن)، ودائمًا مقابل الـ (هم)”.

من الأمثلة على التنظيمات الطائفية المغلقة، الكتائب اللبنانية، والقوات اللبنانية، والإخوان المسلمون، وداعش، والقاعدة، وحركة أمل، وحزب الله، والحزب الاشتراكي التقدمي اللبناني، وحزب الدعوة العراقي، وجماعة الصدر، وجماعة الحكيم، في العراق.. وغيرها الكثير. وكل هذه الأحزاب الطائفية سعت لأن تغلق طوائفها، وأن يكون لها أحزابها وميليشياتها ومدارسها ومستوصفاتها وجمعياتها الخيرية التي تخدم أبناء الطائفة.

يُعدّ العراق منذ 2003 أبرز مثال على الدمار الذي تفعله الطائفية في أي بلد. ويُعدّ لبنان مثالًا آخر، ولكن تأثير الطائفية فيه بقي محدودًا، وكان يُعدّ حالة خاصة، ومصر هي الأخرى تعاني هذا الوباء، ولكن أثره بقي محدودًا، ويدخل تحت هذا التصنيف ممارسة بعض البلدان التمييز ضد مجموعة سكانية من مواطنيها، على أساس طائفي، ويُعد ذلك ممارسة طائفية ضارة، وإن كانت من العيار الخفيف. وقد انتقل الجرثوم الوبائي في السنين القليلة الأخيرة إلى عدد من البلدان العربية، مثل اليمن وسورية. ولا تقل الصراعات القائمة على أساس عشائري قبلي سوءًا وضررًا عن الصراعات الطائفية.

مثلًا في العراق، المجموعات الطائفية التي تحكم العراق اليوم قاتلت مع إيران ضد وطنها العراق، وكان قادة “الحشد الشعبي” اليوم، مثل هادي العامري والخزعلي، ممن قاتلوا في صفوف القوات الإيرانية ضد وطنهم العراق، وكان قادة العراق اليوم قد تآمروا وحرضوا الأميركان على غزو العراق، ثم جاؤوا إلى السلطة محمولين على الدبابات الأميركية. والآن بعد 17 عامًا، نرى الخراب والنهب الذي حل بالعراق تحت قيادات طائفية، حيث تزداد معدلات الفقر وافتقاد الخدمات، على الرغم من أنه يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، ولعل من الأمثلة ذات الدلالة على ما تفعله سلطة طائفية أن يهرب جيش مؤلف من أربع فرق وكتائب مساندة وقوات خاصة يبلغ قوام مجموعها أربعين ألفًا، بحسب التقديرات التي أشيعت، مجهزين بأسلحة ثقيلة حديثة، أمام أقلّ من أربعة آلاف مقاتل من (داعش) وقوات معارضة أخرى بأسلحة خفيفة! ويُتّهم المالكي مع قيادات تلك الفرق بتدبير “الهروب الكبير”، وترك الموصل مفتوحة أمام (داعش) كي يخلق خطرًا عظيمًا يتيح له التمديد لولاية ثالثة في رئاسة الوزراء، ويستدل البعض على ذلك بما حدث، وبوقوف المالكي وإيران وراء منع متابعة التحقيق في ملف “الهروب الكبير” المغلق حتى الآن، والأميركيون أنفسهم صامتون عن ذلك، لغاية في نفس يعقوب.

إذا أخذنا “حزب الله” اللبناني، كحالة للدراسة، وجدنا أنه تأسس بأمر من الخميني، وفي البداية قاومت سورية وجوده، لأنها كانت تعتمد حركة (أمل)، ولكنها بعد ضغوط إيرانية اضطرت إلى الإفساح له، وأصبح لاعبًا رئيسيًا. وهو يتميز بتبني “ولاية الفقيه” مما يعني تسييس المذهب كليًا وليس تسييس الطائفة فقط، فهو يعطي المواقف السياسية صفةَ التكليف الشرعي الديني، عملًا بنظرية ولاية الفقيه الخمينية، ويتحدث عن المواءمة بين السياسات العامة التي يرسمها الولي الفقيه، وبين الهامش المسموح به للتعامل مع تفاصيل السياسة اللبنانية الواقعية، ويصوغ نعيم قاسم هذه العلاقة، بصيغة “إسلامية المنهج، يرسمها الولي الفقيه، ولبنانية المواطنة يرسمها الحزب”، وهذا يعني أن ولاء الحزب الرسمي والمعلن ليس لبنانيًا بل إيراني.

كانت أول مهمة لـ “حزب الله” بعد تأسيسه أن يسيطر على الطائفة الشيعية في لبنان، ويجمعها خلفه، بينما كانت فئات واسعة منها ذات توجهات قومية ويسارية، فأخذ يضغط على هذه القوى حتى وصل به الأمر إلى اغتيال عدد من قيادات ومثقفي الحزب الشيوعي اللبناني، مثل حسين مروة ومهدي عامل وخليل نعوس وغيرهم. وكانت المهمة الثانية أن يحتكر المقاومة التي كان قد بدأها الحزب الشيوعي اللبناني والحزب القومي السوري، وشاركت فيها قوى وطنية لبنانية مختلفة. وفي النهاية؛ حوّل المقاومة إلى مقاولة كي يبقى محتفظًا بسلاحه، على الرغم من انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، وانتهاء مبرر احتفاظه بسلاحه. ولأن السلاح أداة الحزب لفرض إرادته على شركائه في الوطن، اختلق الحجج مثل مزارع شبعا، كي يحتفظ بسلاحه. وهو اليوم القوة الأكبر في لبنان يفرض إرادته على الجميع، بقوة السلاح الذي لم يتردد في إشهاره ضد اللبنانيين عام 2008 والآن ضد السوريين واللبنانيين.

وعبر تركيز الحزب على الطائفة الشيعية، لصوغ هوية مميزة خاصة بها، جعل منها “دولة داخل دولة”، لها ميليشيا خاصة ومؤسسات خيرية وسياسية واجتماعية أقوى من مؤسسات الدولة اللبنانية، بل إنه صادر قرار الدولة اللبنانية في الشؤون الداخلية والخارجية، وصار يتصرف تجاه العالم الخارجي بقرارات مستقلة منفردة لا تخضع لسلطة الدولة، والأمثلة كثيرة، آخرها تدخله في سورية ليقتل السوريين.

أما (داعش) فهي لغز طائفي، فهي من جهة تتبنى أيديولوجيا مذهبية “سنّية” متطرفة، ومن جهة أخرى سعت للسيطرة على مناطق السنة الخارجة عن سيطرة النظام، وعملت بهم تقتيلًا، سواء في سورية أم العراق، وخلقت مناخًا أجج الطائفية إلى حدود قصوى، وخلق مناخًا دوليًا خدم قيادات إيران المذهبية والنظامين العراقي والسوري.

المثال الأخير الذي يعنينا في سورية مباشرة هو مآل الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في آذار 2011 مطالبةً بالحرية والكرامة وبإقامة نظام ديمقراطي. فقد لاقت القوى ذات الأيديولوجيات الطائفية مساعي النظام في منتصف الطريق، الذي سعى إلى تطييف الصراع ودفع الحراك نحو التطييف وحمل السلاح، وأفعاله هنا معروفة، حيث سعت تلك القوى لدفع الحراك السلمي نحو حمل السلاح ونحو ارتداء ثوب مذهبي، وقدّمت الجهات الداعمة والراعية دعمها الكبير لهذه المجموعات، بينما حُرمت المجموعات التي لا تتبنى هذا التوجه من الدعم، وقد شكّل ذلك عامل إرعاب لما يسمى “أقلّيات” في سورية، وهي تسمية زائفة، كما أرعب فئات مدينية سنية واسعة، وأرعب المجتمع الدولي، وساهم في تحويل موقفه المؤيد والمحتفي بثورة الشعب السوري في 2011، إلى موقف وضع فيتو على انتصار المعارضة وسقوط النظام، وبذلك قدّم خدمة جليلة للنظام.

الطائفية وباء يحتاج إلى استئصال:

كل هذه الدروس تعلمنا أننا نحتاج في سورية، كما في غيرها من بلداننا، إلى مكافحة وباء الطائفية، وتنمية مجتمع حديث بقيم حديثة على حساب الهويات الدينية والطائفية القديمة. وهذا يتحقق عبر:

  • مجتمع يختص فيه رجال الدين بعلاقة الفرد الثابتة بالسماء، ويبتعدون عن كل ما هو أرضي متغير واسع ومعقد، فلا يتدخلون في السياسة أو أنظمة الحكم أو الاقتصاد أو تنظيم المجتمع وتنظيم الحياة اليومية، وهي جوانب متغيرة متبدلة. وتدخلهم في ما هو ليس من اختصاصهم كمن يعرض ولده المريض على مزارعٍ لعلاجه.
  • وأد مفهوم الأكثرية والأقلية القائم على الانتماء المذهبي والديني، واختفاء كلمات مثل “مكونات الشعب” و “التعايش”، لكونها تعابير تشير إلى الفرقة.
  • تنمية سياسات وممارسات ومؤسسات تنمي قيم المواطنية الحديثة التي تساوي بين جميع المواطنين، في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، بغض النظر عن الدين والمذهب والاثنية وغيرها، مساواة على جميع الأصعدة، مقابل تراجع الانتماء المذهبي والطائفي، وانتهاء تعريف الهويات على أساس ديني ومذهبي والتمييز بين المواطنين.
  • تنمية تنظيمات سياسية حديثة تقوم على برامج وطنية مفتوحة للجميع، مقابل تراجع التنظيمات السياسية الخاصة بدين أو مذهب.
  • تنمية جمعيات ومؤسسات خدمية وخيرية مشتركة مفتوحة للجميع، مقابل تراجع الجمعيات والمؤسسات الخدمية والخيرية الخاصة بمذهب أو طائفة.
  • تنمية تردد الناس على المراكز الثقافية والأندية المفتوحة للجميع، محل المراكز الدينية الخاصة بدين أو مذهب دون غيره.
  • تنمية المدارس والمؤسسات التعليمية العصرية المنفتحة للجميع، مقابل تراجع المؤسسات التعليمية التي تختص بطائفة ومذهب، وأن تدرج في منهاجها مادة اجتماعية تعرف بمختلف الأديان وبأسس المجتمع الحديث وقيمه، محل مادة التربية الدينية لدين محدد.
  • تنمية أحوال شخصية مشتركة عصرية مدنية موحدة للجميع، وإقامة محاكم أحوال شخصية موحدة للجميع، مقابل تراجع قوانين الأحوال الشخصية الخاصة بكل طائفة ومذهب ومحاكم شرعية خاصة بها والتي تكرس التفرقة.

هل هذا صعب التحقيق؟

الجواب نعم، إنه صعب التحقيق، وبخاصة أننا نرى الانتماءات الطائفية تنمو، ولكن على الرغم من ذلك، فهذا هو الطريق الوحيد ولو طال، ثم إن وجود الوعي والإدراك والاقتناع وتبني المبدأ هو أول شروط تحقق الهدف، ولو كان ذلك على مراحل وبعد حين، ونعتقد أن هذا “الحين” لن يكون بعيدًا، وقد رأت شعوبنا الكوارث التي جلبتها الانتماءات الطائفية.

إذا استعرنا صرخة روزا لوكسمبورغ، في بدايات القرن العشرين: “إما الاشتراكية وإما البربرية”؛ فإن بإمكاننا أن نصرخ اليوم: “إما اللا طائفية، وإما البربرية”.