يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء الآن، في عزّ إجراءات الحظر والتقييد السارية في أغلب بلدان العالم، لكن بسبب مضاعفات كورونا الكبرى المتوقّعة، كان لا بدّ من البحث في احتمال امتدادها لتشمل قضايا مصيرية لشعوبٍ أنهكتها الحروب، مثل الشعب السوري.

بعد تسعة أعوام من حرب هوجاء بدأها نظام الأسد على الناس المدنيين المطالبين ببعض حقوقهم البشرية، وبعد أن حملت بعض فئات السوريين السلاح في مواجهته، وبعد أن دخلت الميليشيات الإرهابية والطائفية في أتون الصراع، وبعد أن تدخّل الروس والأميركان ومن معهم ضمن ما سميّ بـ “قوات التحالف الغربي”، وبعد أن تدخل الأتراك بشكل مباشر أيضًا؛ باتت سورية مسرحًا كبيرًا للعمليات العسكرية والأمنية، وكان من النتائج المباشرة لهذا الصراع المتشعب دمار غير مسبوق في بنية الدولة والمجتمع والاقتصاد السوري.

تقول تقديرات متواضعة صادرة عن الأمم المتحدة، في آب/ أغسطس 2018، “إنّ تكلفة إعادة الإعمار في سورية ستتجاوز 400 مليار دولار أميركي”. وهو ما أعلنه بشار الأسد ذاته، لكنّ مفوضة الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية وشؤون الأمن فيدريكا مورغيني أبلغت الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أنّ “إعادة إعمار سورية تحتاج إلى 900 مليار دولار”، بحسب ما أعلن هو ذاته في تصريح تلفزيوني له في آذار/ مارس 2017.

فإذا قسّمنا هذه التكلفة على السنوات الست المنقضية من تصاعد أعمال العنف والتدمير منذ نهاية عام 2011؛ وجدناها بمعدّل مئة وخمسين مليار دولار للسنة الواحدة، مع تفاوت في نصيب الأعوام بين سنة وأخرى، بحسب اشتداد عمليات التهديم المنهجي، مثل تلك التي شملت أحياء حلب الشرقة أو مدينة الرقة مثلًا. وإذا أخذنا في الحسبان أنّ أشد عمليات التدمير قد وقعت في الأعوام الثلاثة الأخيرة، من بداية 2017 حتى بداية 2020، وأضفنا عليها -بحسابات تقريبية ساذجة نوعًا ما- أربعمئة وخمسين مليار دولار؛ وجدنا أن تكلفة إعادة الإعمار المبدئيّة قد تصل إلى ألف وأربعمئة مليار دولار أميركي، في حدّها الأقصى المتوقّع، وفي حال توقفت الحرب نهاية عام 2020. أمّا إذا أخذنا حسابات البنك الدولي والأمم المتحدة، التي قدّرت هذه التكلفة -كما أسلفنا- بمبلغ 400 مليار حتى نهاية عام 2016؛ فإنّ الرقم قد يصل إلى مبلغ 700 مليار دولار، وهذه الأرقام مرعبة في كلتا الحالتين.

في دراسة بعنوان “القانون الدولي وإعادة إعمار سورية”، نُشرت في 18 نيسان/ أبريل 2019، في موقع (الجمهورية)، يذكر المحامي والباحث بالقانون الدولي مهند شراباتي، في مقدمة بحثه، ما يلي: “يتم الترويج لإعادة الإعمار كعملية تقنية، تشمل فقط إعادة إعمار الأبنية التي دمرتها الحرب، مع تجاهل جوانبها المتعددة التي تشمل أيضًا الإصلاح السياسي والاقتصادي والقانوني والاجتماعي، ووجوب أن تبنى على أسس الديمقراطية والشفافية، بحيث تمنع استمرار الجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان وارتكاب انتهاكات جديدة، وبحيث تؤدي بالنتيجة إلى خلق الظروف المواتية لعودة اللاجئين واستعادة أملاكهم وإعادة دمجهم في المجتمع”.

إنّ حساب تكاليف إعادة الإعمار يجب ألّا تقتصر على ما يحتاج إليه تأهيل البنى التحتية، من شوارع ومدارس ومشافٍ ووسائل اتصال ونقل ومنشئات ومرافق عامة أخرى، بل يجب أن يدخل فيها -بلا أدنى شك- مجمل العمليات الأساسية اللازمة لذلك، والتي تحدّث عنها الأستاذ مهند، فلا يمكن أن يُتصور نجاح عملية بهذا الحجم الهائل دون وجود بنى تشريعية وقانونية ومصرفية ورقابية ومحاسبية وتكنولوجية مناسبة. هذا يستتبع إعادة تأهيل القطاع المصرفي بأكمله والسلطة القضائية وأجهزتها المختلفة، وأجهزة الرقابة المالية والإدارية، ومؤسسات التحكيم، ونقابات المحامين، إضافة إلى تأهيل جيش كامل من الموظفين الإداريين والفنيين والعمال الذين ستتم هذه العملية من خلالهم وبأيديهم.

يضاف إلى ذلك كله مسألة العقوبات المفروضة على سورية من قبل الاتحاد الأوروبي كمنظمة دولية، ومن قبل الأمم المتحدة، على بعض الكيانات والأفراد الموجودين في سورية، مثل تنظيم “الدولة الإسلامية” وتنظيم “هيئة تحرير الشام”، كذلك العقوبات المفروضة من جامعة الدول العربية، ومن بعض الدول مثل تركيا وكندا وأستراليا. ولعلّ أهمّ العقوبات هي تلك المفروضة من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وقد تعززت بصدور قانون سيزر.

تبقى أهمّ التحديات التي تعترض طريق إعادة الإعمار في البلدان التي دمرتها الحروب، تلك المتعلقة بالأوضاع الجديدة بعد أزمة أو جائحة فيروس كوفيد 19 المعروف باسم فيروس كورونا.

تعرّف دراسة صادرة عن وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية في البرنامج السوري للتطوير القانوني، العقوبات الدولية بالقول: “العقوبات الدولية هي تدابير تقييدية تفرضها المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، أو الدول ضد دول أخرى أو جهات غير حكومية أو أفراد يشكل سلوكهم أو سياساتهم انتهاكًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان، أو تهديدًا للسلم والأمن العالمي أو الإقليمي، وذلك بهدف التأثير على سلوك أو سياسات هذه الدول أو الجهات أو الأفراد وإقناعهم بوقف الانتهاكات التي تهدد السلم أو الأمن”.

ستكون مسألة إعادة الإعمار في العديد من الدول، مثل سورية، مرهونة بالعديد من القضايا، ولعلّ العقوبات الدولية واحدة منها، حيث إن الجهات التي فرضت هذه العقوبات تشترط حصول انتقال سياسي أو تقدّم في قضايا الحل السياسي لرفعها. وإذا عرفنا أنّ الشركات التي تعمل أو ستعمل في إعادة الإعمار، في الدول التي شهدت أو ما زالت تشهد صراعات وحروبًا، ستكون عرضة لاتهامها بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضدّ الإنسانية، إن لم تكن أعمالها التجارية متوافقة مع قواعد القانون الدولي؛ فإننا سنعرف مدى صعوبة المساهمة في هذه العملية في المستقبل، دون وجود ضمانات سياسية وقانونية تحمي المساهمين بها.

لكن تبقى أهمّ التحديات التي تعترض طريق إعادة الإعمار في البلدان التي دمرتها الحروب، تلك المتعلقة بالأوضاع الجديدة بعد أزمة أو جائحة فيروس كوفيد 19 المعروف باسم فيروس كورونا.

إنّ إلقاء نظرة سريعة على الإجراءات التي اتخذتها الدول التي من  المحتمل أن تشارك مستقبلًا في برامج إعادة الإعمار، وعلى الخسائر الكبرى التي تكبدتها قطاعات كثيرة فيها، مثل قطاعات التصنيع والسياحة، وعلى الأعباء الهائلة المفروضة على حكومات هذه الدول لمعالجة آثار إغلاق كثير من قطاعات الإنتاج، وعلى النتائج المترتبة على إفلاس كثير من الشركات، وعلى ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل ممن فقدوا وظائفهم أو أغلقوا متاجرهم أو مكاتبهم أو ورشاتهم، ستعطينا صورة عن التأخر الكبير في عودة قضية إعادة الإعمار في البلاد التي أنهكتها الحروب إلى قائمة الأولويات في الدول المانحة.

فلو أخذنا ألمانيا، كإحدى الدول الصناعية الغنية، فسنرى حجم التحديات الكبرى التي ستمنع مشاركة فاعلة منها في هذا الملف. فعلى سبيل المثال، يتوقع معهد (إيفو) الألماني للبحوث الاقتصادية أن تتكبد ألمانيا خسائر تزيد على نصف ترليون يورو، وفقدان أكثر من مليون ونصف المليون وظيفة، من جراء وباء كورونا المستجد. وفي دراسة نشرها بنك التنمية الآسيوي، في الثالث من نيسان/ أبريل الماضي، توقّع أن تراوح كلفة تداعيات تفشي فيروس كورونا المستجد على الاقتصاد العالمي بين ألفي مليار و4100 مليار دولار، أي ما يعادل 2,3 إلى 4,8 % من الناتج الإجمالي المحلي العالم، وأشار التقرير إلى أنّ التقديرات يمكن أن تكون أقلّ من الواقع، باعتبارها لم تأخذ بالحسبان الأزمات الاجتماعية والمالية المحتملة وكذلك تأثير الوباء في الأنظمة الصحية والتربوية على المدى الطويل. من هنا يمكننا توقّع تعثر عمليات إعادة الإعمار في سورية، وفي غيرها من البلدان مثل اليمن وليبيا، لأسباب جوهرية أنتجتها ظروف انتشار وباء كورونا. وهذا يفرض على القوى الوطنية في هذه الدول أن تفكّر جديًّا، منذ هذه اللحظة، بالبدائل المحتملة لتمويل هذه القضايا الملحّة، وليس الانتظار إلى أن تنتهي أزماتها السياسية أو أن تتوقف الحروب فيها.